مكانةالمرأة المسلمة ودورها في الرقي الحضاري

مكانةالمرأة المسلمة ودورها في الرقي الحضاري

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ١٧ ربيع الآخر ١٤٣٥ هـ - ١٦ شباط ٢٠١٤
2105

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

فهذه الكلمة موجهَّة إلى :

الأخت الفاضلة

الابنة الغالية    

 

إن فضل الإسلام على المرأة - وهي نصف المجتمع – ظاهر واضح ، لا يماري فيه إلا مكابر ، حيث إنه أنقذها وحرَّرها وردَّ إليها إنسانيتها وكرامتها ، ورفعها إلى القدر اللائق  والمكانة الرفيعة .

 

     ولن يصل الإنسان المنصف ، والناقد الحيادي إلى هذه الحقيقة إلا إذا رجع واطلع على وضع المرأة قبل الإسلام ، أو في المجتمعات غير المسلمة ، عندها سيرى البون الشاسع ، والنقلة الهائلة التي حظيت بها بنت اليوم وأم المستقبل .

 

     ولقد ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في كثير من المجالات ، من التكليف والحقوق والواجبات ، فما من خطاب في كتاب الله تعالى يبدأ بقوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا ، إلا والمقصود منه – غالباً – الجنسان معاً الرجال والنساء ، إلا إذا كان هناك قرينة صارفة ، أو كان في السياق ما يخصُّ الرجال فقط ، وهو قليل نسبياً .

 

     أنقذ الإسلام المرأة وحررها وأكرمها ورفعها إلى مصافِّ الرجال ، وعاشت أفضل أيامها في ظل المنهج الاسلامي والدستور الرباني ، ونهلت من معين هذه الشريعة : الإيمان والإسلام والإحسان والأخلاق ، ثم ساهمت مساهمةً فعالة في بناء البيت المسلم ، وشاركت في تشييد المجتمع المؤمن ، أحسنت فيما بينها وبين ربِّها ، وفيما بينها وبين بعلها وانتبهت إلى أولادها فأرضعتهم مبادئ التوحيد ، وأنشأتهم في ظلال الإيمان ، وأحسنت رعايتهم مع أركان الإسلام ، وبالغت في تربيتهم على الخلق الكريم ، والسلوك القويم ، على الحشمة والعفة ، على العزة والكرامة ، والشجاعة والشهامة ، والمروءة والوفاء .

 

ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم([1]) حيث يقول : 

 

الأم مدرسة إذا أعددتـها                      أعددت شعباً طيب الأعراق

الأم روض إن تعهده الحيا                      بالري أورق أيــما إيراق

                                  الأم أستاذ الأساتذة الأُلى                           شغلت مآثرهم مدى الآفاق([2])                       

 

ونشأ هذا الجيل ، ذكوراً وإناثاً ، وكبر وترعرع ، وحمل الأمانة بكل اقتدار ، وسار وفق النهج السَّويِّ الذي تربى عليه ، يؤمن بالله تعالى ربَّاً ، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً ورسولاً .

 

            وقف هذا الجيل المؤمن في وجه صروف الدهر ، أبياً عزيزاً ، وشهماً كريماً ، يتعفف عن مغريات الدنيا وشهواتها وأهوائها :

 

قد رشَّحوك لأمر لوفطنت له                  فارْبَأْ بنفسك أن ترعى مع الهمل([3])

ويواجه بكل حزم وبأس وقوة محنها وأخطارها ، غير عابىءٍ بما يصيبه جراء ذلك ، محتسباً الأجر عند الله تبارك وتعالى :

 

ولست أبالي حين أصرع مسلماً                على أي جنب كان في الله مصرعي([4])

 

رضع هذا الجيل مبادئ الفضيلة والهدى ، والتقوى والرشاد ، فارتفعت راية الإسلام خفَّاقةً ، وأخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، وسعدت البشرية أيما سعادة ، في ظلال الإيمان ، وتحت راية القرآن .

