مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 199)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 199)

التصنيف: واحة التفسير
الثلاثاء، ٣ ربيع الآخر ١٤٤٥ هـ - ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٣
378

الحكمالتشريعيالتاسع  والعشرون: متعةالمطلقةقبلتسميةالمهروقبلالدخولبها

 

﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦﴾ [البقرة: 236]

 

السؤالالأول:

ماالفرقبين﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦ و﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ٢٤١ فيآيتيالبقرة236و241 علىالترتيب؟

الجواب:

 الآيةالأولى 236هيفيحالةالمرأةالمعقودعليهاوطُلّقتقبلأنْيتمالدخولبهاأولمتُفرضلهافريضة،أي: لميحددمهرها، وللعلمفإنّخلوالعقدمنالمهرلايؤثرعلىالعقد، ويثبتللمرأةمهرالمثل، واللهأعلم.

 أمّاالآيةالثانية 241 فهيفيحالةالمرأةالتيعُقدعليهاثمطُلّقتوقدتمالدخولبها.

ففيالحالةالأولىالرجلُطلَّقَالمرأةَلكنهلميدخلبهاولميستفدمنهاأويتمتّعبهاولميحصلبينهمامسيس،فعندمايدفعالنفقةيكونهذامنبابالإحسان، والقرآنالكريملميحددالقدربلتركهمفتوحاًكلٌّحسبسعته،لذاخُتمتالآيةبقولهتعالى: ﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦ [البقرة:236] .

بينمالودخلعليهاواختلىبهاوحدثالمسيسوخدمتهوأسعدتهثمطلّقهافيدفعلها، ولولميدفعلهاسيدخلالنار،لذاختمتالآيةبـ ﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ٢٤١ [البقرة:241] أي(الذينيتّقونالعذابيومالقيامة).

 

السؤالالثاني:

ماذاتعنيكلمة﴿ حَقًّا فيالآية﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦ [البقرة:236]؟وماإعراب: ﴿حَقًّا؟

الجواب:

كلمة﴿حَقًّا تعنيحقاًحقَّقهالقرآنللمرأةوليسلأحدأنْيتجاوزه،ولاتقولالمرأةلاأريدهإنماتأخذهوتتصدقبهإنْشاءت.

و(حقاً) هنافيالآيتين236و241 تفيدتوكيدمضمونالجملة؛لأنهتعالىلمّاأمربالتمتيعوهوإعطاءقسممنالمالللمرأةالمطلقةعلىحسبالأحوالفيالغنىوالفقر،أرادأنْيبينأنّذلكحقلهن،فأكّدهبقوله﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦ و﴿حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ٢٤١﴾ .

حقاً: مفعولمطلقمنصوب.

 

السؤالالثالث:

ماأهمالدروسفيالآية؟

الجواب:

هذهالآيةذكرتْحكمَمتعةالمطلقةالتيلميُسمّلهاالمهر، وقبلالدخولبها، وقيلإنّهذهالآيةنزلتفيرجلمنالأنصارتزوجامرأةمنبنيحنيفة، ولميُسمّصداقها  ، ثمطلقهاقبلأنيمسها، فقاللهالنبيعليهالسلام: ( متعهابقلنسوتك) [ الكافي الشاف رقم 38 ]   .

وكأنّعدمتسميةالمهرليسشرطاًفيالنكاح،بلإذاتزوجتهولميفرضفيهذاالزواجمهرفقدثبتلهامهرالمثلوالعقدصحيح، ودليلذلكأناللهسبحانهوتعالىيقول:﴿ لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ ومعنىهذاأنهاكانتزوجةولميحدثدخولللزوجبها.

هذاالطلاققديحرجالمرأة، وقديسيءإلىسمعتها، ويتحدثالناسعنها: لماذاتركها؟هلفيهاعيبمثلاً؟فأمرالإسلامفيهذهالحالةأنيمتعها، أييعطيهاشيئاًمنالمالكهديةأوسدنفقة، جبراًلخاطرها، وتطيباًلها، وصيانةلعرضها، لكيتذكربالكلامالحسنبينالناس.

قولهتعالى: ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ماهوالمس؟لدينافياللغة: (مسّـلمَسَـملامسة) فالإنسانقديمسشيئاًبسرعة،ولكنّالماسّلايتأثربالممسوس،أيلميدركطبيعتهأوحالههلهوخشنأوناعم؟دافئأوبارد،وإلىغيرذلك.

أمّااللمسفلابدّمنالإحساسبالشيءالملموس،وأمّاالملامسةفهيحدوثالتداخلبينالشيئين. إذنعندناثلاثمراحل: الأولىهي: مس. والثانية: لمس. والثالثة: ملامسة.

