﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]
السؤال الأول:
ما الفرق بين ﴿ مَّا عَمِلَتۡ﴾ و ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾ [البقرة:281] ؟
الجواب:
في سياق الأموال يقول القرآن الكريم ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾ وفي سياق العمل يقول القرآن الكريم ﴿ مَّا عَمِلَتۡ﴾.
* شواهد قرآنية:
آ ـ آية آل عمران 161: الغل هو الأخذ من الغنائم قبل اقتسامها وهو متعلق بالمال فقال: ﴿ مَّا كَسَبَتۡ﴾.
ب ـ البقرة 281: قبلها آيات فيها أمور مادية من ترك الربا، والصبر على المعسر وآية المداينة، فهي في سياق الأموال فناسب ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾.
ج ـ آية النحل 111: ليس فيها ذكر للأموال ولا الكسب، وإنما سبقها في الآية 110 الفتنة والجهاد والصبر، وهي أمور غير مادية فقال: ﴿ مَّا عَمِلَتۡ﴾.
والله أعلم .
السؤال الثاني:
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان:33] وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281] الآيتان جملتان وصفيتان، فلماذا الحذف (فيه) في إحداهما والذكر في الأخرى؟
الجواب:
السبب أنّ التقدير حاصل (يجزي فيه)، لكن لماذا الحذف؟ الحذف يفيد الإطلاق ولا يختص بذلك اليوم، فالجزاء ليس منحصراً في ذلك اليوم وإنما سيمتد أثره إلى ما بعد ذلك اليوم، وكلما يذكر الجزاء يحذف (فيه) (لا تجزي) و(لا يجزي).
أمّا في الآية الثانية البقرة 281 فذكر ﴿ فِيهِ ﴾ لأنه منحصر فقط في يوم الحساب وليس عموماً، وكذلك في قوله تعالى: ﴿ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور:37] ؛ لأنّ ذلك اليوم منحصر في يوم القيامة والحساب ؛ لذا في آيتي البقرة والنور ذكر ﴿ فِيهِ ﴾ وحذف ( فيه ) في آية لقمان عندما كان اليوم ليس محصوراً بيوم معين. والله أعلم .
السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ في هذه الآية ؟
الجواب:
1ـ هذه آخر آية نزلت على الرسول محمد ﷺ وعاش بعدها أياماً معدودة اختلف في عددها من 7 أيام إلى 81 يوماً، والله أعلم.
2ـ الرجوع إلى الله ليس المراد منه المكان والجهة، وإنما الرجوع إلى علمه وحسابه فتوفى كل نفس ما عملت من مكتسب، وفي هذا وعيد للفساق والفجار والكفار، ويتم ذلك بتمام العدل والبعد عن الظلم.
3 ـ قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ يومٌ واحد فقط جدير بالعناية والاهتمام ، وكلُ الأيام الأخرى لا تستحق لحظة قلق.
السؤال الرابع:
على أي شيء نصبت كلمة ﴿ يَوۡمٗا ﴾ في الآية ؟
الجواب:
يوماً: منصوب على المفعول به لا على الظرفية، والمعنى تأهبوا لذلك اليوم، واليوم عبارة عن زمان مخصوص وذلك لا يتقى، وإنما يتقى أحداث وشدائد ذلك اليوم .
السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ ﴾ ماذا عن النفس والروح وتعلقهما في الجسد ؟
الجواب:
يكثر السؤال عن الفرق بين النفس والروح، وفيما يلي نوضح المتعلقات بين الروح والجسد ومراحلهما:
1ـ مرحلة عالم الذَّرِّ: خلق الله الأرواح قبل خلق الأجساد، فهي مرحلة الروح بلا جسد ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾ [الأعراف:172].
2 ـ مرحلة عالم الأجنة: الروح والإنسان في بطن أمه وهو جنين، وهي مرحلة الروح غير الكاملة، حيث الروح متعلقة بالجنين تعلق حياة لا تعلق إدراك ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل:78] .
3 ـ مرحلة الإنسان السوي: هنا الإنسان مدرك عاقل بالغ، والنفس هنا هي تعلق الروح بالإنسان السوي، فالنفس هي روح وجسد، بدليل أنّ الروح عندما تصعد يصبح الجسد جثة، وهذه النفس هي التي عليها التكاليف الشرعية بعكس ما سبق من المراحل .
4 ـ مرحلة النوم: الإنسان النائم تصعد روحه، لكنها لا تنفصل عن الجسد انفصالاً تاماً ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزُّمَر:42] فالنوم هو الموتة الصغرى، وليس على الإنسان حرجٌ في هذه المرحلة؛ لأنه غير مدرك إدراكاً تاماً وهو نائم .
