الحكم التشريعي التاسع والثلاثون: الرهن عند تعسر الكتابة
الحكم التشريعي الأربعون: النهي عن كتمان الشهادة
﴿۞وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 283]
السؤال الأول:
قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ ولم يقل: (إذا)، فما دلالة ذلك؟
الجواب:
استعمل ﴿وَإِن﴾ للدلالة على العدد القليل لهذه الحالة بعكس استعمال (إذا).
السؤال الثاني:
في قوله تعالى في الآية: ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ لِمَ أطلق على الرهان اسمَ الأمانة؟
الجواب:
كل من يقرأ هذه الآية يعلم أنّ الأمانة في قوله تعالى: ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ يُراد بها الرهان الذي سبق ذكره ﴿فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ ﴾ وسمّى ربنا سبحانه وتعالى الدَّيْنَ في الذمة أو الرهنَ أمانةً؛ لتعظيم الحق عند المدين، فاسم الأمانة له مهابة في نفس الإنسان لا تضفيه كلمة الرهان، وفيها تهويل من عدم الوفاء بالاتفاق لئلا يُسمى ناكث العهد خائناً.
السؤال الثالث:
في قوله تعالى: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ لِمَ ذكر ربنا تعالى كلمة ﴿ٱللَّهَ﴾ وكلمة ﴿رَبَّهُۥۗ﴾ وهما اسمان لمسمّى واحد؟
الجواب:
ذكر اسم الجلالة ﴿ٱللَّهَ﴾ في الآية مع أنه يمكن الاكتفاء بقولنا (وليتق ربه)؛ لإدخال الرَّوع في ضمير السامع ولغرس المهابة في قلبه ليكون حذراً من الإخلاف، فاسم الجلالة ﴿ٱللَّهَ﴾ [البقرة:283] له وقع في نفس السامع يشعرك بالمهابة والتعظيم.
انظر الجواب بالتفصيل في الآية السابقة 282.
السؤال الرابع:
لماذا لم يكتف بقوله: ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ ﴾ وإنما أسند الإثم إلى القلب ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ ؟
الجواب:
لم يكتف بقوله ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ ﴾ وإنما أَسند الإثمَ إلى القلب؛ وذلك أنّ الشهادةَ محلُّها القلب، وكتمانها هو أنْ يبقيها في قلبه، فنسب الإثمَ إلى القلب، وهو تعبيرٌ بديعٌ؛ لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ.
ألا ترى أنك إذا أردت التوكيد قلت: هذا مما أبصرته بعيني، ومما سمعته بأذني، ومما عرفه قلبي.
والقلب هو رئيس الأعضاء، وهو المضغةُ التي إنْ صلحت صلح الجسدُ كلُّه وإنْ فسدت فسد الجسد كلُّه، فكأنه قيل: قد تمكّن الإثمُ في أصل نفسه ومَلَكَ أشرفَ مكانٍ فيه، ولئلا يُظنَّ أنّ كتمان الشهادة من آثام اللسان فقط .
السؤال الخامس:
ما أهم الوقفات في الآية ؟
الجواب:
1ـ حروف كلمة (السفر) اشتقت من الظهور والكشف، والسِّفْر: هو الكتاب؛ لأنه يبين الشيء ويوضحه، وسمي السَّفَرُ سَفَراً؛ لأنه يُسفر عن أخلاق الرجال، أو أنه لما خرج إلى الصحراء فقد انكشف للناس، وأسفرت المرأة عن وجهها، أي: كشفت.
2ـ أصل الرهن من الدوام، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت، ونعمة راهنة، أي: دائمة ثابتة.
3ـ في الآية حذف، والتقدير: فرهان مقبوضة بدلاً من الشاهدين أو ما يقوم مقامهما.
4ـ قوله: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾ هو بيع الأمانة بدون كتابة ولا شهود، وعلى المدين أنْ يتقي الله ولا يجحد، وقد يكون خطاباً للمرتهن بأنْ يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده.
5ـ إنّ جواز الرهن لا يختص بالسفر، ولم يذكره هنا في الآية لتخصيص الحكم به، لكنْ لمّا كان السفر مظنة عوز الكاتب والشاهد الموثوق بهما أمر الله تعالى على سبيل الإرشاد ولحفظ مال المسافرين بأخذ الرهان.
6ـ قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ لأنّ الإثم مقترن بالقلب، ولأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما يقال: أبصرته بعيني، وسمعته بأُذني، ووعاه قلبي. والله أعلم.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


