الولاء والبراء مسألة دقيقة في العقيدة الإسلامية استشكلت على جهابذة العلماء، ويريد بعض المتعجّلين امتحان العامة بها، وشغلهم بشبهاتها، وما توغره في النفوس من عداوة وبغضاء، وقتل ودماء،غير منضبطين بضوابط الشرع! فما هو الولاء؟ وما هو البراء؟
إن قيل أن الولاء محض الحبّ فقد نصّ القرآن مرارا على حب الإنسان لأخيه الإنسان حبّا فطريّا طبيعيّا، مع أنه قد يقع بين متخالفين في الدين ما بينهم ولاء ديني ولا ينبغي، بل قد يقع من طرف واحد! ويكون الآخر ظالما جافيا كافرا حاقدا، أولم يقل سبحانه:
(ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور).
لقد فطرت النفوس السويّة على الحبّ، والإسلام دين الفطرة، فقد يكون الحب لإحسان و قرابة كقوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين)، والآية نزلت اتفاقا في أبي طالب عمّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، والمعتمد عند أهل السنّة، بلا مخالف، أنه مات مشركا، وكان من حبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم له أنه حزن لوفاته ووفاة أم المؤمنين خديجة عاما، تأثّر الصف الإسلامي كله بالحدث الجلل، وسمّوه بعام الحزن!
وفي الحب للإنسان كإنسان أيضا، ذلك الحبّ الذي جعله الله بين الزوجين، وذكره كآية من آياته سبحانه: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودّة ورحمة)، مع أنه سبحانه أباح الزواح من (المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، وهنّ كافرات بالإسلام يقينا، ومبنى هذا الزواج أنهنّ سكن ومودّة ورحمة لأزواجهم المسلمين!
بل رخّص القرآن في آثار هذا الحبّ أحيانا، وهو ترخيص بأصل الحب ثمّة، فقال سبحانه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، و البرّ و القسط المذكورين في هذه الآية من آثار المحبّة.
وآية أخرى تشير لأهمية الحب الفطري، نأخذها بمفهوم القياس الأصولي، ألا وهي قوله سبحانه: (قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودّة في القربى)، وهو إذ يطلب محبتهم لقرابته، فمن باب أولى أن يحبّهم لمثلها، وفي ذلك جاء بحديث الصحيحين، قوله صلى الله عليه وآله وصبحه وسلّم لقرابته أجمعين: (فإني لا أملك لكم من الله شيئاً. غير أن لكم رَحِماً سأبُلُّها ببَلالِها)!
وإذا تحدّثت نصوص الوحي عن الحب الفطري بين الزوجين، والحبّ الفطري للقرابة، فإن المحبة الفطرية لها أسباب أكثر من هذا، ويمكن القياس عليها ليشمل هذا الحب، الإحسان، فالنفوس تحب من أحسن إليها، كما في قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، لذا قال أبو الفتح البستي رحمه الله:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم... فطالما استعبد الإنسان إحسان..
والنفوس تحبّ الناس لصفة من صفات الحسن في الخَلق أو الخُلُق، وتحبّهم للجوار، أوللزمالة في العمل، أو المرافقة برحلة لها انطباع خاص، أوللاشتراك بقضية أو مهنة أو مَلَكة أو هواية أو اهتمام، أو غير ذلك من شؤون الحياة الطبيعية المتعدّدة..
والإنسان بطبعه اجتماعي، وقسمه في الحبّ قسم فطري لا سلطان له عليه، ففي الحديث: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك) !
فهذا الحب ما جاءت الشريعة لتحجزه، ولا لتقاومه، بل عزّزته ووجّهته...
وكذا إن قيل أن البراء
هو الكراهية المطلقة، فما يستقيم!
ومن فهم ذلك من ظاهر آية عامّة كقوله سبحانه: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) فقد أبعد النجعة!
