القسم الأول من أسئلة آية آل عمران 11
﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران: 11]
السؤال الأول:
ما الفرق بين الآيات ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران:11] و ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] و ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [الأنفال:54]؟ أي ما الفرق بين (كذبوا بآياتنا) و(كفروا بآيات الله) و (كذّبوا بآيات ربهم)؟
الجواب:
1ـ لا شك أنّ الكفر أعمّ من التكذيب؛ لأنّ التكذيب حالة من حالات الكفر.
2ـ ننظر كيف يكون التعبير مع (كذّبوا) وكيف يكون التعبير مع (كفروا) ولمَ اختار هنا (كذّبوا) وهناك (كفروا)؟
في آل عمران قال تعالى: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران:11] وفي الأنفال قال: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] أكّد بـ ﴿إِنَّ﴾ وأضاف كلمة ﴿قَوِيّٞ﴾ ؛لأنه لمّا كان الكفر أعمّ وأشدّ، شدّد وأكّد فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] وهناك قال: ﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [آل عمران:11].
فلمّا قال في الأنفال: ﴿كَفَرُواْ﴾ [الأنفال:52]، و(كفروا) أعمُّ من (كذّبوا) في آل عمران عمَّمَ فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52] فأكّد قوته وشدّد عقابه، ولو أنه قال: (شديد العقاب) في آل عمران، فإنها لا تدل على أنه قوي، فقد يكون شديد العقاب ولكنه غير قوي.
السؤال الثاني:
لماذا اختار في آية عمران 11 قوله: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا﴾ [آل عمران:11] ولم يقل مثلاً: كفروا بآياتنا ؟
الجواب:
ذكر في آية آل عمران رقم 10 حالة جزئية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡٔٗاۖ﴾ [آل عمران:10] فذكر أمرين: الأموال والأولاد، ولكن هل الإغناء مقصور على الأموال والأولاد ؟بالطبع: لا، فهناك الأتباع، والآلهة، والسلطان، والله تعالى ذكر كثيراً من حالات الاستغناء كما في الآيات:
ـ ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ﴾ [إبراهيم:21] هذا غير الأولاد.
ـ ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ﴾ [الحاقة:28-29] فذكر السلطان.
ـ ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ﴾ [هود:101] فذكر الآلهة .
ـ ﴿لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيًۡٔا﴾ [النجم:26] فذكر الشفعاء .
إذن ذكَر حالة جزئية في الآية العاشرة، فلما ذكر حالة جزئية ذكر حالة جزئية من الكفر وهي التكذيب فقال في الآية 11 ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا﴾ [آل عمران:11].
السؤال الثالث:
ذكر الله تعالى دأبين في أول كلٍّ من آيتي الأنفال 52 و 54، فلماذا اختار في آية الأنفال52 قوله: ﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال:52] وفي آية الأنفال 54 قوله: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ [الأنفال:54] ؟
الجواب:
1ـ ذكرنا أنّ القاعدة العامة في ذلك هي أنّ الكفر أعم من التكذيب والتكذيب حالة جزئية من حالات الكفر.
2ـ في سورة الأنفال، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ * ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ * كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: 50- 51 - 52].
في الآية 52: حيث ذكر الله الدأب الأول، والدأب - بسكون الهمزة - العادة والشأن، فهذه حالة عامة ليس فيها ذكر حالة جزئية فناسب ﴿كَفَرُواْ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال:52].
ولمّا كان الكفر أعم وأشد شدَّده، وأكد بإنَّ وبكلمة (قوي) فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال:52].
3ـ وأمّا في الآية 54 فذكر القرآن الدأب الثاني، وهو هنا حالة جزئية، فقد ذكر في الآية 53 ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ وذكر مثلاً من الذين فعلوا ذلك، فقال: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ [الأنفال:54].
فلمّا ذكر حالة جزئية ذكر حالة جزئية من الكفر، وهي التغيير في النفوس، قال: ﴿كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ [الأنفال:54] وذكر كلمة ﴿رَبِّهِمۡ﴾ [الأنفال:54] أي: هو مربيهم المنعم عليهم، وجاءت بعد ذكر النعم في الآية 53؛ لأنّ الرب هو المربي والمنعم
وختم هنا في الآية 54، بقوله: ﴿وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ﴾ [الأنفال:54] والظلم حالة خاصة من الكفر، والكفر أعم من الظلم.
4ـ من دراسة الآيتين 52ـ54 نلاحظ ما يلي:
آ ـ الآيتان تتحدثان عن مشابهة مشركي مكة لآل فرعون.
ب ـ الدأب: هو المداومة والمواظبة على عملهم وعاداتهم، وشأنهم وصنعهم.
ج ـ في الدأب الأول: المشابهة بين الطرفين هي في الكفر، فكلاهما كافر.
د ـ في الدأب الثاني: المشابهة بين الطرفين هي في تغيير النعم والأحوال حيث جاء كليهما رسلٌ فكذبوا الرسل فزادوا بها على كفرهم السابق، وجمعوا بين الكفر والتكذيب وتغيرت حالتهم من سخط إلى أسخط، فغيّر الله تعالى ما أنعم عليهم، وعاجلهم العقوبة بالإغراق.
وفي هذا رسالة قوية لمشركي مكة مفادها: إنْ لم يؤمنوا فسوف يصيبهم ما أصاب أقرانهم من آل فرعون.
هـ ـ ذكر لفظ الله في الآية 52، وذكر لفظة (الرب) في الآية 54؛ ليدلّ على أنّ الرب هو الله وليس غيره .
و ـ باختصار: الكفر أعظم من التكذيب ـ الأنفال 52 ـ ، والتكذيب (بآيات ربهم) ـ الأنفال 54 ـ أعظم من (التكذيب بآياتنا) ـ آل عمران 11 ـ والدليل الوعيد في كل آية .
السؤال الرابع:
قال في آية الأنعام 33 ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:33]، فهل التكذيب غير الجحود ؟
الجواب:
في قوله تعالى في آية الأنعام 33 ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾
نجد أنّ الجحود غير التكذيب، فهناك جحود وهناك تكذيب وهناك كفر، فمثلاً شخص لا يكذّب ولكنْ يرى أن لله ولداً !.
فهناك فرق بين الكلمتين والحالتين، انظر قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾ [النمل:14] فناسب: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:33]، لأنّ التكذيب هو حالة جزئية من الكفر .
السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ [آل عمران:11] فرعون واحد من جمهرة كبيرة من المكذبين والجاحدين المتألهين في التاريخ الذين ذكر بعضَهم القرآنُ، فهل من سبب في تخصيصه هنا دون غيره من أمثال عاد وثمود؟
الجواب:
نعم، هذا التخصيص يناسب ثقافة المخاطَبِ بهذه الآية، وهم اليهود والنصارى؛ لأنهم أعلم وألصق بأخبار فرعون كما أنّ العرب أعلم وألصق بأخبار عاد وثمود، وهلاك فرعون معلوم لليهود بخلاف هلاك عاد وثمود. والله أعلم.
يتبع القسم الثاني من أسئلة هذه الآية في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


