القسم الأول
الحكم التشريعي السابع والثلاثون : أحكام الدَّيْن وكتابته
الحكم التشريعي الثامن والثلاثون : التجارة الحاضرة
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسَۡٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 282]
السؤال الأول:
ماذا عن دلالة(إذا) و( إنْ ) في هذه الآية، وفي القرآن الكريم ؟
الجواب:
(إذا) تستعمل فيما هو كثير وفيما هو واجب، و(إنْ) لما هو أقلّ في عموم الشرط؛ وتفصيل ذلك:
1ـ ( إنْ ): تستعمل في القرآن الكريم في المعاني المحتملة الوقوع أو المشكوك في حصولها أو المستحيلة أو المفترضة:
- شواهد للمعاني المشكوك في حصولها: الأعراف 143.
- شواهد للمعاني المحتملة: البقرة 191ـ المائدة 6.
- شواهد للمعاني المستحيلة: الزخرف 81 ـ الرحمن 33 .
- شواهد للمعاني المفترضة: القصص 71 .
2ـ (إذا): تستعمل للمقطوع بحدوثه والكثير الوقوع، كما في الآيات:[ البقرة 180 النساء 6 ـ الجمعة 10 ـ النساء 86 ـ الأعراف 204].
شواهد مشتركة تتضمن إذا وإنْ معاً:
[التوبة 5 ـ البقرة 196 ـ البقرة 239 ـ البقرة 282 ـ النساء 25 ـ البقرة 180].
السؤال الثاني:
ما اللمسة البيانية في الآية: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ ولماذا ذكر الله والرب في الآية نفسها ؟
الجواب:
1ـ لفظ (الله) غير لفظ (الرب)، لفظ الجلالة (الله) هو اسم العلم من العبادة وهو الإله المعبود، وأمّا (الرب) فهو المربي والموجه والمرشد والمعلّم والقيّم، ولذلك يصح أنْ تقول عن إنسان: هو رب الدار، رب الشيء.
2ـ في قوله تعالى: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ ما سبب الاختيار وجمع لفظ الجلالة والرب فيها؟
هذه الآية جزء من آية الدَّين ﴿وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡٔٗاۚ ﴾ ويتكلم فيها عن الدائن والمدين، والدائنُ أحسَنَ إلى المدين وأجرُه أعلى من أجر المتصدق؛ لأنّ المتصدق أجره عشرة أضعاف والدائن ثمانية عشر كما في الحديث؛ لأنه أخرج المحتاج من حاجته، إذن الدائنُ أحسَنَ إلى المدين، فعلى المدين ألا يبخس حق من أحسَنَ إليه، والربُ أحسن إلى العبد في تعليمه وتوجيهه، إذن الدائن هو الذي أحسن إلى المدين، والله هو الذي أحسن إلى الدائن فمكَّنَ له، وقال في ختام الآية: ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ والمعلم مربٍّ، أي: رَبٌّ، فناسب رَبّاً من ناحية الإحسان ومن ناحية التعليم.
3ـ لو قال فقط: (وليتق الله) لن يكون فيها معنى الإحسان والإفادة، وهذا أحسَنَ إليك كما أحسن الله إليك، وقد آتاك المال وجعل يدك أعلى.
و لو قال: (ليتق ربَّه) فإن كلمة (رَبٍّ) لا تعني الله بالضرورة؛ لأنَّ الرب قد يكون رَبَّ الدَّيْنِ، فأراد أنْ يجرّدها لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ .
السؤال الثالث:
قوله تعالى في الآية: ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡٔٗاۚ ﴾ والبخس هو النقص، فهل اختيار البخس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡٔٗاۚ﴾ لغاية وسبب؟
الجواب:
نعم، فالبخس وإن كان بمعنى النقص إلا أنه يدل على الإنقاص بخفاء وغفلة عن صاحب الحق، لذلك كان اختيار هذا اللفظ دون غيره.
السؤال الرابع:
ما دلالة (أنْ) فى الآية ﴿ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ ؟
الجواب:
ـ (أنْ) هنا تفيد معنى: كراهة أنْ تضل إحداهما، أو لئلا تضل، وكما في قوله تعالى: ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمۡ﴾ [النحل:15] يقولون: كراهة أنْ تميد بكم، أو لئلا تميد بكم وقوله تعالى في آية هود 46 ﴿إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ يعني: لئلا تكون من الجاهلين.
السؤال الخامس:
في قوله تعالى في الآية: ﴿أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ ما فائدة تكرار إحداهما في الآية ؟
الجواب:
تكررت كلمة (إحداهما)؛ لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير، وتكرار كلمة ﴿إِحۡدَىٰهُمَا﴾ مع الضلال ومع التذكير لئلا يُتوَهَّم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلا مذكِّرةً للأخرى.
السؤال السادس:
ما الفرق بين (استَشهِدوا) و(أشهِدُوا) في آية البقرة ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ وفي نفس الآية ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ ؟
الجواب:
1ـ الفعل (استشهد) على وزن (استفعل) والهمزة والسين والتاء تأتي للطلب، وله معنيان:
آـ اطلبوا شهيدين .
ب ـ أو اطلبوا ممن تكررت منه الشهادة وممن تعلمون قدرته وعلمه على أدائها، أي: بقصد المبالغة.
2ـ وأما الفعل (أشهِدوا) فليس فيه هذا الأمر، وإنما يدل على مجرد الشهادة .
ومعنى ذلك أنَّ ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ معناها أقوى .
3ـ علينا أن نلاحظ السياق الذي وردت فيه كلمة (استشهِدوا)، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡٔٗاۚ ﴾ ، وجاءت مع تقييدات في حفظ الحقوق ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ والذي لا يستطيع أن يحفظ حقه قال: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ إذن في هذا الموقف نطلب ممن يستطيع أنْ يتحمل الشهادة ويكون أميناً قادراً على أنْ يتحمل أداءها، فقال: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ .
أمّا في القسم الثاني من الآية: ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ فهذا في البيع الذي ليس فيه أحد قاصر ولا يستطيع أنْ يُمِلَّ ما عليه الحق وما إلى ذلك وإنما حالة اعتيادية، من أجل هذا قال: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ﴾ لأنّ البيع لا يحتاج.
إذن الحالة التي تستدعي دعوة الأمين والقوي والمقتدر والعالم بالشهادة ذكرها في موطنها، والتي لا تحتاج لم يقل فيها (اكتبوها)، بل قال: ﴿ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ﴾ .
ولذلك فيما هو أهم جاء بالفعل الذي يدل على الأهمية في الطلب والمبالغة ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ ، وفي الأمر الاعتيادي الذي يحصل في الأسواق قال: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ﴾ فوضع كل فعل في الموضع الذي ينبغي أن يوضع فيه.
فانظر إلى هذا التصوير البديع الذي ترسمه زيادة السين والتاء في قوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ تجد هذه الكلمة تدل على طلب شهادة الشاهدين وتكليف بالسعي للإشهاد، وهذا ما لا يفيده لفظ (وأشهدوا) الذي يدل على مجرد الشهادة. والله أعلم .
يتبع القسم الثاني بمشيئة الله
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


