تُعد مسألة مصير الكافر الذي يجتهد في فهم حقيقة الإسلام من أكثر القضايا العقدية والفقهية حساسية وتعقيدًا، نظرًا لما تمسّه من أصول العقيدة الإسلامية، وعلى رأسها العدل الإلهي، ومسألة التكليف البشري، وحدود قدرة الإنسان على إدراك الحق.
لقد شهد الفكر المعاصر تجدد الاهتمام بهذه المسألة بسبب بروز تيارات فكرية حديثة، مثل فلسفة التعددية الدينية، التي ترى أن جميع الأديان مسالك مختلفة تؤدي إلى الله تعالى، وهو ما أثار نقاشات حادة بين العلماء والباحثين. فبينما ذهب بعضهم إلى نسبية الحقيقة الدينية وإمكانية النجاة للمجتهد من غير المسلمين، تمسّك آخرون بحصرية الحق في الإسلام، معتبرين أن مجرد الاجتهاد خارج حدود الإسلام لا ينجي من يوم البعث والحساب.
ويحاول هذا البحث توضيح أبعاد المسألة، من خلال دراسة موقف العلماء المختلفين من هذه المسألة، واستعراض الأدلة الشرعية والعقلية لكل منهم، وتحليل النظر في الاحتمالات المختلفة لمصير الكافر المجتهد، مع بيان الأطر التي يمكن من خلالها الجمع بين مبدأ العدل الإلهي ومبدأ التكليف البشري.
1- من لم تصله دعوةُ الإسلام أصلًا
قبل الخوض في حكم من بلغته الدعوة واجتهد فأخطأ، ينبغي لنا الحديث عمن لم تصله الرسالة أصلًا، فإن حكمه أخف وأوسع عند جمهور العلماء والمتكلمين، فقد عدُّوا عدم بلوغ الدعوة عذرًا مسقطًا للتكليف، وقد نصَّ على ذلك أئمة كبار مثل الإمام الغزالي رحمه الله في (فيصل التفرقة)، ومن المعاصرين الشيخ شلتوت رحمه الله، فقد قسّموا غير المسلمين إلى أصناف بناءً على درجة بلوغ الدعوة.
قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: «إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى؛ أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة؛ فإنهم ثلاثة أصناف:
- صنفٌ: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلًا، فهم معذورون.
- وصنفٌ: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام والمخالطون لهم، وهم الكُفَّار الملحدون.
- وصنفٌ ثالثٌ بين الدرجتين: بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا منذ الصبا أن كذابًا ملبِّسًا اسمه محمد ادَّعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذابًا يُقال له المُقَفَّع ادعى أن الله بعثه، وتحدّى بالنبوة كاذبًا، فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب»(1).
وقال الشيخ محمود شلتوت رحمه الله، بعد أن بيَّن أن الحكم بالكفر يكون بعد البلاغ وقيام الحجة وظهور العناد:
«من هنا كانت الشعوب النائية التي لم تصل إليها عقيدة الإسلام، أو وصلت إليها بصورة سيئة منفِّرة، أو لم يفقهوا حجته مع اجتهادهم في بحثها؛ بمنجاةٍ من العقاب الأخروي للكافرين»(2).
وبذلك يتبيّن أن عدم بلوغ الدعوة على وجهها الصحيح يُعدّ عذرًا معتبرًا في الحكم الأخروي، وأن مناط المؤاخذة إنما هو بلوغ الرسالة وقيام الحجة وظهور العناد بعد البيان. ومن هنا كانت التفرقة لازمة بين من لم تبلغه الدعوة أصلًا، أو بلغته مشوَّهةً منفِّرة، وبين من بلغته واضحةً فقصَّر في النظر أو أعرض عنها.
وهنا يبرز تساؤلٌ: ما حكم من عجز عن إدراك حقيقة التوحيد ومعناه، إما لقصور في الفهم، أو لخلل في الإدراك، أو لبيئة حالت دون تصوّره على وجهه الصحيح؟
حكم من عجز عن إدراك معنى التوحيد
من المعلوم أن بعض العلماء يرون أن مجرد وصول الخطاب أو سماع الألفاظ لا يكفي في تحقق التكليف الكامل، بل لا بد من حصول قدرٍ من الفهم والإدراك يتمكن معه الإنسان من تصور ما طُلب منه اعتقاده. ومن هنا ناقشوا أحوال طوائف من الناس الذين قد ينطقون بالشهادتين أو يُخاطَبون بالإيمان مع بقائهم على جهل بحقيقته، أو يعجزون عن فهم معناه لقصورٍ في الإدراك أو لعدم تمكنهم من النظر والفهم.
