وجوب التلقي عن الله تعالى في المُحكم والمُتشابه
﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: 7]
السؤال الأول:
ما دلالة ﴿ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ﴾ و ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران:7] في هذه الآية في القرآن الكريم؟
الجواب:
1ـ هذه الآيات المتشابهة لا يعلمها إلا الله تعالى، وقد تكون متعلقة بالله تعالى أو بالقدَر أو بأمور أخرى لسنا مكلّفين بها ولا نعلمها، أمّا الآيات المحكمات فهي التي تكون متعلقة بالبشر، فعلينا اتّباع المحكمات والإيمان بالمتشابهات، وقيل: إنّ ثلثي القرآن فيه متشابه.
علماً بأن الأحكام تعدل ثلث القرآن، وهي تخص الآيات التي لا يوجد فيها تشابه، لكنّ التشابه في هذا الكتاب هو في الآيات المتشابهة.
وقوله تعالى: ﴿ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] هذه الآيات منها تستنبط الأحكام: الحلال والحرام، والمواعظ والنصائح، وكل شيء؛ لأنّ القرآن منهج حياة وكل ما يتعلق بمنهج الحياة يُستنبط من هذه الآيات، فهي أمُّ للكتاب كله.
2ـ وأما قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران:7] فهي الآيات التي فيها مساحتان: مساحة للفهم العام شأنها شأن المحكمات، ومساحة لما اختصّ الله عز وجل ذاته بعلمه، ولذلك أتبع الله ذلك بقوله: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ﴾ [آل عمران:7] ولا يخوضون فيه؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم لن يصلوا فيه إلى نتيجة؛ لأنّ هذا مما اختص الله عز وجل به نفسه (الماهيّات)، لكنّ المعنى العام مفهوم.
في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء رجل تحققت فيه هذه الآية ﴿ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران:7] يريد أنْ يحدث فتنة فبدأ يسأل عن الآية ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر:49] وبدأ يثير بلبلة بين المسلمين عن الماهية و الكيفية فرُفِع الأمر إلى عمر فقال: هذا نحن نؤمن به فأخذ الدِرّة وصار يضربه بها.
3ـ أين يكون الوقف السليم في الآية؟ بالطبع عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7]، وهنا نقول إنّ قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ لأنه ما الفائدة من مدحهم إذا لم يكونوا مؤمنين هذا الإيمان؟ فإذا كان الراسخون في العلم يقولون هذا الكلام، فمن باب أولى يجب على الذين هم أقلّ علماً أنْ يقولوا هذا في المساحة الثانية من المتشابه مما سُمِّيَ متشابهاً. والله أعلم.
4 ـ من فوائد المتشابه:
آ ـ الإيجاز والاختصار في الكلام.
ب ـ اشتغال أهل العلم بردّ المتشابه إلى المُحكم.
ج ـ بيان فضل العالم على الجاهل.
د ـ اختبار أذهان المتعلمين في معرفة الأمور الغامضة والدقيقة، إعمالاً للفكر .
هـ ـ اختبار إيمان المؤمن، وإظهار ارتياب المنافق في المتشابه.
و ـ القرآن شريعة دائمة، يفتح أبواب النظر في الفروع لأهل الاجتهاد، ويعوّدهم البحث والتنقيب لتؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين.
السؤال الثاني:
ما معنى (التأويل) في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7]؟
الجواب:
التأويل له معنيان: التفسير والبيان، ويشمل جميع القرآن أو حقيقة الشيء ومآله ويشمل القسم الثاني من المتشابه، وهذا مما اختص الله عز وجل به نفسه.
فإذن سيكون معنى الآية: أنّ كتاب الله عز وجل كل آياته محكمة والمتشابه منها فيه مساحة.
السؤال الثالث:
إذا كانت الوقفة على كلمة ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7] في هذه الآية فكيف يكون تفسير الآية؟
الجواب:
1ـ علامات الوقف ليست توقيفية، وإنما من خلال ما كتبه علماء الوقف والابتداء ومما أخذ، لكنْ هنا يوجد رواية وهي أنه هناك وقف على كلمة العلم ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7]، ونُسِب إلى ابن عباس أنه قال: والراسخون يعلمونه وأنا أعلمه وأنا من الراسخين الذين يعلمونه.
