عبدالرحمن أبو ذكري
دار بيني وبين صديق أكاديمي حوارٌ من بضعة أشهُر حول نمط اجتماعيّ/معرفيّ قديم بدأ يطفو مرّة أُخرى؛ خصوصًا بعد 25 يناير 2011م، وسعي كثير من الجهات الأجنبية لاستقطاب الشباب؛ لتكون لهم الحظوة عند "قادة المستقبل". إنه نمط الشبان الذين جاءوا من خلفيّات متواضعة، وفُتحت أمامهم أبواب "المعرفة" في الغرب أو بواسطة وكلائه (الجامعة الأمريكية مثلاً).
وقبل أن يُسارع قارئٌ فيتهمني بالتفسير الطبقي المادّي، فإني أوضح ما قصدته. قصدت بالخلفيّة المتواضعة الخلفيّة العلميّة والمعرفيّة وضحالة المنظومة القيمية؛ جنبًا إلى جنب مع التصنيف الطبقي الاقتصادي. فأكثر هؤلاء الشبّان أصولهم من الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى؛ كافح آباؤهم في بيئة صعبة وذاقوا الأمرَّين لئلا تنزلق أسرهم إلى درك المعوزين، فغفلوا (أو عجزوا غالبًا) عن تنشئة أبنائهم لانشغالهم بالرزق ولفقر محصولهم التربوي، وإن كانوا حرصوا على تعليمهم النظامي، فاستجاب الأبناء استجابة حسنة، وكانوا من المتفوقين دراسيًّا "المنضبطين" اجتماعيًّا، وإن ظل شيء ما كامنًا.
والكامن في هذه الحال هو الهشاشة القيمية التي كان يضبطها شعور الاستضعاف الطبقي، ورغبة الآباء والأبناء معًا في الصعود الاجتماعي؛ خصوصًا الأبناء الذين نشئوا في حالة اغتراب عن واقعهم الاجتماعي الأصلي، والذي عُزلوا -بحرص- عن أكثر مظان الاتصال به، فاعتادوا الانفصال وهم فيه؛ ليتحقق إنجازهم الدراسي، ويُسهم في عملية صعودهم الاجتماعي.
هذه الأزمة لا تنفجر إلا حين "يوفّق" الشاب منهم إلى منحة دراسيّة أجنبية أو وظيفة في هيئة دولية أو محليّة "مرموقة" أو شركة متعددة الجنسيات؛ ساعتها يكتشف نفسه/بيئته، ويتفاقم احتقاره لها لرغبته في تجاوزها. هذا الشعور بالاحتقار مرتبط بشعور ذاتي بالدونيّة ووضاعة المنبت، كخضراء الدمن، شعور ليس سببه الانبهار بالآخر فحسب؛ بل سببه أصلاً الميراث المغروس في النفس: أنه شاب "نابه" ومن ثَم فهو لا ينتمي للمجتمع "المنحط" الذي جاء منه، والذي يجب عليه تجاوزه، ناهيك عن خوفه من عدم الاعتراف به في البيئة "الفردوسيّة" الجديدة!
ولأن سهام الكراهية لا يُمكن أن توجّه للذات في تلك المرحلة؛ التي يُعتبر حُبّ الذات والتمركز حولها أحد أهم عوامل التجاوز والصعود الاجتماعي، فإن الاحتقار يوجّه للبيئة الاجتماعية (وأحيانًا للأسرة برغم مساعداتها، وربما بسبب عجز أفرادها عن الصعود الاجتماعي!) التي يُنظر إليها باعتبارها بيئة فاشلة متخلّفة ورجعيّة، ومِن ثَمَّ فإن الرفض اللاواعي أحيانًا للبيئة يستتبعه رفض المنظومة القيمية التي غرستها (حقيقة الأمر أن الأهل هم من فعلوا، وكان ذلك في "عُزلة" عن البيئة الاجتماعية؛ لكن الأسرة تُعفى أحيانًا من الاحتقار لأسباب عاطفيّة)؛ لتسقط هذه المنظومة على ضحالتها وفقرها!
وهي حين تسقُط لا تُخلّف فاسقًا أو فاجرًا أو زنديقًا؛ بل تُخلّف بذرة قد تُصبح أيًّا من هؤلاء؛ بذرة هوجاء تسعى لاستنبات ذاتها في الهواء؛ بذرة لم تمتلك بعد الثقة في النفس والجرأة على المحارم التي يمتلكها هؤلاء. هذه البذرة تتميّز بالجُبن الشديد والحرص والرغبة في التصنُّع وعدم النفور من المصانعة (خارج مجتمعها)، وأي خصال أُخرى قد تُسهم في قبولها في المجتمع الجديد، ومحو ماضيها من ذاكرة ذلك المجتمع، وإن بقي ذلك الماضي/الأصل يؤرّق صاحبه كالجُذام. هذا الكائن المسكين، المشوّه نفسيًّا وأخلاقيًّا، الذي يعتبر صعوده الاجتماعي عمليّة ولادة حقيقيّة أو "تعميد" اجتماعي؛ يسعى بأسرع ما يُمكنه للتخلُّص من بقايا الحبل السُري الذي يربطه بالمجتمع القديم، ويُلقي بنفسه كُليًّا في البيئة الجديدة، وهو عين المثال الذي ضربه المسيري -في كتابه "الفردوس الأرضي"- للأديب الأميركي اليهودي "نورمان بودورتز" الذي سعى للانسلاخ من هويّته "اليهوديّة"، وعلمنة ذاته ليُعترف به كرقم وقيمة اقتصاديّة أو كإنسان/شيء في الفردوس الجديد، بل إن رحلة انتقال "بودورتز" من "بروكلين" إلى "جامعة كولومبيا" ثم إلى "منهاتن" قد تكون المثل الأعلى لانتقال بعض هؤلاء الشبان من الأحياء/القرى "العشوائيّة" التي نشئوا فيها إلى بيئة الجامعة الأميركية بمنحة دراسية، تمهيدًا للنقلة الاجتماعية التي تُخرجهم لإحدى الجامعات الغربيّة أو لأحد أحياء القاهرة "الراقية"!