قد أوضح ذلك الإمام أبو حامد الغزالي، عندما تكلم عن أرباب النطق المجرد وأنهم أربعة أصناف، إلى ذكر الصنف الرابع، فقال: قومٌ لم يعرفوا التوحيد، ولم ينشؤوا عليه، ولا عاشوا بين أهله؛ فلما بلغتهم الدعوة أُمروا بالنطق بالشهادتين، فقالوا إنهم لا يدركون معناهما، فقيل لهم: أظهروا الرضا وافهموا. فنطقوا بهما ظاهرًا مع جهلهم بحقيقتهما، ثم قد يموت أحدهم قبل أن يتصور معناهما أو يسأل عنهما، فيُرجى أن تسعه رحمة الله، ولا يُجزم عليه بالنار؛ لأن الحكم بخلوده فيها حكمٌ على غيب الله. وربما كان منهم من يعجز عن فهم المعنى أصلًا لبلادةٍ أو ضعف إدراك، فيجيب بالنطق موافقةً دون أن يقدر على تصور ما يُعرض عليه، ومثل هؤلاء موجودون، ولا يُقطع عليهم بالخلود في النار، بل يُرجى أن يدخلوا في عموم من تنالهم رحمة الله، كما ورد في حديث الشفاعة في الذين أخرجهم الله عز وجل من النار بشفاعته(3).
وإذا تبيّن هذا الأصل، أمكن بعده النظر في حكم من بلغته الدعوة، وبذل وسعه في الاجتهاد والنظر، ثم أخطأ في الوصول إلى الحق: هل يُلحق بالمعذورين، أم يُحكم عليه بحكم آخر؟
2- من بحث واجتهد وأداه اجتهاده إلى أن دينًا آخر غير دين الإسلام هو الصحيح
وهذا هو صلب المسألة التي نبحثها في هذه الورقات: شخص وصلته الدعوة بشكل أو بآخر، وبذل جهدًا عقليًّا في التمحيص، غير أن اجتهاده قاده إلى الاعتقاد بدين آخر.
وقد اتجه العلماء في الحكم على هذا الصنف اتجاهات متعددة، بدءًا من التجريم والتأثيم، وصولًا إلى العذر والتسويغ، ومسألتنا هذه لها تعلق بمسألة أخرى وهي الحكم على المخطئ في الأصول؛ إذ إنها هي الأساس لمسألتنا، فنذكر أقوال العلماء والمتكلمين فيها.
القول الأول: المجتهد آثم إذا أخطأ في مسائل الأصول
ذهب جمهور العلماء إلى أن المخطئ في مسائل الأصول آثمٌ مطلقًا، سواء أكان خطؤه ناشئًا عن تقليد أم كان ناشئًا عن اجتهاد، غير أنهم يختلفون في توصيفه والحكم عليه تبعًا لجسامة الخطأ ونوعه؛ وذلك لأن مسألة الخطأ في أصول الدين من أدقّ مسائل الاعتقاد وأعظمها أثرًا في باب الحُكم على المخالف؛ إذ ينبني عليها تقرير ما إذا كان المخطئ يُؤثم فحسب، أو يُبدَّع، أو يُضلَّل، أو يُكَفَّر.
قال الإمام أبو بكر الجصَّاص رحمه الله بعد أن ذكر رأي العنبري أن اختلاف أهل الملة في العدل والجبر، وفي التوحيد والتشبيه، والإرجاء والوعيد، وفي الأسماء، والأحكام، وسائر ما اختلفوا فيه. كله حق وصواب قال: «إن القائلين بهذه المذاهب من أهل الملَّة على اختلافهم فيها متفقون قبل عبيد الله بن الحسن على إيجاب التأثيم والتضليل بالخلاف فيها، فمن صوَّب الجميع من المختلفين فهو خارج عمَّا انعقد به إجماع الجميع»(4).
وقال الإمام القرافي رحمه الله: «ذهب الجاحظ(5) وعبيد الله بن الحسن العنبري(6) إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، وليس مرادهم من ذلك مطابقة الاعتقاد؛ فإن فساد ذلك معلوم بالضرورة، وإنما المراد نفي الإثم والخروج عن عهدة التكليف، واتفق سائر العلماء على فساد هذا القول»(7).