والكلام في هذه الآية وما ورد به رواية لا يُردّ، لكننا نختار ما عليه جمهور المسلمين وما يوافق سياق الآية.
2ـ علامة الوقف في المصحف على كلمة ﴿إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7] في الآية ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ [آل عمران:7] وليس هناك علامة على كلمة العِلم، لكنْ في الروايات موجود هنا وقف، واللجان العلمية اختارت الوقف على لفظ الجلالة.
3ـ وقسم رفض أنْ تكون الواو هنا عاطفة، وإنما قال: هي استئنافية حتى في الوقف: يعني وما يعلم تأويله إلا الله؛ لأنه حصر، ثم قال: استأنف كلاماً: والراسخون في العلم يعلمونه أيضاً ويقولون.
4 ـ قوله تعالى: ﴿مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ تبين أنّ الاعتماد على المتشابهات وإغفال المحكمات أصل من أصول الضلال ولا تجد صاحب الهوى إلا كذلك ، وصاحب الهوى هو من يبحث في الأدلّة عما يناسب هواه ورأيه وإن أساء فهم الدليل وجانب الحق؛ قال تعالى : ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ ﴾.
السؤال الرابع:
ما الفرق بين الاجتهاد والتأويل والتفسير والشرح والتفصيل؟
الجواب:
1ـ الاجتهاد: هو بذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح عن طريق القياس في رد الأمر إلى الكتاب والسنة، مثل قضيةٍ تعرض للفقيه الذي يفتي فيها فيردها عن طريق القياس إلى الكتاب والسنة، ولا يقول من رأيه ويقول بعدها: أنا اجتهدت، وللاجتهاد شروط.
2 ـ التأويل: من آل يؤول، وله معنيان:
آـ بيان ما يؤول إليه اللفظ من معنى، أي: نقل ظاهر اللفظ إلى دلالة أخرى، مثل سورة النصر، سميت سورة التوديع وتأويلها عند ابن عباس رضي الله عنه أنها نعي لرسول الله ﷺ، فهذا أمر غير مصرح به في الآية، وإنما ينقله إلى معنى آخر لسبب من الأسباب.
ومن ذلك أيضاً تأويل الأحلام المُرمَّزةِ، ويسمى تأويلاً كما في سورة يوسف، سبع بقرات، أي: سبع سنين.
ب ـ بيان حقيقة الشيء أو ماهيته، وهذا لا يكون في كل موضع، فأحياناً بيان الماهية غير ممكن كما في موضوع عذاب القبر والآيات المتشابهات. وتأويل الأحلام يسمى تأويلاً، نحو آية يوسف 100.
3ـ التفسير: هو كشف المراد من اللفظ أو المفردات، أي: تفسير عبارة غير واضحة لشخص تفسرها له.
4 ـ إعمال العقل: أنْ يُعمِلَ الإنسان عقله في الاستنباط.
5 ـ القول بالرأي: أنْ تبدي رأياً وفق ضوابط.
بالطبع هناك ضوابط لكل واحد من هذه التعبيراتِ، ومن أولها: التبحُّرُ في علم اللغة، وكذلك التبحر بالعلم الشرعي المتعلق بالحديث والسنة وأسباب النزول وغيرها، والله أعلم.
السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:7] وفي آيات أخرى يقول (يتذكر) فما الفرق بين ﴿يَذَّكَّرُ ﴾ و ﴿ يَتَذَكَّرُ ﴾ ؟
الجواب:
بشكل عامٍّ عندما يحتاج الوضع إلى وقت طويل للمحاكمة العقلية والنظر الطويل والتدرج في المعرفة، يستعمل (يتذكر) وهي الصيغة الأطول، وعندما يحتاج الوضع إلى هزة نفسية قوية، وإلى يقظة قلبية وإلى شفاء يشفي ما في القلب يستعمل (يذّكر) التي فيها شدة وتضعيف.
والأمثلة التالية توضح الأمر:
1ـ في آية آل عمران ( 7) ذكر القرآن فيها أناساً في قلوبهم زيغٌ يبتغون الفتنةَ ولا يريدون الوصول إلى الحقِّ، وهؤلاء نظيرُ مرضى القلوب يحتاجون إلى يقظةٍ قلبيةٍ وإلى شفاءِ يشفي ما في قلوبهم مما ألمَّ بها من داءٍ، وحاجتهم إلى إصلاحِ قلوبِهم أكثَرُ من إصلاحِ عقولهم؛ فاستعمل (يذّكر).