5 ـ مرحلة البرزخ: هنا تبقى الروح في عالم البرزخ، وهو العالم الذي يفصل بين الدنيا والآخرة إلى أنْ يأذن الله تعالى بيوم البعث، فتعود كل روح إلى جسدها الخاص بها استعداداً ليوم البعث والحساب، وهذه المرحلة تبدأ عند الموت حيث ينتهي عمل الإنسان .
خصائص الروح والجسد:
1ـ الروح له نزوع للأعلى والجسد له نزوع للأسفل، وكلّما سمت الروح يكون الإنسان روحانياً ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ [مريم:57] وكلما نزع الجسد للأسفل يكون الإنسان مادياً ﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ [الأعراف:176] بمعاصيه وشهواته ﴿ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ [البقرة:61] فالهبوط هنا دلالة على الهبوط والسفلية.
2 ـ كلّما اهتممنا بالروح وأهملنا متطلبات الجسد المادية ارتفعت بنا الروح وسمت، وهذا ما نشعر به في شهر رمضان مع تلاوة القرآن وحلاوة العبادات .
3 ـ أخطر مرحلة والتي يحاسب عنها الإنسان هي مرحلة النفس في الإنسان السوي كما هو مبين في الآيات أعلاه .
وقد ورد ذكر النفس في القرآن الكريم مرات عديدة لأهميتها وللدلالة على أنّ معظم ذنوب ابن آدم من هوى النفس البشرية : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38] ـ ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ [يوسف: 53] ـ ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ [طه: 96 ] .
لذلك فإنّ معظم الذنوب هي من هوى النفس وليس من وساوس الشيطان.
4 ـ كيف نعرف الفرق بين هوى النفس ووساوس الشيطان ؟
الشيطان يجعل الإنسان يقع في الذنب ناسياً للذنب وعقوبته، أمّا إذا علم الإنسان أنّ هذا الذنب حرام وعليه عقاب ثم يقع في الذنب فهذا يكون من وساوس النفس .
كما أنّ الشيطان يوسوس للإنسان بأي طريق في صلاته وعبادته ليحاول أنْ يوقع الإنسان في الذنب بغض النظر عن الذنب؛ لأنه يريد فقط أنْ يعصي الإنسان ربه، أمّا هوى النفس فهو ما ترغب به النفس البشرية وقد يكون ذنباً واحداً متكرراً .
لذلك على الإنسان أنْ ينتبه لنفسه من نفسه قبل الشيطان، كما قال البوصيري:
وخالف النفسَ والشيطانَ واعصِهِم
*** وإن هما مَحضاك النُّصحَ فاتَّهِمِ
5ـ علاج الشيطان الاستعاذة ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف:200-201] .
6ـ أمّا علاج النفس فالعزم على مخالفة ما تدعو إليه النفس، والانتباه إلى أنّ النفس تطمع ولا تشبع أو تقنع، فمخالفتها هو العلاج «حُفت النار بالشهوات وحُفت الجنة بالمكاره».[ صحيح مسلم 2822 ] .
أنواع النفس:
1ـ النفس المطمئنة: وهي أرقى الأنواع؛ لأنها مطمئنة بذكر الله وعبادته وتكون مطمئنة بالآخرة.
2 ـ النفس اللوامة: وهي التي تلوم صاحبها دائما على المعاصي والذنوب، وكأنها تعمل رقيباً ومحاسباً على الأعمال والأقوال، وقد أقسم الله بها فقال: ﴿ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ [القيامة:2] .
3 ـ النفس الأمّارة بالسوء: وهي أسوأ الأنفس؛ لأنها تأمر صاحبها بارتكاب الذنوب والمعاصي دون تورع أو خشية من الله تعالى، بل على العكس تزين لصاحبها المعصية.
لذلك فتطويع النفس ضروريٌّ للإنسان حتى يتغلب على أهوائه ونوازعه، ولعلّ من أهم الأسباب التي يعين الله تعالى عباده بها على أنفسهم هو إخلاص النية له تعالى، فلو علم الله صدق العبد لأعانه على نفسه ومقاومة إغرائها وشهواتها .
اللهم اجعلنا ممن أخلص النية لك في كل أمر وأعنا على مقاومة هوى أنفسنا واعصمنا من الزلل والذنوب ومن عذاب الآخرة، اللهم آمين. والله أعلم .
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