بل ذهب بعض العلماء إلى تكفير من يقول برأي العنبري والجاحظ، فقد ذكر القاضي عياض رحمه الله رأي الجاحظ والعنبري في تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين، ونسب نحوه إلى الباقلاني في نقله عن داود الظاهري(8) وثمامة بن أشرس(9)، وذكر أن الغزالي نحا نحوهم في (فيصل التفرقة)، ثم عقَّب بقوله: «وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفّر أحدًا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شكَّ»(10).
وقريبٌ من هذا ما ذكره موفق الدين ابن قدامة رحمه الله، حيث قال: «أمَّا الذي ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينًا، وكفرٌ بالله تعالى، وردٌّ عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم»(11).
غير أن هذا المسلك لم يسلَم من مناقشة؛ فقد ردّ الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله على ما قاله القاضي عياض، فقال بعد أن ذكر كلامه:
إن في عبارة عياض نظرًا؛ إذ لم يُنقل عن العنبري ولا عمّن ذُكر معه أنه لا يُكفّر أحدًا ممن لم يلتزم الإسلام من النصارى وغيرهم، ولا أنه يكفّر بعضهم دون بعض، ولا أنه يقول بعذرهم جميعًا.
ثم بيّن أن القول بعذر بعضهم في الجملة حق، وأن العذر لا يستلزم عدم الكفر، كما أن الكفر لا يستلزم عدم العذر؛ إذ يُقال بعذر صبيان الكفار ومجانينهم، مع الحكم بكفرهم وإجراء أحكام الكفار عليهم في المناكحة والتوارث والدية والكفَّارة وأحكام الموتى، وغير ذلك(12).
قلت: وما نسبه القاضي عياض إلى الغزالي غلط عليه، فقد صرح بفساد مذهب العنبري، وبيّن أن المعذور إنما هو من لم تبلغه الدعوة.
وأما ما نُسب إلى داود الظاهري، فقد زاد بدر الدين الزركشي في نسبته إليه القول بالعذر والأجر، فقال: «مسألة: نُقل عن داود وأصحاب الظاهر أن كل من أفتى في حادثة بحكم يريد به التقرب إلى الله فهو مصيب، سواء كان مجتهدًا أو لم يكن. وهذا يزيد على العنبري؛ لأن ذاك صوّب كل مجتهد في الأصل، وهذا صوّب في كل شيء وإن لم يكن مجتهدًا بعدما بذل وُسْعه»(13).
قلت: وهذا غير مُسلَّم؛ فإنَّ هذا الاتجاه المحكيَّ عن داود قد وُجِّه بكونه جاء في سياق تقرير عذر المجتهد المخطئ من أهل القبلة، لا في مقام التصويب المطلق لكل مُفتٍ، كما أشار إلى ذلك الإمام النووي(14).
القول الثاني: أن المجتهد مصيب في الأصول والفروع
نُسِبَ هذا القول إلى العنبري، والجاحظ، وداود الظاهري، وثمامةَ بن أشرس. أمّا نسبة هذا إلى داود، فالظاهر أن المقصود بذلك أهل القبلة، وأمَّا ثمامة فلم أقف على كلام له في المسألة، ولا على نقل عنه في ذلك. أما العنبري، فاختلط النقل عنه كثيرًا؛ فمنهم من جعل كلامه مساويًا لكلام الجاحظ، ومنهم من فرَّق بينهما، ومنهم من أوَّله وجعله خاصًّا بأهل القبلة، ومنهم من ذكر أنه تراجع عنه، وهو ما سنفصله.
موقف العلماء مما نسب إلى العنبري:
ذكر بعض العلماء أن كلام العنبري المقصود به عذر المجتهدين في أصول الدين، منهم الإمام الرازي، فقال: «حكم الاجتهاد، وفيه مسائل مسألة، ذهب الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد في الأصول مصيب، وليس مرادهم من ذلك مطابقة الاعتقاد، فإن فساد ذلك معلوم بالضرورة، وإنما المراد نفي الإثم والخروج عن عهدة التكليف، واتفق سائر العلماء على فساد هذا القول»(15).
أ- رد كلام العنبري:
ومن أبرز من ردَّ قول العنبري وفنَّده الإمام الغزالي؛ إذ رفض القول بتصويب المجتهدين في القضايا العقلية، وقرَّر أن الصواب فيها واحد لا يتعدّد، حيث قال: «مسألة ذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع.
