مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 248)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 248)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢١ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ٢٢ تشرين الثاني ٢٠٢٤
184

القسم الأول


﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]


السؤال الأول :

ما الفرق بين آية البقرة 286 ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ و آية الطلاق 7 ﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ ﴾ ؟


الجواب :

1ـ لو نظرنا في الآيتين سنجد السبب واضحاً. آية البقرة تتكلم عن التكاليف عموماً وفي أمور الحياة وفي العمل، وأنه من عمل خيراً كان له ومن عمل سوءاً كان عليه، وهذا في عموم التكاليف، فقال الله عز وجل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ فهو كسبٌ واكتساب.


وفي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ جمهور العلماء قال كما قال: الرسول «وما أمَرْتُكم به فَأْتُوا منه ما استطَعْتُم» [صحيح ابن حبان 18] أي: بقدر طاقتكم.


وقالوا أيضاً في معناها: إنّ جميع التكاليف هي في وسع البشر؛ لأنه سبحانه وتعالى لم يكلّف البشر شيئاً لا يطيقونه ولم يكلفهم ما لا يطيقونه، فإذا كانوا لا يطيقون يخفف عنهم.


2ـ لكن آية الطلاق 7 وهي قوله تعالى: ﴿ لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا﴾ الإيتاء هنا هو الإعطاء. وعندما ننظر في سياق الآية نجد الكلام عن المال، أي: ما آتى الله للإنسان من مال، والكلام في الآية عن الإنفاق والمنفق عليه، والكلام أيضاً هو عن المطلَّقات، أي: ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير أنْ ينفق ما ليس في وسعه، بل لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها من حيث المال، وعندما يكون هناك إنفاق فبقدر ما عندك تُنفِق، أي بمقدار ما آتاك الله، فقال: ﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ ﴾ [الطلاق:7].


السؤال الثاني :

لماذا نكّر كلمة (نفس) في الآية فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ ؟


الجواب :

في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ﴾ دلالة التنكير للأنفس، أي: هي للعموم والشمول، أي: جنس النفس، وأيُّ نفس لا يكلفها الله تعالى إلا وسعها وإلا ما تطيقه، والرسول ﷺ عندما يقول: «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعْتُم وإن نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنِبوه» [البخاري 7288 ومسلم 1337] ففي مسألة النهي نقطع، فلمّا نُهينا عن الربا انتهى الأمر، وإذا أمرنا بأمر نأتي منه بقدر طاقتنا، أمرنا بالصيام فنصوم فإذا كان الإنسان مريضاً يخفف عنه.


وقوله تعالى : ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ يعني أنّ الأمر الذي تظن أنّه فوق طاقتك؛ تأكد أنّ الله لن يضعه أمامك إلا وجعل بيديك القدرة على تجاوُزه ، وهذه مواساة ربانية، فلن يحمّلك الله سبحانه أكبر من طاقتك فكن على يقين واطمئن واصبر ... وكثيرون يُقْصِرون دلالةَ هذه الآية على الترخص فقط ، بينما هي من أدلة الأخذ بالعزيمة أيضاً ، في حدود الوسع دون تكلف.


السؤال الثالث :

ما الفرق بين (كسبت واكتسبت)؟


الجواب :

هناك رأيان :

1ـ اكتسب على وزن (افتعل) وفيها تمهّل، مثل: اصبر واصطبر وجهد واجتهد. واصطبر هو صبر طويل شديد، فصيغة (افتعل) فيها تمهّل ومدّة واجتهاد وإبطاء. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ .

و كلمة (الاكتساب) فيها تمهل واجتهاد وليست (اكتسب) عامة؛ لأنها في الشر، بينما (الكسب) يكون في الخير والشر، لكنّ الكسب أسرع والاكتساب فيه تمهّل واجتهاد، واكتساب السيئات يحتاج إلى مشقة، أمّا الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، فقد يغتابك أحد وتكسب أنت خيراً وهو يكتسب شراً.


2ـ هناك رأي آخر في الفرق بين: كسب واكتسب، فالكسب هو أمر طبيعي، لذلك نجد أنّ أفعال الخير تأتي كسباً لا اكتساباً، بينما الفعل: (اكتسب) على وزن (افتعل) فيه تكلف؛ لأنّ صاحب الشر يتكلف الفعل فيحاول أنْ يستر نفسه، مثل السارق للبستان أو سارق النظرة من المرأة الأجنبية، بعكس نظر الرجل إلى زوجته فيتم بدون تكلف، فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال.

والمرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر؛ لأنّ في نفوسهم بقايا خير، لكنْ عندما يعتبرون الشر حرفة ومَلَكَة فهنا المصيبة إذ تحيط بكل منهم خطيئته، فلا تجعل له منفذاً إلى الله ليتوب، كما قال تعالى: ﴿ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓ‍َٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة:81] فالمصيبة الكبرى عندما يصل المرء إلى مرحلة لا يحتاج الشر عنده إلى افتعال ويسقط في بلادة الحس الإيماني وتكون الشرور عليه سهلة لأنه تعود عليها.


3ـ ونلاحظ أن كل ﴿ لَهَا ﴾ في القرآن جاءت مع ﴿ كَسَبَتۡ ﴾ وكلمة ﴿ وَعَلَيۡهَا ﴾ جاءت مع ﴿ ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ إلا في آية واحدة في سورة البقرة 81 ﴿ بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓ‍َٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ .


السؤال الرابع :

ما الفرق بين الإنساء والنسيان، وما علاقة النسيان بالشيطان؟


الجواب :

1ـ النسيان: خلقه الله في الإنسان، لذلك ينسى الشخص من تلقاء نفسه، ويكون عما كان، أمّا السهو فيكون عما لم يكن.

2ـ الإنساء: من أنسى، مثل: أكرم إكراماً.

3ـ لا النسيان ولا الإنساء يتعلقان بالشيطان، فقد تستطيع أن تُنسي شخصاً أمراً ما بإلهائك إياه ببعض الأمور الأخرى.

4ـ الله تعالى ينسب الإنساء لنفسه كما في قوله تعالى: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ ﴾ [الحشر:19] .


* شواهد قرآنية:

ـ آية طه 52 ﴿ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ لا ينسى من تلقاء نفسه.

ـ آية الكهف 63 ﴿ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ ﴾ فتى موسى يتكلم عن نفسه، وعن أن وساوس الشيطان ألهته فنسي.

ـ آية يوسف 42 ﴿ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ ﴾ هذا سرد لما حدث، يتكلم عن الشخص الذي ظن أنه ناج، أي: أنّ الشيطان بسبب وساوسه وإلهائه له جعله ينسى موضوع يوسف عليه السلام.

ـ آية البقرة 286 ﴿ إِن نَّسِينَآ ﴾ عامة من تلقاء أنفسهم.

ـ آية المؤمنون 110 ﴿ حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي ﴾ أي: أنّ انشغالكم بسخرية المؤمنين أنساكم ذكر الله والإيمان به.

ـ آية البقرة 106 ﴿ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا ﴾ متعلقة بالله تعالى.


يتبع بمشيئة الله القسم الثاني من أسئلة آية البقرة 286


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...