إنّ الطّهارة المعنويّة المتمثّلة في "الإيمان بالله" هي أصل في كلّ شيء، وهي الدّافع لكلّ شيء حتّى التّطهّر الحسيّ، فكلّما ازدادت الطهارة المعنويّة قويت الصّلة بين الزّوجين وقوي الميثاق وتمتّن كما وصفه الله تعالى بقوله: "مِيثَاقًا غَلِيظًا" [النّساء:21]، والتزم بكلّ شروطه. فما يأتيه الإنسان من الأعمال المطهّرة الظاهرة فقيمته تكمن فيما يعكسه من آثار الأعمال المطهّرة الباطنة، لذلك نيط "التّطهير الحسيّ" بـ"التّطهير المعنويّ"، فلّما كان المسلم مطهّر القلب بموجب إيمانه وتوحيده وجب أن يكون مطهّر الجسم فيما يأتي وما يذر بموجب هذا التّطهّر القلبيّ(1).
وهذا ارتقاء بعلاقتهما الجنسيّة من البهيميّة إلى مرتبة أعلى تعين على التّقوى، فيكون كلّ واحد منهما هو وقاية وتقوى للآخر، فيسموان بذلك إلى الملائكيّة؛ بلطافتها ورقّتها وحيائها. هذا الحياء الذي هو علامة جمال الزّوجين، لا يلبث أن يعلو وجههما، مع أنّ علاقتهما الجنسيّة المستمرة والمعروفة عند الكلّ بمجرد احتجابهما عن أعين النّاس، إلاّ أنّ عملهما مبارك وحييّ (من الحياء). وما كان هذا الجمال في علاقتهما الجنسيّة ليبدي لهما في صورة الحياء لولا أنّ لباسهما ارتقى درجة أخرى في الأخذ بأسباب التقوى.
ولعلّ الذي يجسّد السّتر المعنويّ ويعين على هذا السّموّ هو اتّباع منهج التّرقيّ الرّوحي بين الزّوجين، فقد روى الإمام مالك عن ابن شهاب، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَنَظَرَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، فَقَالَ: «مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ! وَمَاذَا وَقَعَ مِنَ الْفِتَنِ! كَمْ مِنْ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ! أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ» [يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ] (2).
ومن هذا المنهج في الترقّي الرّوحي بين الزوجين المقرون بالاستمتاع بطيبات الحياة ما جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ عز وجل لِلمُؤْمِنِ: إِنِ أصَابَهُ خَيْرٌ، حَمِدَ رَبَّهُ وَشَكَرَ، وَإِنِ أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ، حَمِدَ رَبَّهُ وَصَبَرَ. الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ»(3)، فحتّى في العشق والحنان والمؤانسة الزوجيّة يؤجر المؤمن.
كما أعتبر - هذا المنهج في الترقّي الرّوحي بين الزوجين - الفعل الجنسي الزّواجي في ديننا عبادة شريفة سامية يؤجر عليها الزّوجان فالعلاقة الزّوجية قربة من الله تعالى ورحمة فقد ورد في الحديث الشريف عند أحمد: "ومباضعتك امرأتك صدقة"، قال: قلت يا رسول الله: نأتي شهوتنا ونؤجر؟ قال: "أرأيت لو جعلته في حرام أكان تأثم؟"، قال: قلت نعم، قال: "فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير"(4)، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الله ليعجب من مداعبة الرّجل زوجته، ويكتب لهما بذلك أجرا، أو يجعل لهما بذلك رزقا حلالا"(5).
وإنّ من أروع ما يجب أن يعلّم من لطائف الحبّ وأسراره العجيبة بين الزّوجين؛ أنّ المحبّ حقّا وصدقا قد يشتكي ممّا يشتكي منه الحبيب وهو لا يدري، لشدّة تمازج روحيهما حتّى لكأنّهما في جسد واحد، يسعد ما يسعد هذا ويألم لما يتألّم منه هذا.
فاستمع إلى هذه المؤانسة الرّوحيّة العجيبة بين أكمل زوجين في الوجود؛ فقد روى الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، قال: "بل أنا وارأساه"، ثمّ قال: "ما ضَرَّكِ لو متِّ قبلي، فغسَّلْتُكِ وكفَّنْتُكِ، ثمّ صلّيْتُ عليكِ، ودفنتكِ؟" قلت: لكنّي أو لكأنّي بكَ، والله لو فعلتَ ذلك لقد رجعتَ إلى بيتي فأعْرَسْتَ فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسّم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، ثم بُدِئ في وجعه الذي مات فيه"(6).
يستخرج ابن القيّم رحمه الله من هذه المؤانسة اللّطيفة إشارتين؛ واحدة ظاهرة في بعدها الفقهي، والأخرى خافيّة في بعدها الرّوحي وهي سرّ هذه المؤانسة، فيقول:
فَفِي ضمن هَذَا الإخْبَار من حمل الشاكي على التأسي وَالصَّبْر مَا يُثَاب عَلَيْهِ الْمخبر وَصورته صُورَة الشكوى وَلَكِن الْقَصْدَ ميّز بَينهمَا، وَلَعَلَّ من هَذَا قَول النَّبِي صلّى الله عليه وسلّم لمّا قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها: وارأساه، فَقَالَ: "بل أَنا وارأساه"، أَي الوجع الْقوي بِي أَنا دُونك، فتأسى بِي فَلَا تَشْتَكِي.