هناك نوعٌ آخر من البشر يُعتبر أحد تنويعات النمط ذاته، وهو ما أسمّيه بـ"المستشرق الأسمر"؛ الذي يُدرك أهميّة الخلفيّة الثقافيّة التي جاء منها في حقل الدراسات الأكاديمية والاستخباراتية في الغرب، فيسعى لتوظيف معرفته الضحلة التي لم تُتِح له عزلته الاجتماعيّة سواها، لأجل الاندماج في المجتمع الجديد، والحصول على اعترافه. فهو يرى مجتمعه القديم بعيون المجتمع الذي يسعى للاندماج فيه، وإن كان يملك قدرًا أكبر من المعلومات عنه. ومِن ثَمَّ يتعامل مع خلفيّته الاجتماعيّة والثقافيّة بذات العقليّة الإمبرياليّة، ويوظّفها ويوظف نفسه لخدمة الفردوس الإمبريالي الجديد. وقد يقوم بتدريس مقررات عن الشرق الذي جاء منه، ويرطُن ببضع عبارات بلغة لا يفقهها محيطه، ويخرُج عليهم برؤى عن مجتمعه -على ضحالتها- أكثر تركيبيّة وعمقًا مما يلوكه الإعلام الغربي، فيتحول إلى خبير إعلامي/أكاديمي في تلك الشئون، أو قد يُرسل كسفير أميركي لبلده الأصليّ الذي جاء منه مهاجرًا قبل عَقدين أو ثلاثة.
ولأكثر هؤلاء الأشخاص سمات مُعيّنة تُسهم في التعرُّف عليهم:
1- أنهم غالبًا من الأعاجم ذهنًا ولسانًا، فمحصولهم الثقافي واللغوي فقير؛ فقد انصبّت كل جهودهم على تجاوز مراحل التعليم النظامي (الذي تشكّل في العهد الكولونيالي)، ولم تُتح لهم الفرصة لتنمية معارفهم الهزيلة. وهم لهذا السبب أقل قُدرة على الابتكار سواء في بيئاتهم الأصليّة أو الجديدة، وإن لم يعدموا قدرة على المحاكاة؛ بمعنى أنهم يُمسون تروسًا ذات قُدرة عالية في المجتمع العلماني الجديد.
2- أنهم مهزومون نفسيًّا بالكُليّة. ولهذه الهزيمة تجلّيان:
أحدهما: الغرور الأجوف في بيئتهم الأصليّة بسبب النجاح النسبي لعملية الانعتاق الطبقي.
ثانيهما: هو الإذعان المطلق لقيم ورؤى المجتمع الجديد، وبغير مناقشة.
والجمع بين هذين النقيضين: التسلُّط والإذعان؛ هو جوهر الرؤى الماديّة الحلوليّة؛ فإما الهيمنة الكاملة على الواقع المادّي أو الإذعان المطلق له انتظارًا للفرصة!
3- القُدرة على التلوّن الأيديولوجي بسرعة فائقة، وهي "مزية" ليست مرتبطة فحسب بمنظومة الحداثة -كعلمنة وقدرة إنسان الحداثة (الشيء المسطّح) ذي البُعد الواحد على تغيير منظومته القيميّة عند أول إشعار من القائم بترشيد الواقع- بل هي تعكس هشاشة المنظومة القيميّة "الأصليّة"، والرغبة في تبنّي أيّة منظومات تُحقق الدمج والاعتراف المرغوبين.
4- قد تظهر أحيانًا رغبة معرفيّة شبقيّة/هيجلية (نسبة للفيلسوف الألماني هيجل) ذات طبيعة استشراقية، موضوعها خلفيّته الاجتماعيّة والتراثيّة، وذلك حتى يستطيع الاستمرار في أداء دوره كخبير في شئون "قومه". فمثلاً قد يكون مسيحيًّا من أصل عربي لكنه يلجأ للقراءة في فقه الجهاد؛ بسبب رغبته في تعميق طرحه "النقدي" للظاهرة "الأصوليّة" وتطرُّفها، وذلك للهيمنة على مجال دراستها! لكن هذه الرغبة "الهيجلية" ليست منتشرة على كل حال؛ فادعاء المعرفة باستخدام بعض الديباجات والقوالب الجاهزة في بيئة "جاهلة" نسبيًّا أيسر كثيرًا من الجهد المطلوب بذله لبناء معرفة استعمارية حقيقيّة لا يقدر عليها غالبًا سوى المستشرق الأصيل الذي يخدم أجندة يؤمن بها إيمانًا حقيقيًّا ذي طبيعة ميتافيزيقية!