إذن: كلمة(المس) هيأخفمن(اللمسوأيسرمنأنْيقولَ: لامستمأوباشرتم،ونحننأخذهذاالمعنىهنافيالآية؛لأنّهناكسياقاًقرآنياًفيمكانآخرقدجاءليكوننصاًفيمعنىآخر،نستطيعمنسياقهأننفهمالمعنىالمقصودبكلمة(المس) ،فقدقالتالسيدةمريم:﴿ قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا٢٠ [مريم:20]

إنّالقرآنالكريميوضحعلىلسانسيدتنامريمأنّأحداًمنالبشرلميتصلبهاذلكالاتصالالذيينشأعنهغلام ،والتعبيرفيمنتهىالدقة،ولأنّالأمرفيهتعرضلعورةوأسرار؛لذلكجاءالقرآنبأخفلفظفيوصفتلكالمسألةوهوالمس،وكأنّاللهسبحانهوتعالىيريدأنْيثبتلهاإعفافاًحتىفياللفظ،فنفىمجردمسالبشرلها،وليسالملامسةأوالمباشرةبرغمأنّالمقصودباللفظهوالمباشرة؛لأنّالآيةبصددإثباتعفةمريم.

ولنتأملأدبالقرآنفيتناولالمسألةفيآيةالبقرةالتينحنبصددها؛فكأنالحقسبحانهوتعالىيعبرعناللفظبنهايةمدلولهوبأخفالتعبير.

الحقيقول: ﴿ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ ومعروفأنّ(أَوْ) عندماتردفيالكلامبينشيئينفهيتعني(إمّاهذاوإمّاذاك)،فهلتفرضلهنفريضةمقابلالمس؟

إنّالأصلالمقابلفي﴿ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ  هو: ( أنتمسوهن)،  ومقابل﴿ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ  هو: (أنلاتفرضوالهنفريضة) . وكأنّالحقعزّوجلّيقول: لاجناحعليكمإنْطلقتمالنساءمالمتمسوهنسواءفرضتملهنفريضةأولمتفرضوالهنفريضة. وهكذايحرصالأسلوبالقرآنيعلىتنبيهالذهنفيملاحظةالمعاني.

ولناأننلاحظأنّالحققدجاءبلفظة(إنْ)﴿ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ   فياحتمالوقوعالطلاق،و(إنْ) كمانعرفتستخدمللشك،فكأنّاللهعزوجللايريدأنيكونالطلاقمجترءاًعليهومحققاً،فلميأتبـ(إذا)،بلجعلهافيمقامالشكحتىتعززالآيةقولالرسولصلىاللهعليهوسلم: «أبغضالحلالإلىاللهالطلاق»[رواه أبو داود 2178].

ثميقولالحقعزوجلبعدذلك: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦   أيإنّكإذاطلقتالمرأةقبلالدخول،ولمتفرضلهافريضةفأعطهامتعة. وقالبعضالعلماءفيقيمةالمتعة: إنهامايوازينصفمهرمثيلاتهامنالنساء،وماداملميُحَّددلهامهرٌفلهامثلنصفمهرمثيلاتهامنالنساء. ويقولالحق:﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ٢٣٦ أيينبغيأنتكونالمتعةفيحدودتناسبحالةالزوج؛فالموسعالغني: عليهأنيعطيمايليقبعطاءاللهله،والمقترالفقير: عليهأنيعطيفيحدودطاقته.

وقولالقرآن: ﴿ ٱلۡمُوسِعِ مشتقمن الفعل(أوسَعَ) واسمالفاعل(موسِع) واسمالمفعول(موسَععليه)،فأياسممنهؤلاءيطلقعلىالزوج؟إنْنظرتإلىأنّالرزقمنالحقفهو(موسععليه)،وإنْنظرتإلىأنّالحقيطلبمنهأنتوسعحركةحياتكليأتيكرزقك،وعلىقدرتوسيعهايكوناتساعاللهلك،فهو(موسع).

إذنفالموسع: هوالذيأوسععلىنفسهبتوسيعحركةأسبابهفيالحياة، بينماالإقتارهوالإقلال،وعلىقدرالسعةوعلىقدرالإقتارتكونالمتعة.

 والحقسبحانهوتعالىحينمايطلبحكماًتكليفياًلايقصدإنفاذالحكمعلىالمطلوبمنهفحسب،ولكنهيوزعالمسؤوليةفيالحقالإيمانيالعام؛فقوله: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ يعنيإذاوُجدمنلايفعلحكماللهفلابدّأنتتكاتفواعلىإنفاذأمراللهفيأنْيمتعكلُواحدطلَّقزوجتهقبلأنيدخلَبها. والجمعفيالأمروهوقوله: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ دليلعلىتكاتفالأمةفيإنفاذحكمالله.

آيةالبقرة(236 ) هي  كقولهتعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا٤٩[الأحزاب: 49] وقدتزوجالنبيعليهالسلامأميمةبنتشراحيل، فلمّادخلتعليهبسطإليهايده، فكأنهاكرهتذلك، فأمربتجهيزهاومتعتها.

باختصار: إنْطلقالرجلُالمرأةَقبلأنيسميلهامهراً، وكانقدعقدَعليها، ولكنهلميدخلْبها، فعليهمتاعٌبالمعروف، ولاعدةعليها.

واللهأعلم.


 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...