القسم الثاني ( الأخير ) من آية البقرة 286
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسَۡٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 282]
السؤال السابع:
في قوله تعالى في الآية: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ ﴾ هل (لا) هنا نافية أم ناهية ؟
الجواب:
1ـ فى قوله تعالى ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ ﴾ و ﴿ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ ﴾ هذا حكم شرعي.
وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ ﴾ (لا) هنا ناهية وليست نافية بدليل الراء في ﴿ يُضَآرَّ ﴾ مفتوحة، وأصلها (لا يضارَر) أي: لا يضره أحد، أو (لا يضارِر) ومحتملٌ أنّ الكاتب والشهيد يُضغط عليه ويُضر به ويُهدَّد فيغيَّر من شهادته، فيحتمل هذا المعنى، أو أنّ الشهيد لا يريد أنْ يشهد لأسباب في نفسه فيغير في الشهادة، أي أن المعنى: (لا يضارَر أو لا يضارِر).
2ـ ولو أراد أنْ يقيّد لقال: ولا يضارَر فيكون قطعاً هو المقصود (نائب فاعل)، ولو أراد أنّ الكاتب هو الذي يُضِرُّ يقول: لا يضارِر.
3ـ ولذلك بدل أنْ يقول: ولا يضارِر أو ولا يضارَر، جاء بتعبير يجمعهما معاً ويريد كليهما، ويسمى هذا بالتوسع في المعنى.
4ـ ونحو ذلك قوله تعالى في القرآن: ﴿ وَمَن يَرۡتَدِدۡ ﴾ [البقرة:217] في مكان وقال: ﴿ مَن يَرۡتَدَّ ﴾ [المائدة:54] في مكان آخر، وكذلك ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ﴾ [الأنفال:13] و ﴿ وَمَن يُشَآقِّ ﴾ [الحشر:4].
5ـ وكذلك نجد مثل ذلك في قوله: ﴿ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ ﴾ [البقرة:233] ما المقصود من الآية؟ المعنى أنه لا يوقع عليها ضرر بحيث يضرها الأب إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع ابنها، والمعنيان مرادان، وكلاهما منهي عنه.
6ـ هذا بابٌ اسمه التوسع في المعنى، وهناك دلالة قطعية ودلالة احتمالية، وهذه الاحتمالية تحتمل معاني قد تراد كلها أو بعضها، فإذا أريد بعضها أو كلها سميت بالتوسع في المعنى.
السؤال الثامن:
ما أهم الوقفات الأخرى في الآية والتي لم تذكر؟
الجواب:
1ـ في الآية حث على الاحتياط في أمر الأموال، خاصة بعد أنْ سبقها طلب الإنفاق وترك الربا، وهذه الأمور لا تحصل إلا بوجود المال، ولذلك أمر بحفظ الأموال عن طريق الكتابة وغيرها.
2ـ التداين تفاعل من الدَّيْنِ، ومعناه داين بعضكم بعضاً، أي: أنّ البيع هنا بالدين.
3ـ (إذا) تأتي للكثير الوقوع و(إنْ) في الآية لقليل الوقوع.
4ـ قوله: ﴿ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ﴾ ليكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والشهر واليوم، ولا تجوز التسمية على الحصاد أو إلى قدوم الحاج.
5ـ قوله: ﴿ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ ﴾ فيه إشارة إلى كتابة التفاصيل التي تمنع النزاع، ولا يكتب الألفاظ المجملة، فالكاتب يجب أنْ يكون فقيهاً عارفاً أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة.
6ـ قوله: ﴿ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ ﴾ الفعل (تكون) يمكن أنْ يكون تاماً أو ناقصاً.
وهذا الجزء من الآية يمثل الحكم التشريعي الثامن والثلاثين من الأحكام في سورة البقرة .
7ـ قوله: ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾ المقصود فيه الإرشاد إلى طريق الاحتياط.
8ـ كلمة (الكتابة) ومادتها: (الكاف والتاء والباء) تكررت مرات كثيرة في هذه الآية، وقد ورد حرف الكاف فيها: 23 مرة، وحرف التاء: 30 مرة، وحرف الباء 23 مرة.
9ـ قوله تعالى: ﴿ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ﴾ هذا أمر للمُملِي الذي عليه الحقُّ بأنْ يُقِرَّ بمبلغِ المال الذي عليه ولا يُنقِص منه شيئاً.
والرَّبُ: هو المربِّي والقيم والمشرف، واسم الله هو علم على واجب الوجود الذي يستحق العبادة، وقد جمع الله بين الاسمين مبالغة في الحث على التقوى.
فالدائن أحسَنَ إلى المدين بإقراضه المال وهو أعلى أجراً من المتصدق، وهذا من فضل الله على الدائن من حيث الإحسان، حيث جعل يده أعلى من يد المدين، وهذا يستحق منه شكر الله ربه وتقواه أنْ أعطاه هذا الفضل.
كما أنّ المدين بعد أن أحسن الدائن إليه من واجبه ألا يبخس من حق الدائن، وعليه أنْ يتق الله في أداء الدين بأكمله في وقته المحدد.
السؤال التاسع:
في قوله تعالى: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ﴾ ما فائدة الباء هنا في الآية ؟
الجواب:
ذكر كلمة ﴿ بِدَيۡنٍ ﴾ بعد كلمة ﴿ تَدَايَنتُم ﴾ ليرجع إليها الضمير في ﴿ فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ وللتأكيد ولتخصيص أحد المعنيين من التداين، وهو التداين بالمال؛ لأنّ المعنى الآخر هو المجازاة من قولهم: كما تدين تدان.
السؤال العاشر:
قوله تعالى: ﴿ شَهِيدَيۡنِ ﴾ ولم يقل: شاهدين، فما دلالة ذلك ؟
الجواب:
قوله تعالى: ﴿ شَهِيدَيۡنِ ﴾ بمعنى (شاهدين)، واستعمل صيغة فعيل بمعنى فاعل؛ لأنّ مطلق شاهد قد يكون زوراً، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة، كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيداً.
وكلمة (شهيد) بمعنى شاهد، مثل: بديع بمعنى مبدع، وأليم بمعنى مؤلم، وحكيم بمعنى محكم، غير أنّ في وزن (فعيل) مبالغة، وهو أنه يدل على استحقاق الصفة، كأن من شأنه الإبداع أو النبل أو الشهادة.
السؤال الحادي عشر:
في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ ﴾ زيدت ( ما ) فما دلالة ذلك، علماً أنها لم تأت في جزأين آخرين من نفس الآية ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ و ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾؟
الجواب:
يستعمل القرآن الكريم الحروف الزائدة بهدف التوكيد، فيضعها في المكان الذي يحتاج إلى توكيد.
وهنا زيدت (ما) في جزء من الآية وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ ﴾ ولم تأتِ في جزأين آخرين من نفس الآية، والسبب هو أنه زيدت ( ما ) مؤكدة على الشهداء حضور الشهادة عند الدعوة إليها، بخلاف موضعين اثنين في نفس الآية ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ ﴾ و ﴿ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ ﴾ والسبب أنّ الشاهد قد يتباطأ أو يتكاسل أو ينكص عن الشهادة؛ لأنه ليست له مصلحة خاصة به، أو قد تلحق به ضررا فاحتاج إلى التوكيد . والله أعلم .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


