مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 245)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 245)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٣٠ ربيع الآخر ١٤٤٦ هـ - ١ تشرين الثاني ٢٠٢٤
219

القسم الأول:
علم الله محيط بالسرائر والعلانية


﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]

السؤال الأول:
في قوله تعالى في بداية الآية: ﴿لِّلَّهِ﴾ علام يدل تقديم الجار والمجرور ؟


الجواب:
قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ﴾ قدّم الجار والمجرور لإفادة الحصر والقصر، فكل ما في الوجود أمره إلى الله وحده فقط وليس لأحد غيره، وهذا يدل على كمال المُلك مُلْكاً ومِلْكاً.


السؤال الثاني:
ما دلالة تقديم السماوات على الأرض في الآية؟


الجواب:
قدّم السماوات على الأرض لأسبقيتها في الخلق.


السؤال الثالث:
ما دلالة تقديم وتأخير كلمة ﴿تُخۡفُوهُ﴾ على الإبداء في آية سورة البقرة 284، وسورة آل عمران 29؟


الجواب:
قوله تعالى: في آل عمران 29: ﴿ قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 29].
المحاسبة في سورة البقرة هي على ما يُبدي الإنسان وليس ما يُخفي، ففي سياق المحاسبة قدّم الإبداء، أمّا في سورة آل عمران فالآية في سياق العلم؛ لذا قدّم الإخفاء؛ لأنه سبحانه يعلم السر وأخفى.


السؤال الرابع:
ما القواعد العامة في القرآن في تقديم أو تأخير السر، وكذلك في الإعلان والإخفاء والجهر ؟


الجواب:
1ـ في القرآن الكريم قد يقدم السر على العلن، كما في آية يس ﴿ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ [يس:76] وذلك:
     آـ لأنّ مرتبة السر مقدمة على مرتبة العلن.
     ب ـ كما أنّ السر يدل على الإحاطة بالمعلومات كلها، فمن كان يعلم السر فهو يعلم العلن من باب أولى.


2ـ الملاحظ في القرآن الكريم أنه لا يقتصر على تقديم السر، فهو كما يقدم السر على الإعلان قد يقدم الجهر على الإخفاء، كما في قوله تعالى:
﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ﴾ [الأعلى:7].
﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ﴾ [البقرة:284] .
﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ﴾ [الأنبياء:110] .


3ـ وهو أحياناً يكتفي بذكر أحدهما دون الآخر، فيكتفي بذكر الإسرار دون الإعلان كما في قوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد:26].
وقد يكتفي بذكر الأمور الظاهرة كذكر العمل والصنع، كقوله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴾ [الحُجُرات:18] وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ﴾ [النور:30] وكل ذلك بحسب ما يقتضيه المقام.


4ـ وكذلك في القرآن الكريم نلاحظ أنه إذا تقدم الكلام عن المنافقين أو الكفار قدّم الإخفاء، وإذا تقدم ذكر المؤمنين قدّم الإبداء، بناء على سلامة بواطنهم وتنزههم عن صفة المنافقين، وهذا مُطَّرد في جميع القرآن الكريم.
غير أنه مع هذا الخط العام للتقديم والتأخير يكون التقديم والتأخير مناسباً للسياق الذي ترد فيه الآية.


وبيان ذلك من الشواهد القرآنية:
أولاً: في مواضع تقديم السر على العلن:
     آـ ﴿ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ﴾ البقرة 77ـ هود 5ـ النحل 23ـ يس 76، وهذه المواطن الأربع هي خاصة بذكر الكافرين.

     ب ـ ﴿ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ﴾ [النحل:19] بصيغة الخطاب في موطنين: [النحل 19ـ التغابن 4] وهما ليسا مختصين بالكافرين، وإنما هما من المواطن العامة التي تشمل عموم بني آدم، وإنْ كان قد جرى فيها ذكر للكافرين.
مع ملاحظة أن آية النحل قد وقعت في سياق تعداد النعم على الإنسان، والسورة بدأت في الكلام عن الشرك والمشركين ثم عن الكفار، ولم يرد في سياق آية النحل ذكر للمؤمنين.
وأمّا آية التغابن فالسياق فيها لم يختص بالكلام عن الكافرين، إلا أنه جرى بعدها مباشرة في الآيات ( 5ـ7 ) ذكر للكافرين، فتكون آية التغابن قد وقعت في سياق الكافرين، سواء تقدمها ذكر الكافرين أم وقع في عقبها.
وعلى أية حال فالقاعدة صحيحة، فكل ما تقدم فيه السر على الإعلان كان في سياق الكلام عن الكافرين، سواء تقدم الآية أم كان في عقبها.


ثانياً: في مواضع تقديم العلن على السر:
﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ [البقرة:284] والخطاب فيها للمؤمنين.
﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ﴾ [المائدة:99] وهو خطاب للمؤمنين.


ثالثاً: حسب سياق الآية:
ـ_ ﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ﴾ [الأعلى:7] قدّم الجهر؛ وذلك لتقدم قوله تعالى: ﴿ سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ [الأعلى:6] والإقراء لا يكون إلا جهراً، بخلاف القراءة فقد تكون سراً وجهراً، فناسب تقديم الجهر.
_﴿ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ﴾ [الأنبياء:110] قدّم الجهر على الكتمان؛ لتقدم قوله تعالى: ﴿ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ ﴾ [الأنبياء:109] والإيذان هو الإعلام والإشهار، وذلك لا يكون إلا جهراً .
رابعاً ـ الاكتفاء بأحدهما دون الآخر:
﴿ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد:26] ولم يقل: وجهرهم؛ لأنه ذكر ما جهروا به وهو قولهم:
﴿ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ ﴾ [محمد:26] ولم يذكروا الأمر الذي يطيعونهم فيه ولم يبينوه وإنما أسروه فقال: ﴿ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ﴾ [محمد:26] أي لا يخفى عليه ما أسروه.
والله أعلم.



تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...