إذ هي تتحدّث عن الكراهية الدينية، بمعنى بغض ما أنزل الله، واستحباب الكفر على الإيمان، (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء، إن استحبوا الكفر على الإيمان. ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون)،
فهؤلاء هم المقصودون بقوله تعالى: (كرهوا ما أنزل الله)، فهو استحباب الكفر على الإيمان، وليس محض كراهية فطرية تجاه تكاليف بعضها قد يكون شاقّا على النفس، كما جاء في حديث مكفرات الذنوب: (إسباغ الوضوء على المكاره)، فكونها مكاره، لا يدخل في سياق كراهية ما أنزل الله المحبطة للعمل،
والقرآن الكريم يثبت في مواضع منه أنواعا من الكراهية لبعض ما شرعه الله، ولا يعدّ من فعل ذلك كافرا، ولا متبريّا من شريعة الإسلام!
منها قوله سبحانه: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)،
فها هنا يخاطب القرآن الصفّ المؤمن، بأنه فرض عليهم القتال في مواضع، وأنهم مع ذلك يكرهون هذا المفروض عليهم شرعا! فما كفّرهم بذلك، ولكن نصحهم برفق أن عسى أن يكون ما تكرهون خيرا لكم!
القرأن لا يضرب بعضهم بعضا، ولا يصح لمسلم أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه، والسلوك الازدواجي في التعامل مع كتاب الله، سلوك ذميم لا يليق بالمؤمنين، وإنما هو سلوك (المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين)، فيقبلون الآيات التي يتوهّمون فيها تفسير الولاء والبراء بحديّة وحادّ التفسيرات، ويغضّون عن الآيات الصريحات التي تتحدث عن انفراج وسعة وفسحة في التعامل!
علينا الاعتماد على محكمات الأدلـّة، ولا ننقضها بالمشتبه منها، بل يضمّ المشتبه إلى المحكم، و يُفسّرعلى هديه،
والأصل الصريح: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، وفي الحديث الصحيح: (إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق)، و(المؤمن يألف ويؤلف)، (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك)، (والذي نفسي بيده إن مثل المؤمن كمثل النحلة، أكلت طيباً ووضعت طيباً، ووقعت فلم تكسر ولم تفسد)، فكيف تغيّب عشرات النصوص التي تدعو لحسن الخلق واللين، والألفة، والحب، والتبشير، والرحمة، وعدم الغلظة، وعدم الأذى، والخير، والجمال،
ثم تصادر كلها نسخا أو تأويلا بنصوص مشتبهة يفهم منها الكراهية والقسوة والأذى المطلق لكل كافر، حتى ولو كان محسنا لنا أبد الدهر، ولم نلق منه ما نكره!
هذا لا ينفي أن الولاء والبراء إحدى الواجبات الجماعية، التي يقوم عليها المجتمع المسلم بشكل تصامني تكافلي، ويتحدّ فيها صفّه لمواجهة الاختراقات والتحريشات الخارجية، والبلبلات الداخلية لبعض مرضى النفوس الذين يسهمون من حيث يشعرون أو لا يشعرون بتهديد وحدة الصفّ، وتفرقة جماعة المسلمين!
ولكن الموالاة ليست هي الحبّ الفطري الطبيعي، كما البراءة ليست هي البغض الفطري الطبيعي!
الموالاة هي الحبّ مع الانتماء والنصرة، وهذا ما يسمّيه بعض العلماء بالحبّ الديني! وهذا هو المخرج عن الملة، لما يضمّنه من حب للدين والإعتقاد الذي عليه الكافر، والدفاع عن كفرياته، لا عن حقّه في أن يتعبّد، بما أتاحه الله له –قدريا- من عبادة في دار الامتحان!
وكذا ضدّ المولاة، وهو عدم التولّي والمعاداة والبراءة، فهي لا تعني الكراهية الطبيعية، وإنما العداوة والبغضاء والتبرّي من المحاربين والمحادّين لدين الله،
فأما الحربيون فقد بدأوا بالعدوان، والردّ على عدوانهم لا يكون إلا بمثله، كما قال سبحانه: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)،وكذلك ما جاء في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)، فها هنا عداوة وإخراج أيضا لا ينبغي أن يكون معه ولاء ولا محبّة!
وأما المحادّون المشاققون لدين الله، والمشاقّون لله ورسوله وللمؤمنين، فقد بدت البغضاء من أفواههم وسلوكهم، لذا جاء فيهم: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) .