[ثمّ يقول ابن القيّم:] ويلوح لي فِيهِ معنى آخر؛ وَهُوَ أَنَّهَا كَانَت حَبِيبَةَ رَسُول الله، بل كَانَت أحبَّ النِّسَاء إِلَيْهِ على الْإِطْلَاق، فَلَمَّا اشتكت إِلَيْهِ رَأسهَا أخْبرهَا أَنّ بمُحِبِّها من الْأَلَم مثل الَّذِي بهَا، وَهَذَا غَايَة الْمُوَافقَة من الْمُحبِّ ومحبوبه؛ يتألّم بتألّمه، وَيُسَرّ بسروره، حَتَّى إِذا آلمه عُضْو من أَعْضَائِهِ آلم الْمُحبَّ ذَلِك الْعُضْو بِعَيْنِه، وَهَذَا من صدق الْمحبَّة وصفاء الْمَوَدَّة.
فَالْمَعْنى الأوّل: يفهم أَنَّك لَا تَشْتَكِي، واصبري فَبِي من الموجع مثل مَا بك، فتأسّي بِي فِي الصَّبْر وَعدم الشكوى.
وَالْمعْنَى الثَّانِي [وهو سرّ المؤانسة بينهما]: يفهم إعلامها بِصدق محبته لَهَا؛ أَي انظري قُوَّة محبتي لَك، كَيفَ واسيتك فِي ألمك ووجع رَأسك، فَلم تَكُونِي متوجعة وَأَنا سليم من الوجع، بل يؤلمني مَا يؤلمك، كَمَا يسرّني مَا يَسُرّك، كَمَا قيل:
وَإِنّ أولـى البـرايــا أن تـواسـيــــه ** عِنْد السّرُور الَّذِي واساك فِي الْحزن(7).
وهذا المنهج الذي بُني على الصّدق والمحبّة، وأرضيتُه الإيمان الصادق بالله تعالى يتعارض تماما مع فعل زوجة تتحايل لتعطف زوجها عليها بطرق غير شرعيّة، لذلك نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عنه نهيا قاطعا فقد روى عبد الله بن هبيرة، عن سهلة بنت سعد، أنّها قالت: يا رسول الله، المرأة تصنع لزوجها أشياء تعطفه عليها، فقال: "متاع في الدنيا، ولا خلاق لها في الآخرة(8)".
وصدق الحقّ تعالى حين قال: "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" [التوبة:109].
ومن هنا فالحاجة إلي مثل هذه المواضيع ماسّة، والتّفقّه فيها واجب شرعيّ، ومعرفتها دين نتقرّب بها إلى ربّنا، وخاصّة أنّ شبابنا وشاباتنا يقدمون على الزواج دون أدنى معرفة بخفايا وأسرار الثقافة الجنسيّة بين الزوجين، وما ينتظرهم من الخير في الدنيا والآخرة وإن بسبب المتعة الجنسيّة.
غير أنّ الحرج يمنعهم من التّفقّه في الأمور الجنسيّة، إعتقادا منهم أنّه حياء. فجهلوا وعموا وصمّوا آذانهم عن التّفقّه فيه، فحرموا أنفسهم سعة الدّين، وأضرّوا بأزواجهم. فكم من انحرافات أخلاقيّة وجنسيّة لأحد الزّوجين ناتجة عن تقصير في فهم هذه العلاقة وسوء التعامل معها. وربّما تعذّر أحد الزّوجين بالحرج والحياء عن الحديث - ولو كان جادّا - في مثل هذه المواضيع.
هوامش:
(1) انظره بطوله وبتصرّف فقد أبدع فيه الفيلسوف الإسلامي: طه عبد الرّحمان، في كتابه "دين الحياء من الفقه الائتماري إلى الفقه الإئتماني"، مبحث: الخاصيّة اللباسيّة للعلاقة بين الزّوجين، ص129-135.
(2) موطأ مالك، كتاب اللّباس، باب ما يكره للنساء لبسه من الثياب، رقم:1695. والبخاري، كتاب الأدب، باب التكبير والتسبيح عند التعجب، رقم:6218.
(3) مسند أحمد، المحقق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، مسند أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، رقم:1487، 3/82، إسناده حسن.
(4) مسند أحمد، رقم:21260، 15/504؛ إسناده صحيح. والبيهقي، رقم:11222.
(5) كنز العمال للمتقي الهندي، 16/271، رقم:44404، قال: رواه ابن عديّ عن أبي هريرة مرفوعا. وإن كان الحديث ضعيفا، غير أنّه لا يتعارض مع الحديث السّابق الصحيح، فلعلّه يقوى بذلك إلى الحسن لغيره - والله أعلم -.
(6) مسند أحمد، مسند النّساء، مسند الصديقة عائشة بنت الصديق رضي الله عنها، رقم:25908، 43/81. وهو حديث حسن، محمد بن إسحاق صرح بالتحديث في بعض طرق الحديث، فانتفت شبهة تدليسه. ورواه يونس بن بكير- فيما أخرجه البيهقي في "الدلائل" 7/168-169، عن ابن إسحاق، فقال: حدثنا يعقوب بن عتبة بن المغيرة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه. ورواه عبد الأعلى - فيما أخرجه أبو يعلى (4579) - عن ابن إسحاق، فقال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، به. وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث من الزهري، فيكون قد سمعه منه ومن يعقوب بن عتبة، فله فيه شيخان.
(7) الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء، محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (751هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، المسألة الحادية والعشرون وهي هل النفس واحدة أم ثلاث، فصل والفرق بين الأخبار بالحال وبين الشكوى وإن اشتبهت صورتهما، ص258.
(8) أسد الغابة، ط العلمية، كتاب النساء حرف السين، (7025) سهلة بنت سعد الساعدي أخت سهل بن سعد، رقم:3612، 7/154. وأخرجها ابن منده، وأبو نعيم.
بقلم الشيخ: فوزي بالثابت
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


