المسلم يسأل ربه الثبات في الدنيا وحُسن الجزاء في الآخرة
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]
السؤال الأول:
ما معنى (لدن) في اللغة والاستعمال القرآني؟ وما الفرق بين (لدن) و(عند)؟
الجواب:
1ـ (لدن): ظرف بمعنى (من عند)، ولدن: هي لأول غاية الزمان أو المكان، ولم ترد في القرآن الكريم إلا مجرورة بـ (من) لملازمتها ابتداء الغايات.
2ـ (لدن): أبلغ من (عند) قال تعالى: ﴿لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ﴾ [الكهف:2].
وإنّ لفظ (لدن) مشابه للفظ (اللدن) المأخوذ من اللدانة، واللدن هو اللين من كل شيء من عود أو حبل أو خلق ويقال: امرأة لدنة.
3ـ وقد وردت كلمة (لدن) الظرفية في القرآن الكريم 17 مرة، كلها في الرحمة والحنان والخير واللين، وهو استعمال قريب لمعنى الليونة، وقد تأتي بمعنى التلبث، وهو استعمال طريف يكسب معنى (لدن) الظرفية معنى اللدونة.
4ـ وقد تقول: ألم يرد قول الله تعالى: ﴿لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ﴾ [الكهف:2] في سورة الكهف، وهذا ليس في اللين والرحمة ؟
والجواب: إنّ هذا هو الموطن الوحيد الذي اقترن به البأس والشدة بِـ (لدن)، ومع ذلك هو في الرحمة، والنص يوضح ذلك، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ * قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا * مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا﴾ [الكهف:1-2-3].
فهذا الكلام هو في القرآن الكريم الذي هو خير ورحمة.
5ـ ثم إنه لمّا كانت (لدن) أخص من (عند)؛ لكونها أقرب مكاناً منها، كانت أبلغ من (عند)؛ لأنها مبدأ الزمان والمكان.
6ـ ولم تستعمل ﴿لَّدُنۡ﴾ في القرآن الكريم إلا مع الله، كقوله تعالى:
ـ ﴿مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:1] .
ـ ﴿مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل:6].
ـ ﴿مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء:67].
ـ ﴿رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا ﴾ [القصص:57].
ـ ﴿مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا﴾ [الإسراء:80].
إلا في موطن واحد وهو قوله: ﴿قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا﴾ [الكهف:76].
لذلك فإن (لدن) أبلغ من (عند) لأنها ألصق بها، وقد استعملت في القرآن الكريم في خصوصيات الألطاف والتعليم والرحمة الإلهية.
السؤال الثاني:
ما دلالة خصّ القلوب في هذه الآية؟
الجواب:
1 ـ في هذه الآية خصّ القلوب بالذكر، لأنها محل الخواطر والنيات والإرادات، وهي مقدّمات الأفعال ، ثم جعل سائر الجوارح تابعة للقلوب في الحركات والسكنات . ومحل القلب لا يطلع عليه إلا الله ، ولا يعلم ما في القلب إلا الله سبحانه .
2 ـ الزيغ يحصل في القلب من خللٍ في ذاته، أو من ضعف إرادة، أو من رفقاء سوء، أو من شهوة ونزوة، ونحو ذلك. والله أعلم .
3 ـ قوله تعالى : ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ إذا كان الراسخون في العلـم يخافـون أن تميل قلوبهـم عن الحـق .. فكيـف بمن هم دونهم، فاحرص على سلامة قلبــك دائمًا وأكثـر من هـذا الدعــاء. والله أعلم.
مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


