هيهات هيهات لمن هبت على روحه أنسام الحرية ، واستنشق أريجها ، وسرت في شرايينه دماؤها ، وتضمخت شغاف قلبه بعبيرها ، هيهات هيهات لمن تشبعت أقطار نفسه بقوة الحرية الدافق ، ونظر إليها بقلبه نظرة رامق وامق ، ولاح لعينيه شعاعها الرائق ، بعد ليل طويل ، وأمل ضئيل ، وظلم وبيل ، واحتباس ثقيل ، بعد أن برحت الآلام ، وسيطر اللئام ، واستجار من العبودية الأنام ، بعد الذل اللاحب ، والعذاب الناصب ، وانتهاك الحرمات بدون مراقب .. هيهات هيهات لمن ذاق طعم الحرية حلو المذاق ، أن يستسيغ مرارة طعم العبودية مر المذاق ، فمن ذاق عرف ، ومن عرف اغترف .
من هنا ندرك سر الزخم الهائل كأمواج البحار ، وتظاهر السوريين السلمي الضخم كالسيل الهدار ، وتقاطر الأحرار لساحات الحرية كالمطر المدرار ، يقتلعون من طرقهم أشواك الاستبداد كالإعصار ، وتصدح حناجرهم بإسقاط سفاح الشام بشار ، بجؤار متبتل قانت يناجي الرب الجبار يمتزج بسجود في جوف الليل بدموع حرَّى بالأسحار .
ذاك طعم الحرية يهون في سبيله كل ألم ، والقلب عندما يتحرر لا يطيق أن يعيش لحظة عبودية واحدة ؛ فالحرية حرية القلب ، والعبودية عبودية القلب ؛ كما قال ابن تيمية رحمه الله . والإنسان عندما يسلك في سلك العبودية لله فإنه قد ملك حريته ، قال الجنيد : إذا كنت له وحده عبدا كنت مما دونه حرا ؛ بل إن العبودية للعبيد تمسخ كرامة الإنسان ، وتجعل عبوديته لله كاذبة ولو أقسم بالله جهد أيمانه أنه عبد لله ، وهو ما يعبر عنه الفضيل رحمه الله : والله ما صدق الله في عبوديته من لأحد من المخلوقين عليه ربانية .
إن الهوان حمار البيت يألفه ** والحر ينكره والفيل والأسد
ولا يقيم بدار الذل يألفها ** إلا الذليلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ** وذا يشج فما يأوي له أحد
الخسف : الذل – يأوي : يرق
لقد ذاق طعم الحرية بلال ، فلم يبال بعدها بما صبه عليه المشركون من وبال ، واستهان بما وضع على صدره من صخور ثقال ، واعتز بعبوديته لله الصمد ، فلم يفتر لسانه عن التغني بأحد أحد
وذاق طعم الحرية من قبله سحرة فرعون ، فاستعانوا بالله فكان لهم نعم العون ، واشتد عليهم من فرعون التهديد والوعيد ، فطلبوا الغوث من ربهم ذي العرش المجيد ، والبطش الشديد ، فأغرق الله فرعون وجنوده وقال : إني فعال لما أريد ، ونادوا من قبل يا مليك يا مقتدر ، فجاءت النجدة على أمر قد قدر ، وجعلهم الله عبرة لمن يعتبر .
ويأبي شعب سوريا الأبي الرجوع إلى حظيرة العبودية بعد ذواق الحرية ، فأصبحت في اعتقادهم نظير الكفر ؛ كما قال الداعية الأريب الأديب عصام العطار متع الله ناظرينا وناظريه برؤية النصر القريب
عجبت من مؤمن يرضى الهوان وما ** يرضاه إلا الألى بالله قد كفروا
تراه يحتج بالأقدار معتذرا ** والمؤمن الحق لو يدري هو القدر
قوم يطلون والدنيا بها ظمأ ** والدرب ملتبس والليل معتكر