2ـ آية فاطر (37) معناها أنكم بقيتم في الدنيا مدة طويلة فيها كفاية للتذكر لكنكم لم تتذكروا، فجاء بصيغة الفك الطويلة ﴿ أَوَ لَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ [فاطر:37].
3ـ آية الرعد ( 19) ومعناها: أفمن يعلم كمن لا يعلم؟ وهو تذكر يقوم على المحاكمة العقلية، وهذا يحتاج إلى وقت طويل فاستعمل ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ [الرعد:19].
4ـ آية الزمر (9) نظيرة الآية السابقة في المفاضلة بين الذي يعلم والذي لا يعلم، وهو أمر عقليٌّ يقوم على العلم الذي يحتاج إلى النظر الطويل والتدرُّجِ في المعرفة فجاء بـ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ [الرعد:19].
5ـ آية ابراهيم (25) هي للاستفادةِ من المَثَلِ إلى موطنِ الحكمةِ والاتعاظِ وعقد الصلة بين المثل والواقع، كل ذلك يحتاج إلى طول تذكر وتأمل ومحاكمة عقلية فاستعمل ﴿ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:25].
6ـ آية الأنفال (57) هم مرضى قلوب يعاهدون ثم ينقضون في كل مرة، فهم يحتاجون إلى هزة قلبية عنيفة، وإلى سوط يقرعهم، وإلى عمل يذكرهم، ويبالغ في تذكيرهم ليرتدعوا.
وهؤلاء لم ينتفعوا بالعقل؛ لأنهم أبطلوا عقولهم، ألا ترى أنه سماهم دواباً، بل سماهم شر الدواب؟ فاستعمل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال:57] الدال على المبالغة في التذكر والعمق فيه.
7ـ وفي آية التوبة (126) نظيرة الآية السابقة هم مرضى قلوب ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ ﴾ [التوبة:125].
وذكر أنّ الآيات المنزلة تزيدهم رجساً إلى رجسهم، فهم محتاجون إلى هزة نفسية شديدة وإلى يقظة قلبية وإلى تذكر قلبي عميق يوقظهم، فاستعمل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال:57].
8 ـ في آية الإسراء (41) نظير ذلك: ألا ترى أنه ذكر أنّ القران ما يزيدهم إلا نفوراً كما زاد أولئك رجساً إلى رجسهم؟ وهذا أمر قلبي فاستعمل ﴿لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ [الإسراء:41].
9ـ في آية الزمر (27) نظيرة آية إبراهيم ( 25) إذ إنّ فيه من المثل ما يحتاج إلى محاكمة عقلية وطول نظر، ولذا عقّب بعد ضرب المثل بقوله: ﴿ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:75] فنفى العلم عن أكثرهم، والعلم أمر عقلي يكون بالتعلم والنظر فاستعمل﴿ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:25].
السؤال السادس:
لِمَ قال ربنا تعالى في الآية: ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] ولم يقل: هُنّ أصل الكتاب أو أساسه علماً أنّ أمّ الشيء أصله؛ لأنّ الأم هي الوالدة وهي أصل المولود؟
الجواب:
في هذا التعبير القرآني ﴿هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [آل عمران:7] تصوير عميق لآيات القرآن، وهو أسمى معنى مما لو قلنا: هنّ أصل الكتاب، فقد جعل الله تعالى في هذا التعبير آيات القرآن كلاماً لا يمكن فصله، فلا يمكنك أن تتصور آيات الله جميعها بمعزل عن الآيات المحكمات، كما لا يمكن لذي عقل أنْ يتصور مولوداً دون والدة.
وفي قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ﴾ [آل عمران:7] الرسوخ هو الثبات والتمكن في المكان، تقول: رسخت القدم، أي: لا تزلُّ، وجبلٌ راسخ، أي: لا يتزحزح، والراسخ في العلم هو الذي تمكن من علم كتاب الله، وقامت عنده الأدلة بحيث لا تزحزحه الشُّبَه.
فانظر لو جاء البيان القرآني بقوله: والعلماء، هل كان سيعطي القوة ذاتها التي جاءت بها هذه الاستعارة: ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ [آل عمران:7]؟ تأمل واعرف الجواب بنفسك. والله أعلم
مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


