بعد أن افتتحتُ اللقاء الأول بتذكير جليستي أن أي سؤال سأطرحه عليها هو بهدف التعرف على موضوع الاستشارة لا أكثر، بدأتُ أستفسر عن ظروفها النفسية والأسرية والاجتماعية من خلال أداة فعالة وعميقة. إنها رفيقة المستشار الصدوقة: "لماذا؟". فكانت كلما استحضرت موقفاً حفظته في خزان ذاكرتها، وأعادت وصف ردة فعلها عليه، سألتُها: لماذا فعلت ذلك؟ لماذا قلت تلك الكلمة؟ لماذا تضايقتِ؟ لماذا فكرت بهذه الطريقة؟ لماذا نظرت للموقف من هذه الزاوية؟ لماذا واجهتِ؟ لماذا انسحبتِ؟
ومع كل "لماذا؟" كانت تشرد، وتغرق في ظلال من الأفكار، وتدور عيناها بصمت كأنها تبحث في صندوق قديم عن أشياء ضاعت منها لكنها لم تكن تعرف أنها كانت موجودة أساساً!
ما أعجب ابن آدم!
يملك، ولا يعرف أنه يملك، ويخسر، ولا يعرف أنه يخسر!
يضيّع ما كان يريده، ويجد ما يظن أنه لا يبحث عنه!
قلت لها:
- ماذا تفعلين عندما تشعرين بالضعف وقلة الحيلة؟!
- أعتزل، وأجلس وحدي.
- وهل ساعدتك الوحدة؟
- بل جعلتني أكثر ضعفاً.
- ألم تفكري أن تستعيني بمن يعلم عنك كل شاردة وواردة، والقادر على أن يمنحك القوة لتكملي طريقك؟!
- من؟
- ربك أيتها الغالية. توجّهي إليه، وتوكّلي عليه، وصلّي له، وارفعي له كفّيك، ستجدينه معك في كل خطوة.
- يعني تريدين أن تقنعيني أنني إذا صليت سأصبح أقوى، وسأُعطى طاقة لأقف كلما وقعت؟ أليس هذا "كليشيه" يقال ولا يُعاش؟!
- دعك من الكليشيهات، وتعالي ننتقل إلى أرض الواقع. ألا تتابعين مؤخراً النقلة النوعية التي خطوناها- نحن الشعب اللبناني- من الاعتماد على الكهرباء إلى التركيز على الطاقة الشمسية؟!
- وما دخل هذا "التعتير" بموضوعنا؟
- سأشرح لك. إن موضوع الطاقة الشمسية بالنسبة لنا بات حلّاً لا غنى عنه لتيسير أمور حياتنا، لكن الغريب في الموضوع أن هذا "التيسير الحقيقي" مرتبط بمصدر غير مرئي. تخيلي أن ألواح مصنعة من مادة السيليكون مغطاة بطبقة زجاجية ومحاطة بإطار معدني، تُجمع ثم توضع في مكان يستقبل نور الشمس، لتتحول حرارة أشعتها (وهي مادة محسوسة غير ملموسة) إلى طاقة تضيء غرف بيتك، وتشغل أدوات مطبخك من الثلاجة والمايكرويف ومكنة القهوة، ثم الغسالة والمكواة والمكيف ومجفف الشعر، وتشحن هاتفك وحاسوبك وسماعاتك. لقد سخر الله تعالى لك تلك الطاقة الغائبة عن حواسك فسهلت عليك حياتك المادية، وخففت عنك الشقاء الناتج عن فقدانها، وتلك احتياجات الجسد، أفلا تحتاج روحك إلى قوة ربانية تؤمنين بوجودها وتأثيرها عليك لإمداد قلبك وعقلك بموارد معنوية تحمل عنك العبء، وتزيل عنك الهم، وتمنحك القدرة على إكمال دورك وأداء وظيفتك؟!
الصلاة -أيها الأعزاء- ليست بديلًا عن الحياة، إنها السبب الذي يعطينا القوة لنتعامل مع الحياة كما ينبغي أن نتعامل معها؛ إننا نذهب إلى الله من طريق الصلاة لكي نستطيع أن نعود إلى الحياة من طريق الله تعالى.
فماذا لو لم تكن مشكلتنا الكبرى هي كثرة الهم بل قلة الملجأ؟
إننا أحيانًا لا نحتاج إلى تشخيص المشكلة بشكل مادي بحت، لأن المشكلة ستظهر جلية في أول مكان نذهب إليه عندما نتألم.
الصلاة ليست فقط لإسقاط الفرض عن الكتفين بل لإدخال النور إلى القلب والعين، إنها الميقات الذي يعيد بناءنا من الداخل، ليبقى التحدي الأكبر مع عمود ديننا هو كيف نحوّل النور الرباني المتجلي على قلوبنا في الصلاة إلى طاقة نتحرك بها ثم نتوازن قبل أن نخرج إلى واقع الحياة.
إن لوحاً معدنياً وجّه صدره إلى نور الشمس فعاد علينا بتلك المغانم الدنيوية، أفلا تتوجه قلوبنا للذي فطر السماوات والأرض حنفاء مسلمين لنفوز بتلك المعونات الإلهية من الصبر والتوكل والتفاؤل والسكينة والطمأنينة وعدم الاستسلام؟! والله المستعان..
بقلم: هنادي الشيخ نجيب
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


