مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 264)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 264)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٤ رمضان ١٤٤٦ هـ - ١٤ آذار ٢٠٢٥
97

مَثلٌ تاريخيٌ لانتصار المسلمين على عدوهم يوم بدر


﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران: 13]


السؤال الأول:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13]؟


الجواب:
1 ـ عادة في القرآن الكريم يستعمل البصر وسيلة للاعتبار؛ لأنّ المرء يشاهد ويحاسب نفسه، أمّا السمع فهو وسيلة العقل والفهم والتعلم والتكلم .
وجاء قوله تعالى في هذه الآية وفي آية النور 44 ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران:13] ؛ لأنّ الآيتين تعرضان مشاهد يراها المرء بعينيه كفئتين تقتتلان يؤيد الله بنصره إحداهما كما في آية آل عمران، وكتعاقب الليل والنهار كما في آية النور، وهذا كله من آيات الله التي تستدعي التفكر والاعتبار .


2ـ إنّ العبرة هنا لأولي الأبصار ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ وليس لأولي البصائر، لأنّ الأمر الذي تتحدث عنه الآية هو أمر مشهدي، أمر محسوس، فمن له عينان عليه أن يبصر بهما، فإذا كان التفكير والتدبر ليس أمراً موهوباً لكل مخلوق من البشر، فإنّ البصر موجود للغالبية من الناس، وكلٌ منهم يستطيع أن يفتح عينيه ليرى هذا الأمر المشهدي. وإذا ما نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا الدليلَ الكامل على صدق العبارة؛ فالمؤمنون قلة وعددهم معروف محدود، وعتادهم قليل، ولم يخرجوا بقصد حرب، إنما خرجوا لقصد الاستيلاء على العير المحملة بالأرزاق من طعام وكسوة تعويضاً عما اغتصبه المشركون من أموالهم في مكة، ولو أنّهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيماً بالدرجة التي كان عليها؛ لأنّ العِير عادة لا تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة فقط، ولكنّ الله يريد لهم النصر على ذات الشوكة، أي الطائفة القوية المسلحة.

3 ـ نصَرَ الله المسلمين يوم بدر مع اختلاف العدد والعُدّة، ليبيّن للناس إلى يوم القيامة أنّ النصر بيد الله وحده ، وليس بالمقياس المادي فقط ، مع ضرورة الأخذ بأسباب النصر وإعداد العدّة اللازمة للمعركة .


4 ـ الله هو القادر على نصر الفئة المؤمنة القليلة الصابرة والثابتة على غيرها من الفئات ، وفي هذا درس ألا يغترّ القويُّ بقوته ، فإنّ قوانين الله تخرق الأمور المعتادة حتى يعتبر المعتبرون .


5 ـ ﴿فِئَةٞ﴾ الجماعة أو الفرقة، وليس لها واحد من لفظها ، وجمعها : فئات ، وإنما سُميت فئة لأنه يُفاء إليها في وقت الشدة .


6 ـ ﴿لَعِبۡرَةٗ﴾ ( العبرة ): الاتعاظ ، وهو الاستدلال بشيء على شيء يشبهه .
7 ـ في قوله تعالى: ﴿فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ﴾ ما يسمى احتباك ، وهو الحذف من كلامين متقابلين ، وكل منهما يدل على المحذوف من الآخر ، وتقدير الآية : فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وفئة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان ، فحذف من الأول ما يفهم من الثاني ، وحذف من الثاني ما يفهم من الأول .والله أعلم .


السؤال الثاني:
ما أحوال تأنيث الفعل وتذكيره مع كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ ؟


الجواب:
عندما تكون كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ بمعنى الدليل والبرهان تكون بمعنى مذكر، فيأتي الفعل بالتذكير كما هو في هذه الآية ﴿كَانَ﴾ وليس ( كانت ) .
وأمّا إذا كانت كلمة ﴿ءَايَةٞ﴾ بمعنى الآية القرآنية فيؤنث الفعل، كما في آية الأنعام 124 (وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ﴾ [الأنعام:124].


السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى : ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ ؟


الجواب:
جاء في كتاب ( فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ) :
قوله تعالى: ﴿يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ﴾ أي ترى الفئةُ الكافرةُ الفئةَ المسلمةَ بمثليْ عدد نفسها، أو بالعكس على الخلاف. فإنْ قلتَ: هذا ينافي قوله في الأنفال: ﴿ وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ﴾ [الأنفال: 44] إذ قضيَّتُه أنّ كُلّاً منهما ترى الأخرى قليلة؟ قلتُ: التقليلُ والتَّكثيرُ في حاليْنِ: قلَّلَ اللهُ المشركين في نظر المؤمنين، وعكسه أولاً، حتى اجترأت كلٌّ منهما على قتال الأخرى، ثمَّ كثّر اللهُ المؤمنين في نظر المشركين لما التقتا، حتى جَبُنوا وفَشِلوا، وكثّر الله المشركين في نظر المؤمنين، وأراهم إيَّاهم على ما هم عليه - وكانوا في الحقيقة أكثر من المؤمنين - ليعلموا صدق وعد الله في قوله: ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ﴾ [الأنفال: 66] فإنّ المؤمنين غلبوهم في هذه الغَزَاةِ وهي ( غَزَاةُ بدرٍ ) مع أنهم كانوا أضعاف عدد المؤمنين. والله أعلم .


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...