فنقول له: «إن أردت أنهم لم يؤمروا إلا بما هم عليه وهو منتهى مقدورهم في الطلب، فهذا غير محال عقلًا، ولكنه باطل إجماعًا وشرعًا ... وإن عنيت به أن ما اعتقده فهو على ما اعتقده فنقول: كيف يكون قدم العالم وحدوثه حقًّا، وإثبات الصانع ونفيه حقًّا، وتصديق الرسول وتكذيبه حقًّا؟! وليست هذه الأوصاف وضعية كالأحكام الشرعية؛ إذ يجوز أن يكون الشيء حرامًا على زيد وحلالًا لعمرو إذا وُضِعَ كذلك، أما الأمور الذاتية فلا تتبع الاعتقاد، بل الاعتقاد يتبعها، فهذا المذهب شرٌّ من مذهب الجاحظ؛ فإنه أقرَّ بأن المصيب واحد، ولكن جعل المخطئ معذورًا، بل هو شر من مذهب السوفسطائية؛ لأنهم نفوا حقائق الأشياء وهذا قد أثبت الحقائق ثم جعلها تابعة للاعتقادات، فهذا أيضا لو ورد به الشرع لكان محالًا بخلاف مذهب الجاحظ ...»(16).
خلاصة قول الغزالي رحمه الله أن المذهب الذي يجعل كل اعتقاد صحيحًا بحسب من يعتقده محال عقلاً في الأمور الذاتية، وأخطاؤه باطلة شرعًا، إذ الحقائق لا تتبع الاعتقاد، فلا يمكن المساواة بين مصيب ومخطئ في معرفة حقائق العالم والدين، وهذا يجعل المذهب أشد فسادًا من مذهب الجاحظ ومن السوفسطائية.
ويستكمل الغزالي نقده للمنهج حين رد على المعتزلة الذين أولوا كلام الجاحظ(17)، فقال: «وقد استبشع إخوانه من المعتزلة هذا المذهب فأنكروه وأولوه، وقالوا: أراد به اختلاف المسلمين في المسائل الكلامية التي لا يلزم فيها تكفير كمسألة الرؤية وخلق الأعمال وخلق القرآن وإرادة الكائنات؛ لأن الآيات والأخبار فيها متشابهة، وأدلة الشرع فيها متعارضة وكل فريق ذهب إلى ما رآه أوفق لكلام الله وكلام رسوله عليه السلام وأليق بعظمة الله سبحانه وثبات دينه فكانوا فيه مصيبين ومعذورين.
فنقول [الغزالي]: إن زعم أنهم فيه مصيبون فهذا محال عقلا؛ لأن هذه أمور ذاتية لا تختلف بالإضافة بخلاف التكليف فلا يمكن أن يكون القرآن قديما ومخلوقا أيضا بل أحدهما، والرؤية محالا وممكنا أيضا والمعاصي بإرادة الله تعالى وخارجة عن إرادته أو يكون القرآن مخلوقا في حق زيد قديما في حق عمرو بخلاف الحلال والحرام فإن ذلك لا يرجع إلى أوصاف الذوات.
وإن أراد أن المصيب واحد لكن المخطئ معذور غير آثم، فهذا ليس بمحال عقلا لكنه باطل بدليل الشرع واتفاق سلف الأمة على ذم المبتدعة ومهاجرتهم وقطع الصحبة معهم وتشديد الإنكار عليهم مع ترك التشديد على المختلفين في مسائل الفرائض وفروع الفقه»(18)
غير أننا نجد الغزالي في كتابه «المنخول» يقترب أكثر من التأويل الذي نقله عن المعتزلة، لكنه لا يقرّه بصورة مطلقة، بل يؤوله تأويلاً جديداً يعيده إلى دائرة العذر لا التصويب، ومع ذلك حكم بفساد هذا القول، فقال: في مسألة (أن كل مجتهد في الأصول لا يصيب): «وأجمع العقلاء عليه سوى أبي الحسين العنبري حيث صوَّب كل مجتهد في العقليات، ولا يظن به طرد ذلك في قدم العالم ونفي النبوات، ولعله أراده في خلق الأفعال وخلق القرآن وأمثالهما، إذ المسلم لا يكلف الخوض فيه لعلمنا بأن العقول لا تحتمل كل غامض عقلي، والصحابة كانوا لا يأمرون الناس به، فإذا خاض متبرعًا فلا يأثم بما يعتقد؛ لأن عقله لا يحتمل سواه، وهذا مع هذا القرب فاسد، فإن اعتقاد الإصابة المُحقَّقة على التناقض محال»(19).
