المقرر عند عامة العلماء والمسلمين أن القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران للتشريع، لا يختلفون في ذلك، وعن هذين المصدرين تتفرع باقي المصادر، كالإجماع، والقياس، والاستصلاح، والاستحسان.. إلا أن قضايا القرآن والسنة في الدرس الأصولي تختلف، واهتمام العلماء بها وقوة الخلاف فيها يختلفان كذلك: فالنقاش في قضايا السنة هو الأقوى عندهم، وإليه صرفوا جل عنايتهم، وفيه بسطوا الخلاف، وأكثروا من الرد والاستدلال. والسبب في ذلك أن السنة النبوية طرأت عليها مؤثرات خارجية فارقت بها القرآن: منها: أنها وصلتنا من طريقين: طريق التواتر، وهو قليل، وطريق الآحاد، وهو معظم السنة. والقرآن وصلنا من طريق واحد وهو التواتر. ومنها: أن قسما من السنة روي بالمعنى؛ لأن العلماء أجازوا رواية الحديث بالمعنى بشروط مسطورة في محلها من كتب علمي مصطلح الحديث وأصول الفقه. ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل لما يصدر عنه مُوَثقين، كما جعل ذلك للقرآن، حيث عَيّن للقرآن كُتابا يدونون ما ينزل عليه. أضف إلى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمعت فيه عدة وظائف: أولاها: التبليغ، وهي وظيفته الأساس، ولأجلها بعث. الثانية: أنه كان إماما للمسلمين يسوسهم سياسة رشد وسداد، ليقتدي به من يأتي بعده. الثالثة: أنه كان قاضيا يفصل في الخصومات التي تقع بين المتنازعين منهم ومن غيرهم، ممن كان يسكن بالمدينة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم مع كل ذلك بشرا، تصدر عنه تصرفات بحكم بشريته. فمن هذه التصرفات ما يكون واضحا جليا لا يختلف بشأنه العلماء، ومنها ما يحتمل هذا وذاك، فيحصل فيه الخلاف. لأجل هذه الأسباب التي ذكرتها وغيرها مما لم أذكره (كظاهرة الوضع في الحديث النبوي، وكَتَحَرُّج بعض الصحابة والتابعين من نسبة بعض ما يفتون أو يقضون به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل ينسبونه إلى أنفسهم...) كان التعامل مع السنة النبوية محفوفا بالمخاطر بالنسبة لمن اغتر بنفسه، وباشر الاستنباط منها دون الاستناد إلى الموروث الفقهي والأصولي..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


