على سبيل التقديم
كنا شباباً قد اختلفت مشاربهم، وتنوعت أفكارهم قد أتوا من جميع أنحاء مصر ضمتهم ساحات جامعة القاهرة، ومدينتها العامرة، كذلك جمعتهم حوارات أدبية كثيرة التَّلون، ومشاكسات فكرية مختلفة التوجه، لكننا كنا متفقين على ثوابت منها أن الجزائر هي مثال التحرر والفداء، وتمثال التفكر والبناء، فهي بلد المليون شهيد في سبع سنوات من المقاومة، وهي أمة الخيط الفكري المشدود الذي اشتهر أن أوله في بلاد المغرب العربي عند ابن خلدون، ولن يكون آخره عند مالك بن نبي.
لذلك كم كانت سعادتي أن داراً جزائرية هي دار "أوراق ثقافية للنشر والتوزيع" سوف تشرفني بتقديم كتبي للقارئ الجزائري، والعربي، فمن نعيم الدنيا وعزها أن يقرأ للكاتب المهموم قارئٌ مثقفٌ ثقفه تاريخه المشحون بالحوادث الفاصلة، وأصقله تراثه المليء بالشخصيات الإصلاحية الكبرى، هذا النوع من الثقافة يمكن أن نسميه ثقافة فطرية اضطرارية أشبه بالجينات الوراثية التي يتحملها الإنسان بحكم التواجد على أرض حضارية بحكم التاريخ، وجغرافيا مؤثرة بحكم الموقع، وإنسان يستثمرهما بحكم معتقده، وواقع يستفزه للاستئناف الحضاري بحكم الفارق الهائل بين الكائن المتواضع الذي يعيشه والممكن العظيم الذي يستحقه.
إنني أقدم للقارئ الجزائري، والعربي هذا الكتاب كتاب "منهجية سورة البقرة في بناء الأمة (قصة طالوت وجالوت نموذجاً)"، وهذا الكتاب هو واحد في سلسلة من كتبي تستهدف الدعوة إلى استئناف حضاري يرتكز على الهوية الإسلامية التي أتصورها ثلاثة أضلاع: اللغة، والتاريخ، والمعتقد. وفي سبيل ذلك كان كتابي في الأسماء الحسنى دراسة (نسقية في الإيمان والحضارة)، وكتابي المأمون بن هارون الرشيد (دراسة في الآثار السياسية والحضارية لفتنة خلق القرآن)، وكتابي الأمة في زمن التحديات (مقاربات ما بعد السابع في فقه النصر والتخليق الحضاري).
إن هذه الكتب الأربعة – وما سيليها إن شاء الله – تقدم للأمة ثلاث معارف لا غنى لنا عنها إذا أردنا استئنافاً حضارياً منسجماً مع تكويننا النفسي فلا نعيش في حرب مع النفس، ومنطلقاً من مخزوننا الحضاري فلا نعيش كاللقيط أمام ذوي النسب، هذه المعارف هي:
1) معرفة الله، فهي مرآة النفس ترى فيها حقيقة نفسك، وميزان الإيمان تزن بها قدر إيمانك، ومنهاج التربية ترسم لك طريق التزكية.
2) ومعرفة الإنسان، والإنسان – كما أتصوره – يتكون من أربعة: الجسد الذي لا يهدأ إلا بإشباع شهواته، والروح التي لا تتروح إلا بالتعبد لمن نفخها، والعقل الذي يقويه التعلم والتجريب، والقلب الذي يرققه التدين والخشوع. وبإشباع الأربعة يكون الإنسان السعيد، هذه المعرفة تنبه الإنسان إلى طبيعة تكوينه؛ فيستطيع سياسة نفسه باستثمار خيرها واتقاء شرها.
3) ومعرفة الإسلام باعتباره منهاجاً إلهياً نرى في أحكامه الفقهية، وتصوراته الفلسفية، ومنظومته الأخلاقية سعادة للمسلم في الدنيا، ونجاة له في الآخرة، وكما نراها حماية لغير المسلم من الآخرين إذا كان ضعيفاً وهم أقوياء، وحصانة لنفسه من نفسه إذا أطغته قوته، وأسكرته سلطته، وتحكمت فيه شهوته؛ فصار عبداً لذاته، وخضع للذاته؛ فسجن نور الفطرة في ظلمة الجسد؛ فأشقى نفسه من حيث أراد إسعادها، ودس روحه من حيث أراد ترقيتها!.
إن الكتاب الذي بين يديك ليس ككتب التفسير التي تعرفها، فهو كتاب متنوع في معارفه تنوعاً يناسب السورة العظيمة التي ندرسها، والواقع المتشعب الذي نعيشه، فهو واقع لا يصلح خلله قليل الكلمات، ولا تكتفي مستجداته بمكرور العبارات، ولا يملأ فجواته الثقافية التأليف القائم على الجمع والترتيب، ولا يضبط أفرادَه الاكتفاءُ بموعظة ترقق القلب، ولا يهتدي الحيارى فيه بفكر مجرد يخاطب العقل، لكنه واقع ملتبس يفتقر إلى ذلك كله، ولأنه واقع متشعب فهو يحتاج إلى فكر متعمق ينظم الفِكَر المتنوعةَ التي تبدو متباعدة في نظام التفسير القرآني الشامل، كما ينظم الفنان البارع حبات اللؤلؤ المتنوعة في نظام واحد نظماً محكماً فإذا أنت أمام عمل يستحق.
أترك لك أيها القارئ الكريم تجربة الدخول إلى عالم سورة البقرة كما لم تقرأها من قبل، لتعلم أنه لا أمة بغير نبي وكتاب، ولتدرك أن الإنسان هو الكون ملخصاً في كائن، إذا تركته للشيطان انحرف، وإذا تركته لنفسه انجرف، وإذا زكيته أفلح وأنجح، ولترى نفسك في نمط من أنماط الشخصية في سورة البقرة، ولتعلم لماذا طالت السورة؟!!، ولماذا سميت بالبقرة؟!!، ولترى كيف تكون القيادة إذا كنت قائداً؟، ولترى كيف يكون المؤمن إذا كنت من آحاد الناس؟، ولترى كيف يكون المنهج إذا كنت مصلحاً؟، فلا إصلاح بغير مصلح يُقتدى به، ولا منهاج نسير على هديه، ولتميز الشعب الواعي عن غيره من الشعوب المتخلفة، ولنعلم من نكون؟!! وأين نحن؟!!، ولتصنف النخب التي تقود مجتمعك، لتعلم أهي نخبة صنعها الحاكم؟، أم لمعها الإعلام؟، أم قدمها المال؟، أم أفرزها الشعب؟ ثم أتركك لترى غير ذلك مما عرضناه من بركات أفاضتها سورة البقرة علينا، وعلى أمتنا.
عبدالباقي رمزي الديب.
مساء الثلاثاء السابع من أبريل 2026
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