فالمحارب والمحادّ كلاهما عدوّ مبغض، ولم يأت النص بإطلاق الكراهية والقتال، حتى نطلقه في كل من خالفنا الدين! إلا ما جاء في سورة الممتحنة عن براءة إبراهيم عليه السلام من قومه، ومما يعبدون من دون الله، فهي جاءت في سباق آية: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم....) في نفس السورة، وكفى بهذا توجيها مفسّرا ومقيّدا لها، وقصة محاربة وعداوة قوم إبراهيم له خلّدها القرآن الكريم، حدّ قولهم: (حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) !
شريعة الإسلام شريعة واقعية، لا تأمر الناس أن يتعاملوا بمثالية بل بالعدل، وترغّبهم بالإحسان، ومن ذلك أن تكافئ المسيء بقدر إساءته، وتتصدّى لأذاه بما يصدّه، سواء باللسان أو باليد.
غير أن التوسّع في نشر ثقافة الكراهية خارج هذا الإطار الواقعي، والزعم بأن وراء كراهيتنا للكافر، وسبب قتالنا له، هو محض كفره وانحرافه، فهذا تجنّ على الدين، اقتبسه من اقتبسه من نصوص مشتبهة، كان يمكنها أن يقايسها على مجموع النصوص ليتعرّف على مقاصد الشريعة دون أن يزيغ أو يغلو!
أصل العلاقة مع الناس جميعا هو الحبّ والتكريم والتعارف، لأن الله كرّم جنس بني آدم: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)، وكان التعارف أصل العلاقات الإنسانية جعلا من الله سبحانه، كما يحبّ ويرضى، وكان الخطاب عامّا بدلالة خطابه للناس، لا الذين آمنوا منهم فحسب: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..)
ولا تخرج العلاقة مع غير المسلمين، ولا مع المسلمين أنفسهم عن هذا الأصل، إلا حين يتلبّسون بالعداوة والمشاقّة والمحاربة، وهي سلوكيات تتناقض مع الود، فأنّى يستقيم معها!
وهذه العلّة في البراءة من المشركين أوقتالهم نستنبطها من سورة براءة (التوبة) بمفهوم المخالفة في قوله سبحانه: (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا)، وقوله: (إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم)،
ونفهمها بفحوى النصّ في السورة نفسها من قوله تعالى: (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمّة، وأولئك هم المعتدون)، وقوله: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم، لعلّهم ينتهون)، وقوله: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة)،
وكلّها أدلة تتضافر بشواهد مستفيضة على غدر هؤلاء المشركين، ونقصانهم للمسلمين، ومظاهرتهم عليهم، وعدم استقامتهم على المواثيق، ونكثهم الأيمان، وطعنهم في الدين، وهمّهم بإخراج الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم، وكانوا هم البادئين بالعدوان، وبعد كل هذه المحادّة لله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلّم، وحربهم وعداوتهم للمسلمين، يأتي من يزعم أن علة القتال أو البراءة من المشركين هي محض كفرهم لا غير!،
وفي جوهر البراء هنا، أنه نكيرا وكراهية للفعل المنكر، والخلق السقيم، والسلوك المرذول، لا لإنسانية الإنسان، كما فعل نبي الله لوط عليه السلام: (قال إني لعملكم من القالين)، فالكراهية لعمل الكافر، وإن بدا النكير على من تلبّس بهذا المنكر من البشر.
ومع هذه البراءة الحديّة، وهذه المفاصلة العقدية، وهذه العزلة الشعورية، فقلبه الإنساني الرحيم حاله حال ذلك النبي الذي قصّه علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلّم -كما في صحيح البخاري- : (كأني أني أنظر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحكي نبيا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وقد وردت بضعة آثار أنه نوح عليه السلام، وأنه عيسى عليه السلام، وأقربها أنه نبيّنا محمد نفسه صلى الله عليه وآله وسلّم.
والذي كان منه أيضا بعد أن استأذنه مَلَك الجبال أن يطبق على قومه المشركين الظالمين الأخشبين، فغلبته رحمة النبوّة، وأخلاق الإنسان الكامل، فقال: (بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا). إن في ذلك لعبرة لمن يفهم البراء بطريقة وحشية منفّرة منبتّة عن واجب المسلم الأول، ألا وهو واجبه الدعوي، وما يتطلبه من لين ورحمة وترفّق وتأليف قلوب، وحب هداية للجميع....
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


