من أدب الثورة : قصاصة ورق

من أدب الثورة : قصاصة ورق

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ١٠ ذو القعدة ١٤٣٤ هـ - ١٥ أيلول ٢٠١٣
903

مؤسسة زيد بن ثابت


متلفحاً بجلدي العاري في ليلة ثلجية شديدة من ليالي آذار، جاثياً وقد أكل القيد من معصمي، مفكراً بأهل وأحباب خلفتهم وراء هذه القضبان...
رباه!!!ماذا حل بأمي التي كانت تشفق من تأخري ساعة عن البيت؟
ترى هل علمت أني قابعٌ في هذا المكان فاطمأن قلبها أني مازالت في عالم الأحياء؟ أم راودتها كوابيس الأم حين تفقد ولدها فباتت ترمي بها يمنة، ويسرة...
سرقوه...قتلوه...مات...دهسته سيارة...لا ربما اعتقلوه...لكن أين ؟؟
قلت لأبي زيد الذي ملأ شخيره أذني، فكان يخرجني من عالم ذكرياتي مع كل شهيق وزفير: ....غطيني ـ يا أبا زيد ـ فإني أكاد أموت من البرد...
وماذا يفعل أبو زيد المسكين وليس معه سوى بطانيته التي إن غطا بها رأسه بانت قدماه، وإن غطا بها قدميه ارتعد صدره ورأسه من البرد؟؟
لكنه قال بلهجته الحانية العطوفة: سأطلب الآن من المساعد بطانية أخرى...عسى أن يشفق علينا ويأتينا بواحدة...


فلتفعل يا أبا زيد...
قلت هذه الكلمة وقد أيقنت أننا لن نتمكن من سؤاله، فضلاً عن استجابته للسؤال...فغرفة البطانيات مليئةٌ إلى السقف بالبطانيات المخصصة للمساجين...لكنهم كيف سيمتعون ضيوفهم بإقامة زمهريرية إن أعطوهم أكثر من واحدة؟؟
وبينما أنا سادر أتدفأ بذكريات الأسرة حول المدفئة في ليالي الشتاء، والنار التي كنا نشعلها في البستان كلما ذهبنا إلى سقايته في ليالي كانون الباردة...وكيف كان أبي ينادي : ( ... سد السِّكر يا أحمد....يلا قبل ما يخلصوا الميات...) .


فُتح باب السجن الحديدي بغتة، وإذ بلهيب يشتعل في جسدي فينسيه البرد الذي كان يقاسيه، ويحرق ذكرياته التي كان يعلل نفسه بها، وما أرى نفسي ـ كعادة كل سجين إذا فتح الباب ـ إلا واقفاً متسمراً منتظراً بلهفة شديدة ما وراء السجان...
صرخ أبو نزار بصوته الحديدي الجاف : يا ...!! تعا لشوف ولا...
يا رب سترك يا رب...


لا أدري كم عدد الخواطر التي كانت تستبد بي لحظة نطق بالحرف الأول مما درج على تسميتي به...لعله سيطلق سراحي الآن...أما وعدني في الصباح أني سأكون في حضن أمي بعد أربع ساعات؟؟ لا بد أن تحقيقي قد انتهى...لكن ماذا لو كان الأمر غير ذلك....لا.. لا بالتأكيد سيطلق سراحي الساعة....وكم ستفرح أمي عندما تراني بين يديها في هذه الساعة، ولا شك أنها لم تنم بعد، وهي تفكر فيَّ وفيما آلت أموري إليه.


في الحقيقة ما عاد رأسي يحتمل سيل الخواطر الذي جرفني...إذ كان أبو نزار يفك قيدي....فأيقنت أني سأخرج اليوم...وإذ بي أسمع أبا زيد يهمس حديثه الذي كان يكرره علي في اليوم أكثر من مئة مرة...
لا تنس يا بوحميد تتصل بأهلي...وتقول لهم : أبو زيد بخير...وإن شاء الله يوم ...يومين بالكثير بيطلع...وأمانة عليك يا أحمد تحكي معمراتي...وتقول لها: لا تتركي البيت...وعليكي بأبوي وأمي...وأمانــ....لكن أبا زيد لم يستطع إكمال حديثه الذي حفظته عن ظهر قلب...إذ ساقني السجان و(الطميشة) معصوبة على عينيَّ فلا أدري إلى أين أذهب...لكني لم أعد أحس بشيء من البرد رغم الريح التي كانت تصطدم بجسدي العاري...


فتح الباب الحديدي الكبير، وأنا واقف وقد صار قلبي خارج كل هذه الأسوار، فسمعت لدوي قفله نداء أمي وهي تحتضنني وتمرغ وجهي في صدرها...ونداء أولاد إخوتي وهم ينادونني ويركضون علي..
لكن قطع هذا الأصوات نداء من خلف هذا الباب : جيبوا لهالكر لشوف!!!
دفعني من الخلف أبو نزار، وأسند رأسي على الجدار ثم انصرف...
رباه!! لقد انتهت القصة...وصار قلبي في البيت...


لكن الرجل المجهول(مجهول الاسم، والصورة) تقدم وخبط رأسي بالجدار، فانتزع منه الصوت الحميمي الذي كان يؤنسه...وسمع لذاك الخبْط أنيناً كادت تخرج منه النفس لولا لهفة انتظار المجهول...
ثم صرخ: لك يا حيوان يا ابن الكلب ...أبدك تعترف ما هيك ؟؟

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...