5- الاندماج الكامل في المجتمع الجديد وبنيته السياسيّة والثقافية، فلا يعود يربطه بمجتمعه الأصلي شيء سوى الرطانة وبعض الوريقات الصفراء التي تُسهم في تلميعه. وغالبًا ما يصل التفاني في الاندماج لحد التوحيد بين منظومتي القيم الخاصة والعامة، وتبني القيم الجديدة بشكل كامل، بل إن رؤيته لمجتمعه تُمسي دائمًا أكثر تطرُّفًا وخطابه أكثر حنقًا من الدارسين الأجانب، كأنه ينعي على مجتمعه ما آل إليه أمره! وبرغم أن "المستشرق الأسمر" هو عدو مجتمعه حرفيًّا، وطليعة الغزو الإمبريالي الجديد؛ إلا أنه بشكل ما ضحيّة لهذا المجتمع أيضًا.
*****
تنويع آخر يتعيّن الإشارة إليه في ذات السياق؛ تنويع قد يكون أكثرهم إخلاصًا وصدقًا مع نفسه، وهو نمط المتغرّب الذي نشأ في بيئة أجنبيّة أو شبه أجنبيّة، سواء خارج بلده أو داخلها، وهو مُتسق تمامًا مع ذاته، وغالبًا ما يكون خاليًا من أكثر العُقد التي ينضح بها النموذجان السابقان، لسبب رئيسي هو عدم انشغاله بمسألة الانعتاق الطبقي، فهو ينتمي لطبقة شبه مُترفة، ومن ثَم فأكثر همومه (نظريًّا) متعلّقة بخلاص ميتافيزيقي/رُوحي. وهو شخص تشرّب منظومة أخلاقيّة تنطوي على قدر أكبر من الصلابة، ولو كانت في النهاية منظومة جاهلية يختلط فيها الحق بالباطل. وأمثال هؤلاء نوعان: إما "مُسلم" يفصل بين منظومتي الاعتقاد والسلوك على طريقة الدُعاة الجدد التي يتساوى فيها الإسلام مع أي منظومات قيمية أخرى، علمانية أو هيومانية؛ بدعوى "المشترك الإنساني" الوضعي، أو "مُسلم" يسعى للتوفيق بينهما على طريقة "أسلمة المعرفة"، لكنه مُتحرّج من "تطرُّف" الإسلام في بعض الجوانب، ويسعى للوصول لمعادلة يستطيع معها الاحتفاظ بإيمانه. ومثل هذا الأخير إما أن يغلب عليه "التطرُّف" فيتحول إلى "سلفي" أو "أزهري" أو ينتمي لأي مذهب آخر ينطوي على قدر من الصلابة تسمح له بفرض هيمنة رُوحية على أتباعه، ويُصبح تحصيل بعض "العلوم الشرعيّة" هو خلاصه الحقيقي، وفردوسه الموعود، أو يبدأ بالانجراف تجاه النوع الأول، ويفصل بين الاعتقاد والسلوك على مذهب الدعاة الجُدد؛ إذ برغم أن الخلاص الذي يبحث عنه هو -نظريًّا- ذو طبيعة ميتافيزيقية، إلا أن الإسلام في لاوعيه هو منظومة ضبط برَّانية قاهرة، منظومة ماديّة فعلاً، روحيّة اسمًا؛ فإما أن يُذعن لها هو والمجتمع، أو يتجاوزها ليُمسي إسلامه شكلاً "جذَّابًا" بالمعايير الغربيّة، بلا مضمون. وهو تصوّر مادي في الحالتين: إما الهيمنة الكاملة على تفاصيل المنظومة القيمية وبها، وإما الانعتاق منها.
*****
هذه النماذج التي سعينا لبلورة معالمها ليست نماذج جديدة، وإنما مُجرّد تنويعات على نموذج قديم. وهو النموذج الذي يحلو لي تسميته بـ"عقدة طه حسين"، والتي ماتزال تتكرر وتُستنسخ إلى اليوم بحذافيرها تقريبًا، وإن كانت النماذج أعلاه تطويرًا لها، وتنويعات جديدة قديمة عليها! إنها تنويعات على عُقدة الدونيّة التي يُعاني منها أكثر الدارسين في الأزهر، خصوصًا الذين لم يتشرّبوا "العنجهيّة الكاذبة" لمدرسة "المنهج الأزهري" وأوهام "الوسطيّة"؛ عُقدة ترسّخت اجتماعيًّا بعد إنشاء الجامعة المصريّة، وإن كانت إرهاصاتها قد ظهرت مع ازدواج نظام التعليم منذ محمد علي، والذي رسّخه الاستعماري "كرومر"، بل إن التجلي النماذجي لهذه الدونيّة هو موافقة ودعم مشايخ المؤسسة (وعلى رأسهم الباقوري الإخواني!) على تحويل المؤسسة التقليدية المُتكلسة إلى جامعة علمانيّة على الطراز الغربي، ليُمسي فشلها أمثولة، وإن أمكن للدولة الناصريّة توظيفها بكفاءة لخدمة مشروعها ذي الطبيعة "الإمبريالية"!
