معركة يبرود والسقوط الغامض .. روايات متعددة وتبادل للاتهامات بين الثوار

معركة يبرود والسقوط الغامض .. روايات متعددة وتبادل للاتهامات بين الثوار

التصنيف: حاضر العالم الاسلامي
السبت، ٢١ جمادى الأولى ١٤٣٥ هـ - ٢٢ آذار ٢٠١٤
1450

 

قيادي في "النصرة": بدأ التراجع بسبب انسحاب بعض الكتائب من تل مرمرون

 

تقرير محمد غريبو

 

لم تكن يبرود أول مركز استراتيجي تفقده كتائب الثوار في معاركها مع قوات الأسد وميليشيا حزب الله اللبنانية، كما أن “الانسحاب التكتيكي” من قبلها ليس الأول من نوعه، فقد سبق للثوار أن انسحبوا من مواقع لا تقل أهمية عن يبرود، كبابا عمرو والخالدية والقصير في حمص، والسفيرة بوابة حلب الجنوبية الشرقية.

 

وإذا كانت قلة الذخيرة وغياب السلاح النوعي وضعف الدعم من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط تلك المناطق سابقا بيد قوات الأسد وميليشياته، فإن الظروف التي سقطت فيها يبرود بعد سنتين من سيطرة الثوار عليها تختلف تمام الاختلاف عن سابقاتها، مع وجود السلاح والذخيرة وكبرى الكتائب فيها، ما جعل الغموض يلف تلك المعركة بعد أن تبادل بعض الثوار التهم بوجود خيانات من قبل بعض الجهات عن طريق الانسحاب من مواقع مهمة في محيط المدينة ساهمت بقوة في تسريع عملية السقوط.

 

وكالة “مسار برس” تلتقي بعدد من القادة العسكريين والناشطين الإعلاميين للاطلاع على أحداث تلك المعركة الأخيرة في يبرود في محاولة منها لكشف اللثام عن الأسباب غير المعلنة لسقوط المدينة وتراجع الثوار.

 

معركة القلمون

 

بدأت معركة القلمون في وسائل الإعلام اللبنانية التابعة لحزب الله أو المقربة منه قبل 3 أشهر من انطلاقتها الفعلية، عبر حملة إعلامية تدعي بأن يبرود هي منشأ الإرهاب ومصدر السيارات المفخخة التي تستهدف الضاحية الجنوبية في بيروت، بوصفه مبررا جديدا لاحتلال ميليشيا الحزب مناطق جديدة في سورية، ولتضييق الخناق  كذلك على منطقة عرسال اللبنانية “السنية” التي تناصر الثورة السورية والتي تعد منفذا للاجئين السوريين الفارين من جحيم الموت إلى لبنان.

 

أما عسكريا، فقد بدأت معركة جبال القلمون بسيطرة قوات الأسد على قارة في تشرين الثاني من العام الماضي، ثم على دير عطية والنبك، الأمر الذي اعتبره محللون بأنها كانت “المرحلة الأولى” من المعركة، لتأمين الطريق الدولي ولإزاحة الثوار من موقع الهجوم إلى الدفاع، ولتُستأنف “المرحلة الثانية” في منتصف شباط الفائت باتجاه السحل بالإضافة إلى بعض التلال الاستراتيجية القريبة من يبرود، ولتنتهي أخيرا بسقوط المدينة.

 

منذ منتصف شباط حتى قبل الإعلان عن خبر السقوط بأيام بدت الجبهة متماسكة إلى درجة كبيرة، حيث تمكن الثوار طيلة تلك الفترة من التصدي لمحاولات التقدم والاقتحام لعشرات المرات على عدد من الجبهات، كما قتلوا وأسروا العديد من عناصر القوات المهاجمة، وأسقطوا طائرة ودمروا آليات عسكرية تابعة لها.

 

حرب نفسية

 

بدأت صفوف الثوار تتزعزع قبل يومين من سقوط المدينة أي في يوم الجمعة 14/3/2014 عندما وردت أنباء عن سيطرة ميليشيا الحزب على أحياء في المدينة، الأمر الذي نفاه حينها العقيد عبد المعين اسطيفو القيادي في هيئة دروع الثورة إحدى الفصائل المقاتلة في يبرود، وذلك في حديث خاص لـ”مسار برس”، مؤكدا وقتها أن الثوار لا زالوا يقاتلون على تلك الجبهة، ومعتبرا في الوقت ذاته أن “الذين يروجون لمثل تلك الإشاعات هم عملاء نظام الأسد”.

 

ويبدو أن حرب الإشاعات قد لعبت دورا كبيرا في تراجع الثوار كما يؤكد ذلك المسؤول الإعلامي في غرفة عمليات يبرود تيم القلموني بقوله “قبل يومين من سقوط يبرود بثت إشاعة من قبل أحد الاشخاص ـ رفض القلموني ذكر اسمه ـ أن نظام الأسد قد وصل إلى داخل يبرود ما دفع بالكثيرين إلى الهروب بصورة عشوائية، إلا أن الثوار تمكنوا من لم الشمل وإعادة ترتيب الصفوف”.