قلت: وما نقله ابن قتيبة عن العنبري يؤيد ما أُوِّل به كلام العنبري حيث ينقل عنه قوله: «إن القرآن يدل على الاختلاف، فالقول بالقَدَر صحيح وله أصل في الكتاب، والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب، ومن قال بهذا فهو مصيب؛ لأن الآية الواحدة ربما دلَّت على وجهين مختلفين، واحتملت معنيين متضادين... وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقُرعة وخلافه، والقول بالسعاية وخلافه، وقتل المؤمن بالكافر، ولا يقتل مؤمن بكافر، وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب... ولو قال قائل: إن القاتل في النار كان مصيبًا... ولو قال: هو في الجنَّة كان مصيبًا»(20).
ب- تأويل مقولة العنبري وتخصصيها بالمجتهدين من أهل القبلة وحدهم:
وذهب إلى هذا فريق الأصوليين، فقال الإمام النووي في شرح مسلم بعد ذكر اختلاف العلماء: «وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع، فأما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد بإجماع من يُعتد به، ولم يخالف إلا عبيد الله بن الحسن العنبري وداود الظاهري، فصوبا المجتهدين في ذلك أيضًا، قال العلماء: الظاهر أنهما أرادا المجتهدين من المسلمين دون الكفار»(21).
ج- تأويلها بما يفضي إلى قبولها:
ذهب إلى هذا المعنى طائفة من العلماء، فوجهوا مقولة العنبري على أن المراد بها المجتهد المخطئ من أهل القبلة، لا تصويب جميع الأقوال في نفس الأمر. وجعلوا هذا التوجيه قائمًا على رفع الإثم عن المخطئ، مع التفريق بين الإصابة والحكم في الواقع، وبين استحقاق الأجر أو العذر، مؤصلين ذلك بأقوال السلف وأئمة الفتوى في عدم تأثيم من استفرغ وسعه في الاجتهاد. من هؤلاء ابن دقيق العيد، حيث قال: «ما نقل عن العنبري والجاحظ، إن أرادا أن كل واحد من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر فهو باطل قطعًا... وإن أريد به أن من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات فإنه يكون معذورًا غير معاقب فهذا أقرب وجهًا...» (22).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى القول بأن معنى قول العنبري أنه لا يؤثم المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة: لا في الأصول ولا في الفروع، وأنكر جمهور الطائفتين من أهل الكلام والرأي على عبيد الله هذا القول، وأما غير هؤلاء فيقولون: هذا قول السلف وأئمة الفتوى، كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهدًا مخطئًا لا في المسائل الأصولية ولا الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره(23).
د- القول برجوعه عن هذا القول:
وذهب بعض العلماء إلى القول برجوع العنبري عن رأيه، فقال الشاطبي: «قال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ، قال: كان عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن أبي الحريق العنبري البصري اتهم بأمر عظيم، وروي عنه كلام رديء...» فذكر هذه المسألة ثم عقب بقوله: «فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق»(24).
القول الثالث: الناظر الذي عجز عن درك الحق معذور غير آثم
يتميز هذا القول بالتفريق بين المعاند والعاجز، حيث يُسقط الإثم عمن بذل الجهد وعجز عن الإدراك، استنادًا إلى قاعدة عدم التكليف إلا بالوسع، يقول الإمام الغزالي: «ذهب الجاحظ إلى أن المخالف ملَّةَ الإسلام من اليهود والنصارى والدهريَّة: إن كان معاندًا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضًا معذور. وإنما الآثم المُعذَّب هو المعاند فقط؛ لأن الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفًا من الله تعالى؛ إذ استدَّ عليهم طريق المعرفة»(25).
التجويز عقلًا والرد شرعًا:
وقد جوَّز بعض العلماء هذا عقلًا، وردُّوه شرعًا بناءً على النصوص الواردة في ذم الكفَّار، قال الغزالي: «وهذا الذي ذكره [الجاحظ] ليس بمحال عقلًا لو ورد الشرع به، وهو جائز، ولو ورد التعبُّد كذلك لوقع، ولكن الواقع خلاف هذا، فهو باطل بأدلَّة سمعية ضرورية، فإننا كما نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة والزكاة ضرورة، فيُعلم أيضًا ضرورة أنه أمر اليهود والنصارى بالإيمان به واتباعه، وذمَّهم على إصرارهم على عقائدهم، ولذلك قاتل جميعهم»(26).