وإذا كان الشباب المسكين ضحايا التعليم العلماني معذورًا ومُضللاً؛ فإن أبناء المؤسسة الأزهريّة أكثر حاجة للعُذر وأولى بالشفقة؛ فقد نُشِّئوا منذ عقود على أنهم أدنى مرتبة من خريجي الجامعات "العلمانية"، وأمسى جُلّ طموح "النابهين" منهم هو الالتحاق بمنحة للدراسات العُليا في الغرب، سواء بشكل مباشر، أو عبر أحد كليّات الجامعات "العلمانيّة"؛ ليتربع على كُرسي مشيخة الأزهر خريج للسوربون، كما أمست القاعدة في رئيس وزراء مصر ووزراء المجموعة الاقتصادية أن يكونوا من خريجي الجامعات الأمريكية! وحين تمخّض الإسلاميون كان أول رئيس منهم لمصر خريجًا لجامعة أمريكيّة!
حقيقة الأمر أن جهود الجيل الأول في علاج عقدة الدونية الأزهرية لم تؤتِ ثمارًا؛ لأنه كان محسوبًا على الحركات الإسلامية المضطهدة أصلاً، بشكل أو بآخر. وحين تسلم الشيخ علي جمعة هذه الراية بذل جهدًا هائلاً في هذا المجال، من خلال إعادة إحياء مقولات "الوسطيّة" في ديباجات "إصلاحيّة" تُشبه إلى حد كبير مذهب محمد عبده في العمل تحت مظلة السلطة في مرحلة ما بعد جمال الدين الأفغاني. وتجلى في هذا السياق ظهور ما أسميه بـ"الصوفية العلمية" كرد فعل على ما عُرف باسم "السلفية العلمية". هذه "الصوفية العلمية" هي التي جمعت علي جمعة بالبوطي بالحبيب الجفري بعدنان إبراهيم بسيد حسين نصر وآخرين؛ في سياق معرفي و"حركي" واحد.
لقد أعادت "الصوفية العلمية" إنتاج مقولات "السلفية العلمية" المنهجيّة القديمة (قبل 25 يناير) في سياق معرفي مُعادٍ للسلفية؛ وذلك لترسيخ فكرة "الإصلاح" التدريجي من الداخل من خلال بث العلوم الشرعية في الناس باعتبارها هي خلاص المجتمع/الأمة، فضلاً عن إسباغ ثوب المشروعية على الواقع، ورفض التغيير الجذري. وكانت الصدمة الكُبرى التي تلقتها هذه المدرسة هي استشهاد الشيخ عماد عفت، الذي جمع العلم والحركة مُخالفًا بذلك المدرسة التي انحدر منها في أخص خصائصها؛ وهي "رفض الحركة" خارج إطار "الشرعية السياسية"، ورفض الانصياع لحكم المتغلب والحركة تحت مظلته. صحيح أن التيار -بشكل عام- قد أفاد من استشهاد الرجل، وتم تلميعه و"أيقنته" كأزهري "ثوري"؛ إلا أن فكرة "الإصلاح" الأزهرية ومنهجيتها قد أصابتها إصابات جسيمة؛ دُميت مع دمج بعض شباب الثورة "المتدين" في قاعدة التيار، وظهور مبادرات مثل: "شيخ العمود" و"دار العماد"، وأُثخنت مع مقتل الشيخ البوطي، وإن لم تتقوّض أيديولوجية "العلم الشرعي"، كخلاص وحيد، بشكل شبه كامل، كما حدث عند "السلفية العلمية" بعد دمج أكثر رموزها في العملية السياسية في مصر.
*****
لقد جعلت الصدمة التقنيّة، مع حملة نابليون على مصر؛ من سؤال الحداثة سؤالاً محوريًّا في الفكر العربي والإسلامي، بل إن هذه المحوريّة قد جعلت منه السؤال الميتافيزيقي الحقيقي الذي يُحدد وجهة المجتمع منذ شرع "محمد علي" ببناء دولته "الحديثة". صحيح أن للهاجس جذورًا أقدم من ذلك، لكن مركزيّته تعود بالأساس لتجربة "محمد علي"، والتي ربطت سؤال التحديث بدولة أقرب ما تكون إلى الدولة القومية الحديثة التي عرفتها أوروبا، وجعلته سؤال القيمة بالنسبة للدولة/الإله. فالإله/الدولة لا تترسخ هيمنته على النطاق الجغرافي للإقليم وساكنيه؛ إلا من خلال عمليات التحديث كعلمنة: تزايُد تغول الدولة في كل مناحي الحياة وعلى رأسها التعليم، لترشيد "المواطنين" وتحويلهم إلى خدم/عبيد حقيقيين، ومن ثم يتزايد تفكُك المجتمع ويتحول الحراك الاجتماعي إلى هوس مرضي مرتبط بسياسات التحديث كما تتبناها الدولة القوميّة "المسلمة" كعلمنة للمجال العام وتقويض للمجال الخاص. ومن هُنا قد تصح مقولة الحداثيين بأنه "لا شيء خارج الحداثة"، فبهذا المعنى ومن هذا المنظور وفي هذا السياق؛ فإننا نُعتبر أسرى سجن الحداثة الغربية ومنظوماتها القيمية ومقولاتها وقفص مفاهيمها وسلم أولوياتها؛ سُجناء "مُستقلون"!
