القسم الثاني من أسئلة آية البقرة 286
﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]
السؤال الخامس :
ما الفرق اللغوي بين الألفاظ الثلاثة: (قدر ـ استطاع ـ أطاق ) في القرآن الكريم؟
الجواب :
1ـ قَدَرَ: تعني أنّ الإنسان يقوم بالعمل دون أي جهد وأنّ العمل عليه سهل، ولذلك وصف الله تعالى ذاته العلية بأنه قدير؛ لأنه سبحانه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: (كن فيكون).
* شواهد قرآنية: [البقرة 148ـ الأنعام 37 ـ النحل 77 ـ الإسراء 99].
2ـ استطاع: الفعل مشتق من الاستطاعة، وهي أنْ تقوم بالعمل الذي يساوي قوتك وجهدك دون أن تدخر منه شيئاً أو تتكلف أي جهد إضافي.
* شواهد قرآنية: [ آل عمران 97ـ الأنفال 60].
3ـ أطاق: من الطاقة، وهي القيام بالأمر ببذل أقصى الجهد والمشقة والتعب الشديد، أي: يقوم بالعمل ببذل مزيد من الجهد والعنت والشقاء.
* شواهد قرآنية:
﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ﴾ [البقرة:184] .
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾ [البقرة:286] .
السؤال السادس :
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾ ما الفرق بين التحميل والتكليف والاختبار والفتنة ؟
الجواب :
1ـ التحميل لا يكون إلا لما يُستثقل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا﴾ والإصر هو الثقل.
2ـ أما التكليف فقد يكون لما لا ثقل له، نحو الاستغفار فتقول: كلّفه اللهُ الاستغفارَ ولا تقول: حمّله ذلك.
3ـ الابتلاء لا يكون إلا بتحميل المكاره والمشاق، بينما الاختبار يكون بذلك وبفعل المحبوب ، ألا ترى أنه يقال: اختبره بالإنعام عليه، ولا يقال: هو مبتلى بالنعمة، بل مختبر بها.
والابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية، بينما الاختبار يقتضي وقوع الخبر بحاله في ذلك، والخبر هو العلم الذي يقع بكُنهِ الشيء وحقيقته.
4ـ الفتنة أشد أنواع الاختبار، وأصله عرض الذهب على النار لتبين صلاحه من فساده، ويكون في الخير والشر، كقوله تعالى: ﴿يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ﴾ [الذاريات:13] وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ﴾ [التغابن:15] وقوله: ﴿لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا * لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ﴾ [الجن:16-17] فجعل النعمة فتنة؛ لأنه قصد بها المبالغة في اختبار المُنعَم عليه . والله أعلم.
السؤال السابع :
ما أهم اللفتات والدروس في الآية؟
الجواب:
1ـ قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ يحتمل أنْ يكون ابتداءً خبراً من الله، ويحتمل أنْ يكون حكايةً عن الرسول والمؤمنين، أي: معطوفاً على قوله: ﴿وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ ﴾ وقالوا : ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ ويؤيد ذلك قولهم ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ﴾. ويكون تقدير الكلام : كيف لا نسمع ولا نطيع والله لا يكلفنا إلا ما في وسعنا.
2ـ يقال: كلفته الشيء فتكلف، والكلفة اسم منه، وأمّا الوسع فهو ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، فالوسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان.
3ـ قوله: ﴿ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ فيه اعترافٌ بعبوديتنا لله بأنه خالقنا ومتولٍّ أمورنا وناصرنا، كما قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة:257] وقوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ﴾ [التحريم:4] أي: ناصره. والله أعلم.
السؤال الثامن :
ورد في الآية أربعة أنواع من الدعاء كلها بدأت بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا﴾ إلا في الدعاء الرابع، فما دلالة ذلك ؟
الجواب :
آ ـ اعلم أنّ الله تعالى حكى في هذه الآية عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء كلها بدأت بقوله تعالى ﴿رَبَّنَا﴾ إلا في النوع الرابع من الدعاء حيث بدأ بـ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا﴾ وهذه الأدعية هي :
1ـ الدعاء الأول : قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ وكأننا نقول: يا رب نقدرك حق قدرك ولا نجترئُ على عصيانك عمداً، وإنْ عصينا فإنما هو نسيان أو خطأ.
