مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 246)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 246)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٧ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٤
279

القسم الثاني ( الأخير ) من آية البقرة 284


﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]


السؤال الخامس:

ما دلالة تقديم وتأخير ﴿فَيَغۡفِرُ﴾ في آية البقرة 284 حيث قدّم، وآية المائدة 40 حيث أخّر؟


الجواب:

قوله تعالى في المائدة 40: ﴿ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴾ [المائدة: 40] .


1ـ لو نظرنا في الآيات سنجد أنّ المغفرة تقدمت في ثلاث آيات في البقرة وفي آل عمران والمائدة، وتقديم المغفرة على العذاب هو الأصل؛ لأنه تعالى ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ ﴾ [الأنعام:54] وفي الحديث في «صحيح البخاري 7453»: «رحمتي سبقت غضبي».


2ـ لماذا تقدمت (يعذّب) على (يغفر) في الآية 40 في سورة المائدة؟


هذا الأمر بسبب أنها جاءت عقب ذكر السارق والسارقة وقطع اليد، لاحظ الآية: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [المائدة:38] فلا بدّ أن يقدّم العذاب؛ لأنّ الكلام في البداية كان عن عذاب ثم عن مغفرة، ولو عكست لما استقام الكلام .


السؤال السادس:

قوله تعالى في الآية: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ ما دلالة ﴿يُحَاسِبۡكُم﴾ ؟


الجواب:

المحاسبة مشتقة من الحسبان وهو العدّ، ويحاسبكم، أي: يعدّه عليكم، ثم أطلق هذا اللفظ على ما ينجم عن العدّ والإحصاء وهو المؤاخذة والمجازاة، فحساب الله تعالى هو إحصاء لأعمالك وأفعالك ثم مجازاتك على ذلك.


السؤال السابع:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ في الآية ؟


الجواب:

قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ يدل على كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات.


السؤال الثامن:

قال تعالى: ﴿يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ ولم يقل: (يؤاخذكم)، فلماذا؟


الجواب:

قال تعالى: ﴿يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ ولم يقل: (يؤاخذكم)؛ فالله عليم بالسرائر والضمائر، وروي عن ابن عباس أنّ الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم؛ فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه لمن يشاء فضلاً، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب فيعذبهم عدلاً.


والمحاسبة مشتقة من الحسبان وهو العدّ (ويحاسبكم) أي يعدّه عليكم ثم أطلق هذا اللفظ على ما ينجم عن العدّ والإحصاء وهو المؤاخذة والمجازاة، فحساب الله تعالى هو إحصاء لأعمالك وأفعالك ثم مجازاتك على ذلك.


وقيل: أريد بالآية العموم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ ﴾ وقيل: لا نسخ فيه؛ لأنه خبر لا أمر أو نهي، والمراد الاحتراز من العزم القاطع لا مجرد حديث النفس؛ ولأنه أخبر عن المحاسبة لا عن المعاقبة .


السؤال التاسع:

ما نوازع النفس؟


الجواب:

نوازع النفس كثيرة منها: [الهاجس ـ الخاطر ـ حديث النفس ـ الهم ـ العزم ] والحالة الأخيرة هي التي يجب الانتباه لها؛ لأنها قريبة من وقوع الذنب وانتقاله من هواجس النفس إلى الوجود، وقد نظمها بعضهم بقوله:

مراتِبُ القَصــدِ خمسٌ: هاجسٌ ذكروا

*** فخاطرٌ، فحديثُ النفس، فاستَمِـعا


يليـــــه هَمٌّ فعزمٌ كُلُّها رُفعت

*** سوى الأخيرِ ففيه الأخذُ قد وقعا


السؤال العاشر:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ﴾ في الآية؟


الجواب:

قوله تعالى: ﴿فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ﴾ أي: أنّ المغفرة بيد الله، ولكنه ترك الزمام للبشر؛ ليفعلوا أسباب المغفرة ويتوبوا إلى الله ويكثروا من الحسنات.


السؤال الحادي عشر:

ما دلالة قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ في الآية؟


الجواب:

1ـ قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ أي: أنه كامل القدرة إضافة إلى كونه كامل الملك والملكوت وكامل العلم.


2ـ ولّمّا ثبت لله تعالى أنّ له كمال المُلك وكمال العلم وكمال القدرة أوجب هذا كمال صفات الربوبية، ولذلك أتبع هذه الآية ببيان كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى، وذلك هو كمال العبودية.

حسبُ نفسـي عِزّاً بأنِّيَ عبــدٌ

** يحتفي بي بلا مواعيــدَ ربُّ


هو في قُدسِه الأَعَـــــزِّ ولكنْ

** أنـــا ألقى متى وأين أُحِبُّ


3ـ وقدّم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه، كما هو ظاهر في آية البقرة وغيرها، حيث جاءت ترغيباً في المسارعة إلى طلب المغفرة وإشارة إلى سعة مغفرته ورحمته وأنّ رحمته غلبت غضبه.


السؤال الثاني عشر:

قوله تعالى: في آية البقرة 284 ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ وقوله تعالى: في آية الزخرف: 85 ﴿لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا﴾ وفي آيتي المائدة و17 و18 ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ﴾ أي: بزيادة (وما بينهما) فما السبب؟


الجواب:

1ـ جاء في القرآن الكريم في ثلاث آيات هي:

﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ ﴾ [المائدة:17] .

﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [المائدة:18] .

﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخرُف:85] أي بزيادة (وما بينهما).


2ـ ومن ملاحظة هذا الموضوع في القرآن الكريم يتبين لنا التالي:


آ ـ في كل موطن في القرآن الكريم يذكر ﴿وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ﴾ [الزُّخرُف:85] يأتي تعقيب على من يذكر صفات الله بغير ما يستحق:

آية المائدة 17: تعقيب على قول النصارى.

آية المائدة 18: تعقيب على قول اليهود.

آية الزخرف 85: تعقيب على قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ﴾ [الزخرف: 81] .


ب ـ في كل آية ورد ذكر السماوات والأرض وما بينهما، أي: أنه ذكر ثلاثة أمور: السماوات والأرض وما بينهما، نجد بالمقابل وفي جميع الآيات المذكورة أعلاه أنه سبقها ذكر ثلاثة أمور تتعلق باليهود والنصارى والمشركين، انظر الجدول التالي مع أرقام الآيات:


السورة موسى / اليهودية عيسى / النصرانية محمد / الإسلام
المائدة 12 14 19
الزخرف 46 57 81


والله أعلم.


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...