بقلم ماجد الدرويش
من الأمور التي جُبلت عليها الأنفس الحرَّةُ كرهَ الظلم والظالمين. وكثيرا ما كانت المظالم سببا للثورات التي ينشد أصحابها التخلُّص من جبروت الطغاة والمتجبرين. وما يحدث في سوريا منذ سنتين تقريبا لا يخرج عن ذلك، حيث إن الضغط الذي كان يمارس على الناس، والظلم الذي رزحوا تحته عقودا، واللذين بلغا مرحلة الإشباع، دفعا بالأمور إلى ما نراه الآن من تقاتل هلك فيه البشر والحجر والشجر.
والناس بطبعها تتعاطف مع المظلوم لأنه صاحب حق، وبقدر ما يكون المظلوم الثائر ملتزما بالمبادئ السامية التي دفعته إلى الثورة على الظلم، بقدر ما يكون صاحبَ حق وصاحبَ قضية، وكانت بالتالي ثورته على الطريق الصحيح للوصول إلى الغاية المنشودة مهما بعدت الطريق.
إلا أنه في بعض الأحيان قد تصدر من الثائر تصرفات تحوله من صاحب حق إلى محقوق، ومن مظلوم إلى ظالم، مما يفقده ذلك التأييد الذي يعتبر من أهم أسباب الوصول إلى الغايات السامية المنشودة.
ونظرة سريعة وفاحصة في آن إلى قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الطاغوت فرعون، تعطينا فكرة أن صاحب الحق المؤمن، مهما رؤي ضعيفا أو قليل الناصرين والمؤيدين، هو المنتصر طالما أنه ملتزم أخلاق المطالبين بالحقوق الشرعية. وأن الجبابرة والطغاة، مهما كثر أباعهم وعظمت جيوشهم، هم المهزومون لأن الله تعالى ناصر المستضعفين )وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(.
والخوف أن يتحول المستضعَفون إلى متسلطين ومتجبرين ومعتدين على حقوق الآخرين، فهذا يؤذن بالفشل وبتحول نصر الله لهم إلى تخلٍ ورفع للتوفيق عنهم، مما يؤذن بخسارة القضية وضياع الحقوق، وبخاصة أن ارتكاب أية مخالفة لأخلاقيات الأخيار، تفتح المجال أمام المتربصين بالثائرين أن يرتكبوا الجرائم باسمهم، فإذا كان الثائرون ممن استمرأ المخالفات فحينها لن يستغرب الرأي العام عنهم ذلك، مما ينذر بانفضاض المؤيدين لهم. أما لو كانوا ممن اشتهر بالوقوف عند حدود الله تعالى فمن الصعب أن يُصَدَّق عنهم ذلك، وبهذا تُحَصَّنُ الثورة بإذن الله.
والذي دفعني إلى كتابة هذه الكلمات صورتان قبيحتان حصلتا أمس (الإثنين): واحدة في حلب الشهباء، والثانية في طرابلس الفيحاء.
أما في حلب الشهباء فإنه تناهى إلى مسامعنا خطف مطرانين من رعية حلب للروم الأرثوذكس، مع ما نعلمه عن هؤلاء الرهبان من أنهم أبعد الناس عن الصراعات والحروب، وألصق الناس بأديرتهم وصوامعهم، حتى إن أمير المؤمنين أبا بكر الصديق رضي الله عنه، قال ليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه أحد قادة فتح بلاد الشام في وصية طويلة وهو يوجهه لفتح بلاد الشام: «وَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَذِهِ الصَّوَامِعِ فَاتْرُكُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ».
هذا والمسلمون يندفعون في بلاد الآخرين، فما بالكم بمن يحمل لواء الدفاع عن النفس في وجه الظلم في بلده، وهو بحاجة ماسة لتعاطف الناس معه؟
وأما في طرابلس الفيحاء، فقد تناقلت وسائل الإعلام خبرا عن اعتقال شباب من طرابلس لرجل قالوا إنه من المخابرات التابعة للنظام السوري وإنه من المشاركين في قتل الأطفال والنساء، إلا أنه رافق هذا الاعتقال مناظر قبيحة تشمئز منها النفوس، وتعافُها أخلاق الأحرار والنبلاء.
ومع تفهمنا للغضب الذي يعتمر في نفوس شباب طرابلس وهو يرى أهله في سوريا ترتكب بحقهم أبشع أنواع المجازر والتطهير العرقي على مرأى ومسمع من العالم الذي يزعم أنه حر، إلا أنَّ هذا لا يبرر أبدا هذه الأفعال المشينة التي تأباها النفوس الكريمة.
فأمثال هذه الأفعال إذا تكررت فإنها لا تبشر بخير على الإطلاق، ومن أراد أن يجاهد في سبيل الله تعالى فعليه أن يلتزم أخلاقيات الإسلام في التعامل مع الناس لا أن ينساق وراء عواطفه، فالله تعالى يقول: ) .. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ(. إي لا يحملكم بغضُكُم للذين حاربوكم وصدوكم عن المسجد الحرام وقتلوا من قتلوا منكم على ظلمهم والاعتداء عليهم، وإلا تساويتم معهم، الأمر الذي يعرِّضُكم لعذاب الله الشديد.
فالثورات تنتصر بالحق الذي قامت لأجله، والقائمون عليها يكسبون التأييد بالأخلاق التي يعاملون بها الآخرين. فإذا خرج الأمر عن نطاق الأخلاق والحق كان هذا إيذانا بالفشل والخسران.
وعليه فإن مثل هذه التصرفات مستنكرة ومستهجنة جملة وتفصيلا، ومن غير المقبول على الإطلاق أن تصدر عن إنسان، فكيف عمن يزعم أنه يجاهد في سبيل الله تعالى؟
فالمجاهد في سبيل الله تعالى يتبع شرع الله الذي يعبر عنه أهل العلم الصادقين، ولا يجوز بحال أن يفتي بمثل هذا من جَهِلَ حدود الدين، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: «عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُذْهَبَ بِأَصْحَابِهِ، عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُفْتَقَرُ إِلَيْهِ أَوْ يُفْتَقَرُ إِلَى مَا عِنْدَهُ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَقْوَامًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَقَدْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ فَعَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّبَدُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ».
فهذا الكلام من الصحابي الجليل رضي الله عنه يبين لنا أنه ليس كل من دعا إلى كتاب الله يستجاب له إلا إذا كان ممن تفقه في كتاب الله تعالى، وكان لدعوته ما يؤيدها في سلوكه العام الموافق لأحكام الشرع.
والذي يجعلنا نتأكد من ذلك عرضُ الأمر على الذين يعرفونه ويستنبطونه، ولا يجوز أن يترك لكل من هبَّ ودبَّ. والله تعالى يقول: )وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً(. فالرجوع إلى أهل العلم الذين يحسنون الاستنباط عاصمٌ من الوقوع في حبائل الشيطان الذي يجر الناس إلى ما لا يرضي الله تعالى عن طريق الأهواء.
من هنا كان لا بد للسائرين في طريق الحرية التنبه إلى مثل هذه المزالق التي تخالف الهدي الإسلامي العام، والتي قد تكون سببا لفشل الثورات ومقاتل الثائرين.