لقد أمسى السعي خلف إجابة سؤال حداثة غير ذي موضوع هو الانحراف الأكبر في تاريخ هذه الأمة، فاختزلت كل جهودها في عبث السعي لإجابة تساؤل: هل الإسلام هو سبب انحطاطها و"تأخرها"؟ أم أن بُعدها عنه هو سبب هذا "التخلُّف"؟ ويبدو أنه لم يحن الوقت بعد لننتبه لهذه الخدعة ونتساءل: هل هذا هو سؤال الوقت؟ أم أننا بددنا الجهد في وهمٍ استُدرجنا إليه بـ"حُسن نيّة"؟
إن السؤال الميتافيزيقي الكامن الذي تستدرجنا الحداثة الماديّة إليه منذ الهجمة الاستعمارية الغربية هو سؤال التحديث كعلمنة؛ أي نزع القداسة عن الإنسان بعد نزعها عن الكون وتسويتهما وحوسلتهما وتوظيفهما. صحيح أن السؤال في ظاهره يبدو إجرائيًّا، لكنه سؤال قيمة ووجهة؛ حتى لو كانت الإجراءات التي يفرضها توصف أحيانًا بأنها خالية من القيمة، إلا أنها عمليًّا تطوي قيمة ما؛ فقد وصف القرآن ما انتحله المشركون بأنه "دين"، وقال على لسان خاتم الأنبياء: "لكم دينكم ولي دين". إن سؤال القيمة والوجهة بطبيعته مرتبط ارتباطًا وثيقًا -ارتباط السبب بالنتيجة- بسؤال الألوهيّة: قُل لي كيف ولم تحيا، أقل لك من/ماذا تعبُد!
*****
لقد ارتبطت فكرة "الإصلاح" منذ انفصال محمد عبده عن الأفغاني بصورة من صور "أدلجة" العلم والتعلُّم باعتباره هو الخلاص والمخرج من المستنقع التاريخي الذي ارتكست فيه الأمة؛ وهي الفكرة التي ترسَّخت على يد رشيد رضا تحديدًا، وازدهرت مع الألباني والغزالي في النصف الثاني من القرن العشرين. ويبدو أن ارتباط فكرة "الإصلاح" الديني بأيديولوجية العلم مرجعها تفشي الجهل وتقنينه اجتماعيًّا، فهذا المفهوم الاصطلاحي لـ"الإصلاح" هو مُجرد رد فعل على السياق الاجتماعي، وليس هو الدعوة إلى الله التي تُعبِّدنا بها، ولا هو بالمشروع "النهضوي"؛ إن كان ثمة شيء كهذا في الإسلام! وفي هذا يُشبه سياق "الإصلاح" الديني في العالم الإسلامي، مثيله في أوروبا؛ إذ يبدو أن هذه الصيرورة كامن إنساني، وأن هذا الإيمان "الميتافيزيقي" بأيديولوجية العلم هو مجرد رد فعل يكتسب طبيعة مذهبية/أيديولوجية بمرور الوقت.
وإذا كان "الإصلاح" البروتستانتي في الغرب قد أفرز تيارات ومذاهب يجمعها الإيمان "الغيبي" بأيديولوجية العلوم الطبيعية، وأن الزيادة "الحتمية" للمعرفة بالطبيعة والإنسان ستؤدي للهيمنة الكاملة على الواقع حين تختفي كل المجاهيل ونصل إلى اليقين الكامل والمطلق؛ فإن أيديولوجية العلم التي تبلورت بين ذراري المسلمين هي شكل من أشكال "أسلمة" أيديولوجية العلم الغربية، وإن اصطبغت بصبغة الخصوصية الثقافية، وخضوع العلوم الطبيعية -إلى حد كبير- للرؤية الكونيّة التوحيدية وغائيتها، ووجود ميراث فقهي لاجتهادات القدماء في قواعد التعامل مع الكتاب المنظور. ومن ثَم انشغل الناس ببث القواعد الفقهية لـ"العلوم"، وحُجبوا عن التعامل مع الطبيعة، فلم تقُم "الثورة الصناعية" إلا في سياق نَزَعَ -فعليًّا- القداسة عن الإنسان والطبيعة. ولعلها عصمة ربانية لئلا تُفتن الأمة بهذا المفهوم المغلوط لـ"الإصلاح"!
*****
هذا المفهوم "الأفقي" لـ"الإصلاح" عند الأفغاني وعبده، والذي لم يغُص بما يكفي في النفس الإنسانيّة لإدراك طبيعة الإشكالية ومدى تركيبيتها وتجذُّرها، وإن كان إدراك محمد عبده يبدو أعمق من الأفغاني في كثير من الأحيان على حين يبدو الأفغاني أكثر راديكاليةً؛ هذا الإدراك المنقوص يمكن تبريره في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي؛ بل يُعد من الإجحاف اعتباره إدراكًا سطحيًّا في ذلك السياق!
أقول: إن هذا الإدراك المنقوص -مع فرط الاهتمام بضبط الواقع وتقويمه، سواء من خلال الإصلاح السياسي عند الأفغاني أو من خلال إصلاح التعليم عند عبده- يبدو مرجعه هيمنة النزعة العقلانيّة (الماديّة) ذات الأصل الاعتزالي على تصوّراتهما، فقد أهملا أو أسقطا -ربما بغير وعي- "التربية" كصيرورة، وكجهد اجتماعي قرين للدعوة إلى الله، فانحصرت من ثَم جهودهما "التعليمية" في تصحيح المفاهيم بشكل عقلاني، وعلى مستوى مناهج التعليم ما أمكن! وربّما كان إغفالهما لـ"التربية" راجعًا لارتباطها بالتصوّف، ورفضهما للتصوّف الانسحابي الممزوج بالخرافات، والذي كان يُهيمن بشكل واضح على التصوّرات والأذهان آنذاك، برغم أنك لن تعدم بعض مظاهر السلوك الصوفي -بمعنى الزُهد في الدنيا- في حياة الأفغاني على وجه الخصوص.
هذا المفهوم "الأفقي" للإصلاح هو الذي تلقفه "البنا" وباقي الحركات الإسلامية من بعد. وبرغم ذلك، فإن "البنا" يبدو أحيانًا مُدركًا لطبيعة الأزمة ومدى عُمقها، بل ويتجلى ذلك بشكل نماذجي في بعض آرائه التربويّة وسلوكياته التنظيمية، وإن كانت السياسة قد جرفته إلى حيث لم يتوقّع؛ فقد ظل محب الدين الخطيب -مثلاً- حتى فترة متأخرة من حياته أكثر نُضجًا وأعمق وعيًا من "البنا" بالأزمة، وهو ما تجلى في حواراتهما ومقالاتهما وآرائهما عن المشاركة السياسية.
وقد انتقل المفهوم "الأفقي/المادي، الآلي/البرّاني" للإصلاح إلى الإسلاميين في الثلث الأخير من القرن العشرين من خلال عدة قنوات، لعل أهمها: الشيخان الغزالي والألباني رحمهما الله. هذا المفهوم الذي تبلور نماذجيًّا -على سبيل المثال- في كتاب الشيخ الغزالي: "جدد حياتك"، أكثر كتبه مبيعًا على الإطلاق منذ نهاية عقد الثمانينيات. كما تجلى فيما غلب على منهج الشيخ الألباني في تصحيح وتضعيف الحديث النبوي انهمامًا بالسند، بغير بذل جهد حقيقي في قراءة المتن في ظلال القرآن والمقاصد الكُليّة للشريعة كما كان يفعل أكثر أئمة "السلف" حتى هؤلاء، مثل ابن حنبل وابن تيمية؛ الذين اشتهروا بكراهة نقد المتن! وربما كان لمهنة الألباني كساعاتي -كما كان حال البنا- دور في هذه الرؤية؛ فعلى حين تجلى ذلك عند البنا في التنظيم الاجتماعي الهرمي ذي الطبيعة الهندسية، فقد تجلى عند الألباني في الضبط اﻵلي لمداخل ومخارج بنية الحديث النبوي، بغير تقويم حقيقي للمتن/البنية ومدى قربها أو بعدها عن القرآن، ومن ثم جواز أو عدم جواز نسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم، بغض النظر عن "نظافة" السند الظاهريّة! وهو المنهج الذي اضطرد وتفشّى بعد الألباني، بالفصل عمليًّا بين صيرورة "تنقيح" السنة وصيرورة قراءة القرآن والنظر في الكون، بل وتحييدهما خلال عملية إعادة قراءة وتقييم "علوم" الشريعة الموروثة.
هذه الرؤية الآلية البرَّانية لـ"الإصلاح" هي التي أثمرت فيما بعد أهم مدرستين علميّتين مُعاصرتين: "السلفية العلمية"، و"عدوَّتها" التي أسميتُها بـ"الصوفيّة العلميّة"، وكانت تقاطُعات الحركات الإسلامية مع كلا المدرستين -فضلاً عن البذور التي بذرها الإمام البنا رحمه الله- هي ما رسَّخ الرؤية الآلية "الأفقيَّة" البرّانيّة للإصلاح، بحُسن نيّة غالبًا. وتجلّى ذلك -نماذجيًّا- في ظهور الجيل الأول لأسلمة "علوم الإدارة Management"، و"التنمية البشريّة"، و"البرمجة العصبيّة" ...إلخ، وهو جيل إخواني بشكل كامل تقريبًا، جيل إخواني أكثره من أبناء دويلات الخليج حيث بلغت العلمنة مُعدَّلات غير مسبوقة. وإذا كان الجيل الإخواني قد استخدم هذه الآليات لتحسين كفاءة "الحراك الاجتماعي" وزيادة كفاءة "الأداء الاقتصاديّ" في ظل "الانسداد السياسي"، فإن الحالة السلفيّة -بعد 11 يناير على وجه الخصوص- تنزع لإعادة استخدام هذه الآليات -الميسورة نسبيًّا- في المجال السياسي، وذلك في ظل الافتقاد للخبرة والكوادر السياسيّة. وربما حذا السلفيّون حذو الإخوان يومًا، فرشَّحوا "باحثين" إسلاميين من بين صفوفهم، للعمل في المؤسسات البحثية الأمريكية ذات الطبيعة الاستخباراتية، مثل "بروكنجز" و”راند"!
هذا التسابُق الكوميدي إلى قفص الترشيد المادي "الحديدي"؛ يُرسِّخ عمليًّا مبدأ "الإصلاح" البرّاني خصوصًا بعد دمج الإسلاميين كُليًّا في العمليّة السياسيّة، ليُمسي "الاعتدال" و"الوسطيّة" ليسا مُجرد مآل للإسلاميين "المندمجين"، بل وِجهة لعمليّة "الإصلاح" الأفقي البرّاني؛ وِجهة تُحددها معايير السياسة الغربية ذات الطبيعة والبنية الإلحاديتين.
*****
إن الصورة النهائيّة التي انحدرت إليها الأمة سببها في نظري هو تشوّه المفاهيم وابتذالها واختزالها في الاصطلاح الدارج، وهيمنة هذا الاصطلاح -الذي يتحكّم في تشكيله الواقع العملي بشكل شبه كُلّي- على المفاهيم القرآنيّة، ومن ثَم يُقرأ القرآن بغير اللغة التي أُنزل بها، بل وتُحاكم اللغة القرآنية لابتذال المعاصرين.
