﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
السؤال الأول:
ما نوع (لا) في قوله تعالى: في الآية ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ﴾ ؟
الجواب:
في قوله تعالى: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ﴾ (لا) هي النافية لا تجزم ولا تؤثر على الفعل، إنما نفي فقط للفعل الذي يليها.
السؤال الثاني:
قوله تعالى: ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ ما الفرق بين المغفرة والغفران في القرآن الكريم؟
الجواب:
1ـ كلمة (غفران) لم ترد إلا في موطن واحد، وهو في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ وهي في طلب المغفرة من الله تعالى. إذن كلمة (غفران) مخصّصة بطلب المغفرة من الله تعالى، وهذه دعاء أي: نسألك المغفرة ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ إذن (غفران) تستعمل في طلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.
2ـ (المغفرة) لم تأت في طلب المغفرة أبداً، وإنما جاءت في الإخبار وفي غير الطلب، كما في الآيات: ﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ ﴾ [البقرة:268] ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ ﴾ [الرعد:6] . وقد تأتي من غير الله سبحانه وتعالى كما في قوله: ﴿ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ﴾ [البقرة:263] فقد تأتي من العباد.
إذن (المغفرة) ليست خاصة بالله سبحانه وتعالى ولها أكثر من جهة، ولم يستعملها القرآن في طلب المغفرة، بينما كلمة (الغفران) مختصة بطلب المغفرة ومن الله تعالى تحديداً.
السؤال الثالث:
ما أهم اللفتات في الآية؟
الجواب:
لمّا بيّن تعالى في الآية المتقدمة كمال المُلك وكمال العلم وكمال القدرة له سبحانه وتعالى ( وذلك يوجب كمال صفات الربوبية) أتبع ذلك بأنْ بيّن كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع، وذلك هو كمال العبودية. لذلك فالمرجو من عميم فضل الله وإحسانه أنْ يحفنا بكمال العناية والرحمة والإحسان، اللهم حقق هذا الرجاء والأمل يا ربنا يا رحمن يا رحيم.
وفي الآية مسائل:
1ـ ذكر الله إيمان الرسول ﷺ أولاً ثم ذكر إيمان المؤمنين بالرسالة بناء على توزيع الفاعل في الفعل (آمن) بين الرسول والمؤمنين .
2ـ ثم جمعهما الله بقوله: ﴿ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ ﴾ فجمعهم في كُلِّيَّةٍ كأن قلوبهم قلب واحد فقال: كُلٌّ .
ثم فصّل بعد الإجمال فقال: ﴿ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ ﴾ وهذه الأربعة من ضرورات الإيمان، وفائدة هذا الجمع أنْ يبين زيادة شرف الإيمان حيث مدح به خواصّه ورسله.
3ـ قوله: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ ﴾ بتقدير فعل محذوف، أي: يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله.
وكلمة ﴿ أَحَدٖ ﴾ هنا بمعنى الجمع الذي هو آحاد، كقوله تعالى: ﴿ فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ﴾ [الحاقة:47] وحاجزين جمع، فكأنه يقول: لا نفرق بين آحاد من رسله، ولأنّ أحداً يصلح للمفرد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما نفياً وإثباتاً، تقول: ما رأيت أحداً إلا بني فلان أو إلا بنات فلان، وتقول: إنْ جاءك أحد بكتابي فأعطه المال، ويستوي فيه الكل، فالمعنى لا نفرق بين اثنين منهم أو بين جماعة منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ ﴾ [الأحزاب:32] .
4ـ قوله: ﴿ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ ﴾ يعني: الجمع بين العلم والعمل.
5ـ قوله: ﴿ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ فيه إشارة أنّ المؤمن خائف من التقصير لذلك يلتمس المغفرة، والمصدر (غفرانك) وقع موقع الفعل، وقد قُرن هذا الغفران بأمرين: أحدهما الإضافة، أي: إلى الضمير في غفرانك، والثاني: (ربنا) وكأنّ المؤمن يقول لله: أنت الكامل في هذه الصفة وأنت غافر الذنب وأنت الغفور.
فقوله: ﴿ غُفۡرَانَكَ ﴾ أي: أطلب يا رب الغفران الكبير، فإنْ كان جرمي كبيراً لكنّ غفرانك أعظم من جرمي، أي: عاملنا بما أنت له أهل لا بما نحن أهل له.
6ـ وقوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾ اعتراف بالربوبية لله، أي ربيتني في الماضي فاجعل عملي في الماضي شفيعي إليك في أنْ تربيني في المستقبل، فتمم هذه التربية بفضلك وكرمك.
وهو خطاب قرب من حيث لم يظهر فيه أداة نداء، ولم يُجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في كتابه العزيز نداءَ بُعدٍ قَطُّ.
7ـ قوله: ﴿ وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ فيه إقرار بالمعاد إلى الله وحده، حيث قدّم الجار والمجرور فأفاد القصر والحصر أي لا إلى غيرك.
8 ـ ذكرت هذه الآية أربعةً من أركان الإيمان وهي:
آ ـ الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له.
ب ـ الإيمان بالملائكة الكرام.
ج ـ الإيمان بالكتب المنزلة من الله تعالى وهي: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وكذلك صحف إبراهيم وموسى، وأنّ القرآن لم يُحرّف ولم يُبدّل.
د ـ الإيمان بجميع رسل الله تعالى، لا نفرّق بين أحد منهم بالإيمان بهم.
والله أعلم
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