 

            وكان التقدم يسير بالأمة باطِّراد ، حتى ارتفع شأنها ، وعلت كلمتها ، وهابها من كانت تهابه ، وبخاصةٍ القوتان العظميان آنئذٍ : فارس والروم .

 

وكيف ساس رعاة الإبل مملكةً                 ما ساسها قيصرٌ من قبل أو شاهـُ([5])

 

وقد صاحب هذا التقدم الإيماني ، والتوسع الإسلامي : تقدم وتطور مادي ، في مجال العلوم بكافة أنواعها : الدينية والدنيوية ، فبرز علماء ، ونبغ فقهاء ، وظهر مكتشفون ، وبرع مخترعون ، مازالت كتبهم وآراؤهم العلمية بين يدي طلاب العلم ورواد المعرفة ، ومازالت أجيال من الأمم تتربى وتتعلم على مناهجهم ونظرياتهم .

 

أولئك آبائي فجئني بمثلهم                     إذا جمعتنا ياجرير المجامع([6])

 

ثم أين موقع المرأة من هذا الرقي الحضاري ؟ الجواب : إنها بعد فضل الله وتوفيقه : أول وأهم أسبابه ، أليست هي نصف المجتمع ، أليست هي المرضع والفاطم والمربية ؟ 

 

والذي ينظر إلى واقعنا اليوم ويرى ما نعانيه من ويلات التقهقر والتراجع ، والمذلة والهوان ، والجهل والتأخر ، والتبعية والانقياد :

 

كم صرَّفتنا يدٌ كنا نصرفها                     وبات يحكمنا شعب ملكناه([7])

 

وأصبحنا نحتاج غيرنا ، ونفتقر في بعض ضرورياتنا إلى عدونا ، نتردد على الأعتاب نلتمس القِرَى ، ونطرق الأبواب لعلنا نتعلم باباً من أبواب العلم ، أو طريقاً من طرق المعرفة :  وما لي لا أرى في الركب قومي               وقد كانوا أئمته قروناً

 

ضعفت الهمم أو بعضها ، وكلَّت العزائم ، وقعد الطموح بأهله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

 

            أين دور المرأة من هذا التقهقر والتراجع ؟ أين هي الآن لتتحمل دورها ومسؤوليتها الكاملة ،

 

  إنه نداء إلى الأخوات الفاضلات وإلى البنات الغاليات كي يعرفن مكانهن ويتبوأن مكانتهن ، ويؤدين الواجب على أكمل وجه :

( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )([8]) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - هو شاعر النيل محمد حافظ بن إبراهيم فهمي الشهير بحافظ إبراهيم ، ولد سنة 1871 م في ديروط ، نشأ يتيماً ، نظم الشعر أثناء الدراسة ، ثم عمل محامياً ، ثم التحق بالمدرسة الحربية ، وعمل بجريدة الأهرام ، طار صيته واشتهر شعره ، كان قوي الحافظة ، راوية سميراً مرحاً ، حاضر النكتة ، جهوري الصوت ، بديع الإلقاء ، كريم اليد في بؤسه ورخائه ، له : ديوان حافظ مجلدان ، وغيره ، توفي عام : 1932 م ، باختصار من الأعلام 6/76 .  

[2]- البيت من قصيدته التي مطلعها :      

كم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقي       في حب مصرَ كثيرة العُشَّاقِ      

[3] -  البيت من لامية ابن الوردي ، ويروى : قد هيَّأوك لأمرٍ .

[4] - البيت لخبيب بن مطعم رضي الله عنه  ، قاله قبل أن يستشهد بأيدي مشركي مكة .

[5] -  البيت من قصيدة لأحمد محرم ، مطلعها : ما لي وللنجم يرعاني وأرعاه  أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه .

[6] - البيت للفرزدق همام بن غالب التميمي من قصيدة في الفخر ، مطلعها:

منا الذي اختير الرجال سماحةً             وخيراً إذا هبَّ الرياح الزعازع

[7] - البيت من قصيدة أحمد محرم المذكور في الصفحة السابقة .

[8] - الرعد: من الآية11

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...