إن أكثر الإسلاميين لا يُميّزون بين مسلك التوسُّط في الاعتقاد (المؤمن المتوسِّط الذي لا يغلو في التنزيه لدرجة التعطيل أو في الالتصاق بحرفيّة النصّ لدرجة التجسيد مثلاً، أو يُضفي على البشر شيئًا من صفات الألوهيّة، ...إلخ) وبين خرافة الاعتقاد "الوسطي"!
إن التصور الإسلامي بذاته ليس وسطًا بين أضداد كما قد يشي مفهوم التوسُّط الإغريقي، ولا هو بالوسط الحسابي بين "تصوُّرات" أخرى، ولا هو بخير "التصوُّرات"؛ بل هو التصوُّر الوحيد والأول والأخير، وما سوى ذلك ليس سوى أوهام بشرية؛ هوامش تقترب أو تبتعد عنه، لكنها في النهاية وفي التحليل الأخير أوهام حتى لو ثقُلت تجلياتها الماديّة على شعور البعض، فظنَّها شيئًا، وهي ليست سوى "احتجاج" على الحق؛ احتجاج مصدره الجهل أو الغرض. والاحتجاج بطبيعته هامش على المحتج عليه ولا وجود له بذاته. إن الشرك الذي سَمَّاه القرآن دِينًا -من زاوية إذعان العبيد له- لا يقوم بذاته، بل بغيره من أحفاد السامريّ، وقد اعتبره القرآن -من زاوية ضرب الأمثال المقارنة لترسيخ الفهم- خلقًا بشريًّا للإفك.
إنه حين يتحدث بعض المتفلسفين أو المشتغلين بعلم الكلام عن الإسلام باعتباره تصوُّرًا وسيطًا بين غيره، فإن ذلك من قبيل تقريب الصورة للأذهان، وليس تقريرًا لواقع، وهم في ذلك إنما ينشئون نصوصًا للحجاج الكلامي ولاستكمال النقص في منطق اللغة قبل الدخول على الوحي، ومن ثَم فإن نصوصهم لا يجب أن تؤخذ باعتبارها "اعتقادًا" أو دِينًا وإن كانت من الدِّين، وتيسيرًا لفهمه لكنها ليست هي الدين الذي أرسل الله به الرُّسل.
يقول المولى سبحانه: {وكذلكَ جعلناكم أمةً وسطًا لتكونوا شهداءَ على الناسِ، ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا}. [البقرة: 143].
إن القرآن حين يتحدث عن "الوسطية" فإنه لا يصف بها التصوُّر الذي أُرسل به الأنبياء؛ بل يصف بها الأمة المحمَّدية التي أُرسل إليها خاتم الأنبياء، يصف الأمة التي تحمل هذا التصوُّر بالتوسُّط بين غيرها من الأمم أصحاب التصوُّرات المحرَّفة. وهو حين يصف المسلمين بالتوسُّط فإنه يعني كونهم خيارًا وعدولاً ما اقتربوا من حقيقة الوحي. إنهم أمة وسط بين من قبلهم ما التزموا التصوّر القرآني. بل إن الوحي قد جعل من وسطية هذه الأمة سبيلها للشهود على البشرية، الشهود على جنوحها وانحرافها بالإفراط أو التفريط، وليس من سبيل لتحقيق وظيفة الشهود سوى بدوام السعي للتحقُّق بحقيقة الوحي؛ ذلك أن شهود الأمة المحمّدية على البشرية فرع من شهود النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الأمة، وما كان النبيُّ حُجَّة على أمته إلا بالوحي الذي ابتُعِث به، واكتمل تخلُّقه به، كما شهدت زوجُهُ الصدِّيقة بنت الصديق.
إن منطق الإصلاح القرآني ليس منطق "تقويم" ماديّ مباشر للواقع، فهذا عبث يجدُر بالمؤمن عدم الانزلاق إليه؛ إذ إن الاصطدام بالواقع بغير تغيير للنفوس يعني تبديد جهد الدعوة هباءً، والدخول في صراع يُختزل إلى غالب ومغلوب، وضارب ومضروب بغير قيمة فارقة بين الفسطاطين، وهذا جوهر أزمة ما يُسمَّى إعلاميًّا بـ"الإسلام السياسي" في الثلث الأخير من القرن العشرين. والمآل الوحيد لصراع الغالب والمغلوب بغير تغيير حقيقي للنفوس هو انتصار الأقوى ماديًّا، ومن ثَم يدخل الطرف الضعيف (وهم حَمَلة الدعوة المتعجّلون) في دوامة التنازُلات والمواءمات والمقاربات!
وربما كان هذا هو هدف القرآن من كف أيدي المسلمين في مكّة؛ حتى تستقر نفوس العصبة منهم بالإيمان، وتطمئن لصدق ما اتبعته، فتسقُط كل الأهداف والحوافز الدنيوية للصراع، ليُصبح دعوة طليقة مُجرَّدة، دعوةٌ تلبَّست بها النفوس؛ دعوةٌ هدايةُ الضال فيها أحبُّ على الداعي من حُمُر النَّعم.
