لله درها، هي مثال للمرأة السورية مربية العظماء، قُذف بيتها بقذيفة ولشدة ضغط القذيفة ارتفع ضغط دم زوجها الخمسيني فجأة فتوفي لساعته، أما أبناؤها فلقد ذهب ولدَاها للجهاد، أما الأول فاستشهد وهو يذود كلاب الفرس والنصيرية عن أرض أمته، وما زال الثاني يجاهد فيصاب ويبرأ ليعود إلى الجهاد ثم يصاب وهكذا فهو منغمس في النعيم العاجل للمؤمن، وماذا عن الصهر إنه كأبناء حموه، مجاهد في كتيبة، يتنقل من جبهة إلى جبهة، ومن رباط إلى رباط، أما ابنتها فهي رفيقة زوجها وأكرم بها من رفقة فقد تركت حيها الذي تسكن فيه إلى ريف حلب؛
أو لم تسألوا لماذا تترك المحرر إلى محرر آخر؟ نعم لتقوم على شؤون الكتيبة التي يجاهد فيها زوجها، فتسكن قرب خط النار، تعد للمجاهدين الطعام، وتغسل لهم الثياب، وتبذل ما بوسعها في سبيل إعانتهم.
أما الحي الذي تسكن فيه تلك الأم المؤمنة، ففي الوقت الذي تركه تجار السلاح ممن رأوا شعار الجهاد يوما ما تجارة رابحة يتاجرون به، وعندما اشتد القصف باعوا أسلحتهم ليستأجروا المكاتب في تركية ويقيموا ينتظرون اللحظة المناسبة ـ التي لن تأتي بإذن الله ـ ليحاولوا أن يقطفوا ثمار الثورة، في هذا الحين تأبى هذه ?#الأم_السورية_المؤمنة النزوح عن منزلها الذي قصف، وما زالت صابرة صامدة، لقد صبرت على موت زوجها، واحتسبت ابنها الأول عند الله، وابنتها بعيدة عنها في سبيل الله فلا يلتقيان إلا كل مدة مع أنهم على أرض واحدة وليس بينهم حدود، نعم أيها الإخوة: لم تكتف بكل هذه التضحيات، بل تقوم أيضا على إعداد الطعام للمجاهدين وخدمتهم بقدر وسعها، وفوق كل هذا وذاك، لقد جمعت أطفال حيّها في بيتها تعلمهم كتاب ربهم وتحفظهم بعض آياته، لتكون أنموذجا يقتدى به للمرأة المسلمة، وخير مثال عن المرأة السورية منجبة الأبطال وصانعة العظماء، ألا أيها الإخوة: لا تحدثوني بعد اليوم عن اليابان كيف بدؤوا التعليم على أنقاض المكان الذي سقطت عليه القنبلة النووية، فالمرأة السورية أنستني اليابان وأهله.
لا تحدثوني عنهم بعد اليوم فـالمرأة السورية مدرسة تنشئ أجيالا ستسبق اليابانيين بأشواط، وكيف لا وهم الذين سيبنون صرح دولة الإسلام بعقولهم وخططهم وسواعدهم، كيف لا وهم الذي سيقتفون خطى قائدهم أبي القاسم صلى الله عليه وسلم في سياسته الشرعية وحنكته، فيعدون أنفسهم ليوم لا بد أن يأتي ولو بعد عشرين أو ثلاثين سنة، يتحقق فيه الهدف، وتقوم خلافة على منهاج النبوة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
هذا أنموذج تحدثت عنه وقد عرفت الأسرة وبعض أفرادها، ولعل عند كل منكم ـ إن نظر في من حوله ـ من هو شبيه بها بل وربما أعظم من ذلك، كل هذا لنعلم قيمة ثورتنا وما أحيت فينا من روائع البذل والتضحية فلا ننظر إلى المثالب دون المحاسن، ولنوقن أن شعبا هذه صفاته لا بد أن ينتصر طال الزمان أم قصر (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ).
فإن قصرنا في اتخاذ الأسباب فلعلم الله بصدق أمثال هؤلاء سيهديهم طريق النصر نسيت أن أحدثكم عن إخوة هذه الأم المؤمنة فقد شغلنا بها وبأبنائها، ولكن ألا فلأكتفِ اليوم بذلك، لأقول لمن ترك سورية ونسي بلاده وبات يرضي نفسه بشتى الأعذار:
هل تستوي أنت وعائلتك في بذْلك في سبيل الله لسوريّتك الحبيبة وهذه الأم وأبناؤها؟ كلا والله، صدق الشاعر إذ قال قولا، يثور ?القلبالحي له حين يسمعه ويخشع ولا يرضى لنفسه بأن يكون مع القاعدين:
خلق الله للمعالي رجالا ** ورجالا لقصعة وثريد
وصدق الله إذ قال في محكم تنزيله:
(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ، وَأَبْنَاؤُكُمْ، وَإِخْوَانُكُمْ، وَأَزْوَاجُكُمْ، وَعَشِيرَتُكُمْ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) ((فَتَرَبَّصُوا)) حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