 

ويشير عضو المجلس الأعلى للجيش السوري الحر رامي الدالاتي في حديث خاص لـ”مسار برس” إلى أن “المقاتلين أتتهم رسائل عبر أحد الوسطاء بينهم وبين نظام الأسد ويدعى جورج حسواني ـ شخصية مقبولة من الجانبين ساهم في فك احتجاز الراهبات والعديد من عمليات تبادل الأسرى بين الطرفين ـ مفادها أن قوات الأسد مصرّة على دخول يبرود مهما كلف الأمر، وأن القضية محسومة لديها لكسر يبرود والاستيلاء عليها، ما أثر على نفسية المقاتلين إلى جانب شدة القصف الذي تعرضت له المنطقة”.

 

معركة يبرود .. انسحاب وتخوين

 

تعددت الروايات التي تتحدث عن تفاصيل المعركة الميدانية التي دارت في يبرود، وتقتصر على جهتين:

 

الأولى: مصادر ميليشيا حزب الله وقوات الأسد والتي تروي تفاصيل المعركة بكثير من التهويل والمبالغة، واصفة المعركة بأنها كانت نزهة على مدى 33 يوما.

 

وتؤكد مصادر تابعة لحزب الله في لبنان أن المشاركة البرية كانت من قبل مقاتلي الحزب وحدهم دون أي دور لقوات الأسد، مضيفة أن “معركة القصير أثبتت عقم قوات الأسد وعبأها في أية معركة، فضلا عن ضعف الروح المعنوية لديها، وكأنهم مرتزقة على أرض غيرهم، ما دفع بغرفة عمليات الحزب إلى المطالبة باقتصار دور قوات الأسد في يبرود على القصف الجوي”.

 

كما تشير المصادر ذاتها إلى استخدام التقنية الإيرانية بكثرة في المعركة وخاصة طائرات الاستطلاع بدون طيار.

 

الثانية: بعض فصائل الثوار التي تروي حيثيات المعركة في سياق إثبات خيانة بعض الفصائل الأخرى ومساهمتها في تسليم المدينة.

 

فقد تناقل ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات نسبت إلى الإعلامي في جبهة النصرة عبد الله الشامي يتهم فيها بعض كتائب الثوار بالانسحاب من المواقع التي كانوا يتمركزون فيها، ولا سيما تلة مرمرون، مضيفا أن بعض الفصائل “أعلنت عن سقوط المدينة في وقت كانت لا تزال الجبهة وبعض الفصائل الإسلامية تقاتل فيها”، وتساءل الشامي في نهاية تصريحاته “هل تم تسليم يبرود بالمجان؟ أم تم شراؤها؟”.

 

من جانبه؛ يقول الناطق العسكري باسم الجبهة الإسلامية النقيب إسلام علوش “كانت هناك بعض الكتائب الخائنة المدسوسة بين مقاتلي يبرود أشاعوا بين الناس أن انزلوا من على التلال المحيطة بيبرود وتحصنوا في البلد بالتزامن مع تقدم قوات الأسد وزيادة القصف على التلال التي لم يكن فيها أي تحصين ولا متاريس ولا خنادق لتحمي المقاتلين فيها، لتحتل قوات الأسد وميليشيا حزب الله بعدها التلال المحيطة بيبرود، وليقصف المدينة كيفما شاء؛ ما أدى إلى السيطرة على المدينة”.

 

أما العقيد عبد المعين اسطيفو القيادي في هيئة الدروع فقد أكد وجود “مجموعات مدسوسة يبرودية” بين الثوار لها علاقة مع قوات الأسد تآمرت على الثوار دون أن يذكر اسمها، مضيفا أن “بعض الثوار أكدوا أنهم تعرضوا لإطلاق نار من الخلف وهؤلاء المندسون الآن هم في جيش الدفاع الوطني داخل يبرود”.

 

ويُجمِل عضو المجلس الأعلى للجيش السوري الحر رامي الدالاتي أسباب التراجع في عدة نقاط أهمها “غياب القيادة والسيطرة والتنسيق المحكم بين مختلف الفصائل على الأرض”، معتبرا ذلك المحور الأساسي لسقوط المنطقة “وليس نقص القوة أو العتاد”.

 

كما أن لعدم التوازن العسكري بين الطرفين دورا مهما جدا في المعركة، بالإضافة إلى الكثافة النيرانية، ففي الأسبوع الأخير “شنت قوات الأسد وميليشياته هجوما همجيا بالمدفعية والطيران على المدينة”، كما سقط في المنطقة صاروخا “سكود”، فـ”عدم تكافؤ القوتين جعل الثوار يفكرون جديا بالانسحاب”.

 

أما تلة مرمرون فقد كانت “نقطة قوية” بيد الثوار، إلا أن قوات الأسد كثفت قصفها المدفعي والجوي للتلة “حتى تغيرت معالمها الجغرافية من شدة القصف”، ما أجبر الثوار على التراجع والانسحاب منها؛ “ومن هنا اتهمت بعض الأطراف الإخوة الذين انسحبوا بالخيانة”، بحسب كلام الدالاتي.

