بنفسي أولئك الأفذاذ الذين هم نتاج الثورة السورية المنتصرة ، بنفسي أولئك الذين يصدحون بأناشيد الحرية يقارعون الباطل ، ويبثُّون الحماس في النفوس.
حقاً إنه مشهد مؤثر أبلغ من جميع عبارات أمراء البيان ، مشهد تشييع منشد ثورة باب عمرو الشهيد محمد خالد شيخ، في عرس شهادته ، وعبد الباسط ساروت المنشد المبدع الذي ولدته الثورة السورية يتقدم المشيعين يغرد للشهيد بالأهازيج الحارة في عرس الحرية غير هياب ولا وجل .. ما هذه الروح التي دبَّت في جسد اولئك الأبطال الذين علموا الدنيا دروس العزة والكرامة ، دروس الفداء والاستشهاد ، دروس الاستهانة بالباطل ، دروس البطولة النادرة ، حقاً إنهم أحفاد الصحابة يحملون أرواحهم على أكفهم كل واحد منهم مشروع شهادة.
كما قال سيد قطب رحمه الله:
لعمرك إني أرى مصرعي *** ولكن أغذ إليه الخطا
لعمرك هذا ممات الرجال *** فمن رام موتا شريفا فذا
لقد أحيا أولئك الثوار الأمة من بعد موات ، ونفخوا في جسدها روح الإباء والفخار.
رحمك الله يا قاشوش ، ورحمك الله يا محمد خالد شيخ , وحماك الله يا ساروت.
{من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}
هذه هي الصورة الوضيئة للمؤمنين الصادقين ، الصورة التي لم يداخلها رتوش ولا تزييف.
نفخات الأبرار وهمم منشدي الثورة ليست أغاني المائعين والمائعات والمطربين والمطربات ، إن نفخاتهم من نفخات حسان بن ثابت رضي الله عنه ، روح القدس معهم ؛ كما كان مع حسان ، روح القدس يسدِّدهم ، والله معهم يستمدون من قوته وروحه ، أهازيجهم في أعراس الحرية والشهادة أشد وقعاً على نفوس الشبِّيحة والمستبدين من وقع القاذفات والدبابات ..
روى أحمد في مسنده بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت : اهْجُ المشركين فإنَّ روحَ القُدُس معك.
هؤلاء هم الشعراء المحمودون الممدوحون من الله عزَّ وجل .. {والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا عملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ظلموا}
وما أروع ما قاله حسن البنا : إنَّ الشاعر في الأمة مصور ماهر ، يصور عواطفها وآمالها ، ويرسم مكنونات ضمائرها ونفوسها ، وقلب نابض بأفراحها وأحزانها ، يخفق لها خفقة الفرح والسرور إن أصابت مغنما أو لقيت خيرا ، ويتأوَّه آهة الحزن إنْ مسَّها الضر أو نابها الشر ، ويصوِّر ذلك في أبيات رشيقة تحمل رسالته إلى أمته بلغة الشعر والقصيد .
وهو مع ذلك هَادٍ يدلُّ أمته على طريق النجاح ، ويحذرها من التردي في مهاوي الفساد ، ويخلع على الفضيلة أجمل حلَّة تلفت إليها النفوس وتستهوي الأنظار ، ويضع الرذيلة في صورة بشعة مروعة لو اطلعت عليها الأمة لولَّت منها فراراً ، ولملئت منها رعباً .
ذلك هو الشاعر في ثوب العاطفة والحس ، وهذا هو الشاعر في ثوب الوعظ والتذكير ، وهو في كليهما يقوم بأجلِّ الخدمات للإنسانية البائسة الغافلة
القاهرة 20 شوال 1351 هـ الموافق25 فبراير 1933
من كتاب:شعراء الدعوة الإسلامية جزء 6 ص 66
وهؤلاء المنشدون يعكسون مشاعر الأمة الثائرة ، ويستجيشون عواطفها، ويشحذون عزيمتها، ويولدون ويويدون الحرارة والحماسة فيها
حماكم الله ورعاكم. حقاً لقد أتعبتم من بعدكم.
تنويه:
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين