من الحدث إلى الإنسان
في المنهج التربوي عند الشيخ الدكتور منير الغضبان رحمه الله
كتب الشيخ منير الغضبان رحمه الله في السيرة النبوية رحلة علمية طويلة، انتقل فيها من قراءة التاريخ وأحداث السيرة إلى استنطاق منهجها في صناعة الإنسان.
بدأ بـ «المسيرة الإسلامية للتاريخ»، ثم كتب «المنهج الحركي للسيرة النبوية» الذي طبع في ثمانينيات القرن الماضي، فلقى قبولا واسعا ونقدا واسعا كذلك. ثم كتب «التحالف السياسي في الإسلام»، موظفا أحداث السيرة في قضية خاضتها الحركة الإسلامية في سورية آنذاك، ومؤصلا لما عرف يومها بـ«التحالف الوطني لتحرير سورية».
ثم اتجه إلى الكتابة الأكاديمية، فألف «فقه السيرة النبوية» لمعهد إحياء التراث بجامعة أم القرى، وطبعته الجامعة وقررته بعض الجامعات ضمن مناهجها. وكتب في تلك المرحلة تراجم لعدد من الصحابة، منهم أبو ذر، ومعاوية، وهند بنت عتبة، والمغيرة، وعمرو بن العاص. وكانت رسالته للدكتوراة بعنوان «الشعر في العهد النبوي».
ثم جاء مشروعه الأوسع: «المنهج التربوي في السيرة النبوية»، فكتب «التربية الجهادية» في ثلاثة مجلدات، ثم «التربية القيادية» في أربعة، و«التربية الجماعية» في مجلدين، و«التربية السياسية» في مجلدين، ثم «التربية السياسية للطفل»، وختم بـ «الأربعين في السيرة النبوية»، منتقيا أربعين حادثة من السيرة لتكون زادا للناشئة.
وكان التحول الأبرز في هذا المشروع انتقال مركز النظر من الحدث إلى الإنسان.
فلم يكن السؤال عنده: ماذا حدث في بدر وأحد والخندق؟ بل: كيف ربى النبي ﷺ الجيل الذي صنع هذه الأحداث؟ وكيف صنع الوحي الإنسان القادر على حمل الرسالة وتكاليفها؟
لذلك لم تكن «التربية الجهادية» كتابا في أحكام الجهاد، ولا سردا للمغازي، وإنما بحثا في المنهج الذي أعد المسلم للجهاد قبل وقوعه، ورباه من خلال ممارسته، وعلمه كيف يستوعب نتائجه.
وكان القرآن الكريم مفتاح هذه القراءة. فالحدث عنده ليس غاية، وإنما ميدان تربوي يكشف عمل الوحي في بناء الجماعة المسلمة، فيكشف مواطن القوة والضعف، ويهذب النفوس، ويصحح الأخطاء، ويرفع الهمم، ويربط الأخذ بالأسباب بالإيمان والتوكل.
فأحد، مثلا، ليست مجرد معركة، وإنما مدرسة تكشف أثر الطاعة والمعصية، وحب الدنيا، والصبر والثبات، ثم تكشف كيف أعاد القرآن بناء النفوس بعد التجربة.
ومن هنا اتسعت عنده التربية الجهادية لتكون بناء للفرد والجماعة: إيمانا وطاعة وصبرا وتضحية وانضباطا ووعيا وحسن قيادة وتحمل مسؤولية. ولهذا تداخلت في مشروعه التربية الإيمانية والسياسية والاجتماعية والقيادية.
وكان الشيخ يقول لي يوما إنه يتطلع أن يكون مسعاه تكملة لـ«في ظلال القرآن»؛ فسيد قطب رحمه الله درس القرآن دراسة حركية، وكان يتطلع هو إلى أن يدرس السيرة دراسة حركية، حتى يجتمع لنا التمسك بالثقلين معا: كتاب الله وسيرة رسوله ﷺ.
وفي هذا تتضح روح مشروعه كله: أن نقرأ السيرة لا لنعرف ماذا فعل الجيل الأول فحسب، بل لندرك كيف صنع الوحي والنبي ﷺ ذلك الجيل، وكيف تحولت التربية إلى إنسان، والإنسان إلى جماعة، والجماعة إلى أمة تحمل الرسالة وتنهض بأعبائها.
ولشدة شغفه بما كتب، كان يحدثني عن رؤى رأى فيها رسول الله ﷺ أكثر من مرة، ويبشره فيها ببشريات لا أذكر تفاصيلها اليوم، وكان يقصها علي والدموع تملأ عينيه فرحا بها.
رحم الله الشيخ منير الغضبان، فقد كان يرى السيرة منهجا لصناعة الإنسان، لا مجرد رواية لما كان.
بقلم: أحمد إسماعيل سعود
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