 

من جانبه يؤكد العقيد عبد المعين اسطيفو أبو عمران أن الهجوم بدأ من عدة محاور وفي وقت واحد، وباعتماد سياسة الأرض المحروقة؛ بقصف صاروخي ومدفعي وجوي ما دفع الثوار إلى الانسحاب.

 

ويشير المسؤول الإعلامي في غرفة عمليات يبرود تيم القلموني إلى أن “يبرود كانت تضم 800 مقاتل فقط خلال المعركة، ولكن اتساع مساحة المنطقة والقصف العنيف وتراخي عدد من الألوية ساهم بتسريع سقوط يبرود”.

 

الحكومة المؤقتة ووزارة الدفاع

 

يتهم المسؤول الإعلامي في غرفة عمليات يبرود تيم القلموني الائتلاف الوطني السوري بالمشاركة في إسقاط يبرود، مشيرا إلى أن “غرفة العمليات أرسلت عدة وفود إلى الائتلاف طلبا للدعم المادي ولضمان استمرار المعركة دون أن نحصل على رد من قبلهم إلا قبل سقوط المدينة بيوم واحد؛ حيث أرسل الائتلاف مليون دولار”.

 

بدوره يعترف عضو المجلس الأعلى للجيش السوري الحر رامي الدالاتي بالتقصير تجاه يبرود إلا أنه يؤكد أن هيئة الأركان قد أرسلت مبلغ مليون ونصف دولار إلى غرفة عمليات يبرود قبل عدة أيام من سقوط المدينة، ويُرجع الدالاتي سبب التأخر إلى “الإمكانيات المادية الضعيفة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية المؤقتة”، مؤكدا أن “هيئة الأركان ستشكل لجنة لدراسة أسباب سقوط يبرود”.

 

تداعيات السقوط

 

بسقوط يبرود التي تبعد عن الطريق الدولي دمشق – حمص حوالي 10 كلم تكون كتائب الثوار قد خسرت محورا مهما في الجبهة الشمالية لريف دمشق كانت تشن منه هجماتها على مواقع لقوات الأسد وصولا إلى دمشق من جهة الشمال، ومن المرجح – بحسب محللين – أن يحول نظام الأسد اهتمامه الآن، وبعد أن فرغ من الشمال، إلى مناطق أخرى كدرعا والقنيطرة التي تشكل قواعد هجوم أخرى باتجاه جنوب دمشق.

 

وتستعد قوات الأسد لإحكام السيطرة على معظم الحدود اللبنانية السورية، لينعدم بذلك أي دور لبلدة عرسال اللبنانية، ما يريح ميليشيا حزب الله اللبنانية التي تنظر إلى يبرود على أنها مركز السيارات المفخخة، إذ تعتبر يبرود المنفذ الوحيد باتجاه بلدة عرسال اللبنانية.

 

وبالسيطرة على يبرود تكون قوات الأسد قد تمكنت من الربط بين العاصمة دمشق وطرطوس في الساحل السوري عبر حمص، وقد نال طريق حمص طرطوس اهتمام قوات الأسد وشكل أولوية لها فيما يبدو، حيث فرضت سيطرتها على قريتي قلعة الحصن والزارة بريف حمص الغربي قرب تلكلخ، وهو ما أشار إليه العقيد عبد المعين اسطيفو أبو عمران في تصريحاته لـ “مسار برس” مؤكدا على أن نظام الأسد سيتبع ما حققه في يبرود بالعمل على إحكام السيطرة على ريف حمص الغربي وخاصة الحولة والحصن، لأن ذلك يخدم مشروع الأسد في تأسيس دولته العلوية، على حد تعبيره.

 

أخيرا، تشير التطورات التي تشهدها الساحة الميدانية مؤخرا إلى أن قوات الأسد قد انتهجت استراتيجية جديدة في تعاملها مع الثوار، ما يتطلب منهم العمل بشكل جدي وسريع لبناء استراتيجية أخرى لمواجهة استراتيجية العدو، لا سيما بعد التململ الكبير في الأوساط الثورية من الحديث عن انسحابات تكتيكية ونقص في السلاح والذخيرة والرجال ووجود فصائل مندسة داخل تشكيلات الثورة، بعد مضي 3 سنوات من عمر الثورة السورية، وهو ما لم يعد يقنع السوريين الذين قدموا الغالي والنفيس من أجل الخلاص من نظام الأسد.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩الاسلام على مفترق طرق - محمد بن عمر بن سالم بازمول
يرى المسلم في هذا العصر اختلافاً كثيراً حيثما وجّه وجهه، سواء في باب مسائل الفقه من عبادات...
مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩مرجعيّة - قيم الإسلام تناسب الإنسان ، وتلائم فطرته ، وتقدّم أساساً سليماً لتطوّره
  مرجعيّة " القِيَم " عند المسلم   منذ القرون الإسلاميّة الأولى بحث...
تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بركن حاضر العالم الإسلامي - رسالتنا
ركن : حاضر العالم الإسلامي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " مثل المؤمنين في تو...