وأخطأ من (الخطأ)، وهو الزلل عن الحد من غير تعمد، أمّا (خَطِىء)، فهو لا يكون إلا إثماً؛ لأنه تعمد.
2ـ الدعاء الثاني: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ﴾ (والإصر) في اللغة الثقل والشدة، وهو العهد الثقيل الذي في تحمله أشد المشقة.
3ـ الدعاء الثالث : قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾ .
والسؤال : لمَ قال آنفاً: ﴿وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا﴾ وقال هنا: ﴿وَلَا تُحَمِّلۡنَا﴾ ؟
والجواب أنّ الإصر في اللغة هو الثقل والشدة، والشاق يمكن حمله، أمّا ما لا يكون مقدوراً فلا يمكن حمله، أي: الحمل للشاق والتحميل للأمور غير المقدور عليها.
4ـ الدعاء الرابع: قوله تعالى: ﴿وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ﴾ وفيه اعتراف بأننا لا نقوى على غضب الله؛ لذلك نطلب المغفرة، فنحن ندعوه بألا يدخلنا في الذنب الذي يؤدي إلى غضبه ونطلب من الله المغفرة، و( الرحمة) هي الدعاء بألا يدخلنا في الذنب أصلاً.
ب ـ اعلم بأنه في الأنواع الثلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها الترك وكانت مقرونة بلفظ ﴿ رَبَّنَا﴾ .
وأما الدعاء الرابع والخامس والسادس فهو طلب فعلٍ في قوله تعالى: ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ ﴾ فقد حذف هنا لفظ ﴿ رَبَّنَا﴾ لأنّ النداء إنما يُحتاج إليه عند البعد، أمّا عند القرب فلا ، وفي ذلك إشعار بأنّ العبد إذا واظب على التضرع نال القرب من الله تعالى، وفي هذا سر عظيم .
وأما الدعاء السابع فهو قوله تعالى : ﴿أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ .
السؤال التاسع :
ما الفرق بين العفو والمغفرة؟
الجواب :
1ـ العفو أنْ يسقط عنك العقاب؛ لأنّ العفو هو محو الأثر، وأمّا المغفرة فهي أنْ يستر عليك الجرم صوناً من عذاب التخجيل والفضيحة، فالأول هو العذاب الجسماني، والثاني هو العذاب الروحاني .
2ـ وعندما تخلص منهما أقبل على طلب الثواب، وهو أيضاً قسمان :
آـ ثواب جسماني، وهو نعيم الجنة، فقوله: ﴿وَٱرۡحَمۡنَآۚ﴾ قد يكون طلباً للثواب الجسماني.
ب ـ وثواب روحاني، وغايته أنْ يتجلى له نور الله، وهو قوله تعالى: ﴿أَنتَ مَوۡلَىٰنَا﴾ وهذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة للمؤمنين، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها. والله أعلم
السؤال العاشر :
ما اللطيفة العددية في الرقم (286) والذي يمثل رقم آخر آية من سورة البقرة؟
الجواب :
الرقم (286) والذي يمثل عدد آيات سورة البقرة يتألف من ثلاث خانات فإذا أخفيت الخانة اليمنى كانت النتيجة العدد(28)، وهو عدد السور المدنية في القرآن الكريم ، وإذا أخفيت الخانة اليسرى كانت النتيجة العدد(86) وهو عدد السور المكية في القرآن الكريم ، ومجموع الرقمين [86+28] = 114 ، وهو عدد سور القرآن الكريم ..فتأمل!!
وهناك لطيفة عددية أخرى وهو أنّ الوسط العددي للرقم (286 ) والذي يمثل عدد آيات سورة البقرة هو الآية رقم (143) وهي قوله تعالى : ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة:143] فقد جمعت هذه الآية بين الوسط اللفظي ﴿وَسَطٗا﴾ والوسط العددي . والله أعلم.
مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


