مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 265)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 265)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢١ رمضان ١٤٤٦ هـ - ٢١ آذار ٢٠٢٥
151

القسم الأول من أسئلة آية آل عمران 14
أصول الشهوات الإنسانية سبعة


﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ﴾ [آل عمران: 14]


السؤال الأول:
ما دلالة بناء الفعل ﴿زُيِّنَ﴾ [آل عمران:14] للمجهول في الآية؟


الجواب:
في القرآن خط تعبيري واضح يتمثل في أنّ ربنا سبحانه وتعالى لا يسند الشر لنفسه، وإنما ينسب له الخير، والأمثلة كثيرة في القرآن كقوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَ‍َٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَ‍ُٔوسٗا [الإسراء:83] ولم يقل: مسسناه بالشر، وإنْ كان الكل من عند الله سبحانه وتعالى لكن تأدباً، وكما في هذه الآية ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ [آل عمران:14] لم يقل: (زين لهم) بينما يذكُر ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ [الحُجُرات:7] ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:6] .


السؤال الثاني:
ما دلالة تقديم الأولاد على الأموال كما في هذه الآية؟


الجواب:
في مواطن الحُبّ يقدّم الأولاد على غيرهم، وفي حُبّ الشهوات يقدّم النساء على باقي الشهوات، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَ‍َٔابِ﴾ [آل عمران:14] .
أمّا في مواطن الإلهاء كقوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [المنافقون:9] فيقدّم الأموال على الأولاد مع أنّ حُبَّ الأولاد أكثر، لكنْ الالتهاء بالمال يكون أكثر؛ لذا قدّم الأموال على الأولاد للتحذير.


السؤال الثالث:
في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ﴾ [آل عمران:14] لِمَ لم يقل: زُيّن للرجال، طالما ذكر في الآية ﴿مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [آل عمران:14] ؟.


الجواب:
1ـ عندما ذكر البنين معناه ألمح إلى رغبة النساء في ذلك، فالنساء يحملن البنين ويرغبن في ذلك، إذن (البنين) ليست خاصة بالرجال، وعندما ذكر البنينَ ألمح بذلك إلى رغبةِ النساء في هذا الأمر، لكنه لم يشأ أنْ يخدِشَ حياءهن، فلم يقل: (زُيِّنَ للنساء حب الشهوات من الرجال) .


2ـ كلمة البنين فيها إشارةٌ إلى معاشرة الرجال وإلا كيف يأتي الأولادُ؟ فلما قال: البنينَ، دخل فيه النساء تضميناً لا تصريحاً.


3ـ الناس يحبون شهوة النساء والبنين والذهب والفضة، و(البنين) يحبهم الرجال والنساء، إذن دخلت النساء في الآية تلميحاً وليس تصريحاً، ولكنْ لم يصرِّح حتى لا يخدش حياءهن، ولم يقل زُيّن للرجال حب الشهوات من النساء؛ لأنّ الرجال يسعون في ذلك وينفقون في ذلك.


4ـ وكلمة (الناس) هذه أعم؛ لأنّ البنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ليست خاصة بالرجال، ولو قال: الرجال، فأين يذهب النساء؟ ألا يحبون القناطير المقنطرة؟! فعَمَّمَ؛ ليشمل النساء .


5ـ وكلمة الناس تضم الجنسين الرجال والنساء، والآية شملت النساء ودخلت تحت العموم في كلمة الناس، وذكر النساء تلميحاً بحبِّ البنين والقناطير المقنطرة لكن لم يخدش حياءهن.


السؤال الرابع:
ما من شك أنّ القناطير المقنطرة هنا يُراد بها المال والإتيان بهذا اللفظ ﴿وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ﴾ [آل عمران:14] يلقي ظلاً ترسمه هذه العبارة، فلِمَ عدل ربنا تعالى عن المال إلى هذه العبارة؟


الجواب:
إنه نَهَمُ المال، ولو كان ربُّنا يريد مجرَّدَ الميلِ إلى المالِ لعبَّرَ باللفظ الصريحِ لكنّ القناطير المقنطرة تدل أولاً على المال المضاعف والكثرة، وتضفي تصويراً لشره الإنسان الذي لا يكتفي بالدراهم التي تسدُّ حاجته بل يسعى إلى تكديس المال وتجميعه إرواءً لحبه المال وشرهه.


السؤال الخامس:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ﴾ [آل عمران:14] في الآية ؟


الجواب:
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ [آل عمران:14] فبعد الإطناب السابق والإسهاب في ذكر الشهوات حتى كاد المرء يذهل من تصوير الله تعالى للشهوات الدنيوية ولأمور البذخ والنعيم، تأتي كلمة (المتاع) المؤذنة بالقِلّة وهو ما يُستمتع به مدة ثم يزول، وما كان الله تعالى ليبيّن قيمة الحياة الدنيا الحقيقية لينتزع تعلق القلوب بها لولا استعمال هذه الكلمة، فانظر واعتبر!.


يتبع القسم الثاني من أسئلة آية آل عمران 14 بمشيئة الله تعالى


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...