إن منطق "تقويم" الواقع/الأمة من خلال إدارته والسيطرة عليه، كمدخل للدعوة هو وهم كبير، وهو وهم إن لم يَقُد للانبطاح للقائم بترشيد الواقع بهدف مشاركته الكعكة؛ فإنه يُشكل انبطاحًا للواقع ذاته؛ فالهيمنة على واقع شُكِّلت أكثر عناصره الماديّة في ظل تغييب الوحي، ليس سوى محاولة ساذجة لأسلمة هذا الواقع، بالانبطاح له وإضفاء المشروعيّة على تصوّراته وأهدافه ومراميه.
يقول المولى سُبحانه في سورة هود على لسان نبيِّه شُعيب عليه السلام: {قال يا قومِ أرأيتُم إن كُنتُ على بينةٍ من ربي ورزقني منه رزقًا حسنًا، وما أريد أن أخالفَكم إلى ما أنهاكم عنه؛ إنْ أُريد إلا الإصلاحَ ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكَّلتُ وإليه أنيب}. [هود: 88].
لقد ربط شُعيبٌ عليه السلام مفهوم الإصلاح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ انصياعًا للبيّنة التي جاءته من ربّه؛ فهو إصلاحٌ مُرتبط أصلاً وابتداءً بصيرورة معرفة الفارق بين المعروف والمنكر، وصيرورة تحقُّق النفس ثم المجتمع بهذه المعرفة ذات الطبيعة الوجدانيّة، واستمداد تلك الوظيفة الأبديّة من البيّنة المنزَّلة على النبيِّ المُرسل وحدها دون غيرها. إنه ليس إصلاحًا أُفقيًّا يقصد لإدارة شأن الواقع أولاً؛ بل يقصد إلى البَدء بإصلاح النفوس قبل الالتفات للواقع، لتُنتج هذه النفوس المكابِدَة أبدًا بدورها واقعًا جديدًا تتجلَّى فيه صيرورة استقامة الكَبَد على مُقتضى البيّنة. لذا كان لزامًا على شُعيب أن يكون فيه القدوة بنفسه، وليس بسُلطانه، وهو ما تجلَّى في قول شعيب صلى الله عليه وسلم فيما نقله القرآن عنه في نفس الآية: {وما أريدُ أن أخالفَكم إلى ما أنهاكم عنه}، فهو القدوة، وهو الإمام، وليس مُجرَّد "مدير"!
وتكشف لنا الآيات التي تسبقها مباشرة أن شُعيبًا عليه السلام لم يبدأ بدعوة قومه بالتوقُّف عن انحرافاتهم اليوميّة من تطفيف الكيل الميزان؛ بل بدأ بدعوتهم إلى عبادة الله الواحد، ثم ثنَّى بأمرهم بإيفاء الكيل والميزان، وكأنه يُشير ضمنًا إلى أنهما لا يجتمعان: إخلاص العبودية لله، وتطفيف الميزان وبخس الناس أشياءهم؛ لتكون إجابة "مَدْيَن" من جنس تركيبية إجابة نبيهم عليهم السلام؛ تبدأ باستنكار صلاته التي تأمره أن يدعوهم لترك ما يعبد آباؤهم، أو أن يتصرَّفوا في أموالهم كيفما شاءوا. لقد فهم قوم شعيب أن صلاته عليه السلام هي التي تأمره بذلك، وليست رغبته أو ميوله "الإصلاحية"! لقد أدركوا ذلك بوضوح وأجابوا عليه بوضوح أيضًا.
إن هدف الإصلاح القرآني أصلاً هو استنقاذ الإنسان من الضلال، وإعادته إلى رحاب الوحي. إنه إصلاح الآخرة أولاً، لتنصلح بها الدُنيا. أما العكس، فيُفسِد الدنيا ويُضيِّع الآخرة. وما كان الله ليُصلح عمل المفسدين.
إن منطق الإصلاح ليس تصالُحًا مع الواقع الجاهلي؛ بل تصالح مع الإنسان الجاهلي الذي أنتجه؛ تصالح معه اعترافًا بأن الإنسان خلق ضعيفًا، وأن إخلاده إلى الأرض جزء من تكوينه؛ بل هو أيسر عليه من العروج إلى الله. إن هذا القبول بتركيبية الإنسان وقدرته على الخير والشر لا يعني قبول أصنامه وما نحته لنفسه من الهوى؛ بل يعني قبول التكريم الإلهي الذي شُرِّف به كإنسان؛ حُريَّتُهُ في اختيار الشرك الذي ارتضاهُ لنفسه، تلك الحُريّة التي صانها مانِحُها حتَّى مِن قهره عزّ وجلّ، فلم يُكرهه على الإيمان، ولو أراد لأنفذ قضاءَه سُبحانه.
إن منطق الإصلاح الوحيد الذي يُلبّي احتياجات النفس الإنسانيّة هو المنطق القرآني الذي يقبل بها على ضعفها، وإنْ نَبَذَ ما ارتكست إليه. إنه المنطق الذي يقبل الكافر وينبذ كفره. يقبل التركيبية الربانية أملاً بتغليب الفطرة، لكنه ينبُذ الواقع الاجتماعي الجاهلي كُليّة مهما كان ثقله على الحسّ والشعور. بل إن المجاهدة الشعوريّة والقيمية والتحرُّر الوجداني من الثقل المادّي للواقع الجاهلي هي أول وأهم عناصر إنشاء المجتمع المسلم بتنشئة الفرد المسلم. {واللهُ يعلمُ وأنتم لا تعلمون}.