بسم الله الرحمن الرحيم
وبه وحده أستعين
لم يكن بلغ التمييزَ يوم رحل والدُه عن دار الدنيا، إذ كان في بواكير طفولته يحبو نحو عامه الثاني!
مضى الأب مخلِّفًا له سيرةً عبقة بشذا الإخلاص والجهاد والنبوغ المبكِّر، وإنجازات زاخرةً بالمآثر الخالدة، لا يتأتَّى لأفراد الرجال تحقيقُها في الزمن الذي حققها فيه!
لقد كان نمطًا صعبًا، من أفذاذ الرجال ووُحدان أولي العزم منهم.. حتى إنه ليَصدُق فيه وصف الواصف: كان أمَّة وحدَه، وكان رجالاً في رجل!
أجل والله، فقد لمع نجمُه في غير مَيدان من ميادين العطاء النافع؛ فهو العالم الفقيه، والمفكِّر الحصيف، والداعية المخلص، والخطيب المِصقَع، والأكاديميُّ الرصين، والمعلِّم المربِّي، والأديب المبدع، والسياسيُّ المحنَّك، والقائد القدوة، والمجاهد في سبيل الله..
وإن تعجَب فعَجَب أن ما حمله على عاتقه من هموم أمَّته المسلمة، وكثرةَ أعبائه وجسامةَ مسؤوليَّاته لم يحُل بينه وبين قلمه، إذ كان له نصيبٌ وافر من همَّته ودأبه!
فخلَّف لنا تراثًا علميًّا أصيلاً كتب الله له القَبول في الأرض، ونرجو له مثلَ ذلك في السماء.
تشعَّبت مسالكُ الكتابة لديه بين بحوث علميَّة جادَّة ككتابه (السنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) و(المرأة بين الفقه والقانون)، ومقالات فكرية هادفة (افتتاحيَّات حضارة الإسلام)، وخواطر أدبيَّة وتربوية (هكذا علَّمتني الحياة) و(القلائد من فرائد الفوائد)..
لعلَّكم عرفتم الآن المقصود!
نعم، إنه الشيخ الألمعيُّ الذي كان نسيجَ وحدِه د. مصطفى السباعي، أول سوريٍّ يحصل على الدكتوراه بالشريعة من الأزهر عام 1949م فيما أعلم، ومؤسِّس أول كلية للشريعة في سوريا عام 1955م([1])، ومنشئ مجلَّة (حضارة الإسلام) عام 1960م([2])، ورجل البرلمان، وقائد كتائب الإخوان، في حرب فلسطين 1948م.
رحمه الله وجزاه عن أمَّته خيرًا.
ولعل العَجَب يأخذ بك أيها القارئ كلَّ مأخذ حين تعلم أن ما تراه من إنجاز ضخم وُفِّق إليه الشيخُ إنما كان في عمُر قصير؛ إذ اخترَمَت المنيَّة عالمنا الموهوبَ ولمَّا يبلغ الخمسين([3])!
أما الأبُ فقد عرفتموه..
وأما الابنُ فهو الأخ الأستاذ محمد السباعي أصغر أولاد أبيه الستَّة، الذي ما إن شبَّ حتى حمل همَّ إحياء أثر أبيه، فأعاد إخراجَ تراثه العلميِّ والأدبيِّ في حُلَّة بهيَّة مَرضيَّة بداره التي أسَّسها للنشر (دار الورَّاق) بالرياض. وقد أحسن كلَّ الإحسان حين أخرج بأخَرة (الأعمال الكاملة) لأبيه العظيم في خمسةَ عشرَ مجلَّدًا، ومن قبلُ أصدر كتابًا تذكاريًّا كبيرًا استكتب له أعلامَ العصر من عارفي فضل أبيه، جامعًا فيه ما انتهى إليه ممَّا قيل فيه وفي جوانب عبقريته رحمه الله([4]).
وهذا لا ريبَ من أعظم البرِّ وأجلِّ الوفاء، شكر الله له وتقبَّل عمله، وجعله في صحيفته وصحيفة أبيه، يوم لا يُغني مولًى عن مولًى شيئًا!
وبارك في ذريَّته وعقبه، وأدام الوفاء في أسرته.
والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.