وقال الآمدي: «ما ذهب إليه الجاحظ - وهو أبعد عن الأول في القبح [أي رأي العنبري] - ولا شك أنه غير محال عقلًا، وإنما النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعًا»(27).
وقال الطوفي: «بالجملة، الجمهور على خلاف الجاحظ، والعقل مائل إلى مذهبه، وقوله على كل حال مخالف للإجماع» (28).
أما التبريزي، فقد تعمق في تحليل العوائق التي تمنع المكلف من الوصول إلى الحق رغم وجود الأدلة؛ مشيراً إلى أن قطع الدلالة لا يستلزم بالضرورة ظفر المكلف بها، نظراً لاحتمالات «الختم والطبع» أو «الكلال الذهني» وكثرة الشبهات التي تلتبس بالأدلة، فقال: «وهذا لا ينكر إمكانه، لكنه خلاف علماء الشريعة قاطبة» ثم قال: «إن الله تعالى نصب على هذه المطالب أدلةً قاطعة، ومكَّن العقلاء من العقل الهادي العتيد لمعرفتها، لكن هذا القول ضعيف؛ لأنه أنَّى يُغني قطعُ الدلالة مع جواز عدم الظفر بوجه الدلالة؟ وأنَّى يُغني العقل العتيد مع جواز الختم والطبع والصرف؟
فكيف لا يُقيم عذرَه كثرةُ الشبهات التي لا يكاد يُميَّز بينها وبين الأدلة إلا بعد إفضاء النظر وإعمال العقل؟ ولعل عذره في عدم الظفر بها أوضح من عذر المجتهد في عدم الظفر بأمارات الفروع.
ثم إذا فرضنا أنه قد استعمل فكره واستفرغ جهده، وفاته الحق لكلال نظره وبلادة خاطره، وجب أن يكون معذورًا؛ لأن المانع من غيره.
على أن ما ذكروه يتقوَّى بما لو توهَّم أجنبية حليلته بخيالٍ أو انتباهٍ من نوم، فإنه لا يأثم بوطئها، وإن كان عليه أدلة قاطعة. فإذا الاعتماد فيه على السمع»(29).
قلت: وأما الإجماع فقد ناقشه الشيخ المعلمي اليماني رحمه الله بعد أن نقل كلام عضد الدين الإيجي، فبيّن أنه: «إن كان مراده بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ما فيها من أن الكفار مخلدون في العذاب فقد بينتها الحجج الدالة على أن الله تعالى لا يعذب حتى يقيم الحجة، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها، وغير ذلك، فإما أن يكون المراد بالكفر في أدلة التعذيب كفرًا خاصًّا هو الكفر الحقيقي، فلا يدخل فيها الكفر الحُكْمي، كالكفر المحكوم به على صبيان الكفار ومجانينهم وسائر المعذورين، وإما أن تكون من العامِّ المراد به الخصوص أو العام المخصوص، وأدلة العذر صريحة محكمة، فلا بد من حمل ما يوهم خلافها على ما يوافقها.
وإن كان مراده أن الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن من قتل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار مخلدون جميعهم في النار، فالجواب أن ما كان فيها من دلالة خاصة كما ورد في أبي جهل وأصحاب قليب بدر، فمحمول على أنهم كانوا معاندين أو مقصرين، والآثار تدل على ذلك. وما كان فيها من دلالة عامة، فقد يقال: تبينها حجج العذر على ما سمعت آنفًا، ويزاد على ذلك احتمال أن يكون ما في السنة والإجماع مبنيًّا على الظاهر، أن من أصر على الكفر بعد بلوغ الدعوة وطول الإنذار، مع ظهور حجج الحق وضعف شبهات الكفار، فهو إما معاند أو مقصر» (30).
هل نحا أحد من العلماء نحو هذا الرأي؟
ذهب طائفة من أهل العلم مذهب العنبري والجاحظ في إعذار من بذل غاية وسعه في الوصول إلى الدين الحق فأخطأه، ومن هؤلاء:
البيضاوي
فقد قال: «ويرجى عفو الكافر البالغ في اجتهاده الطالب للهدى بفضل الله ولطفه، أما الكافر المعاند فالإجماع على أن وعيده دائم»(31).
وجَّه بعضُ العلماء كلام البيضاوي على من بذل غاية جهده في النظر وتحري الحق، فاخترمته المنيّة قبل أن يبلغ شاطئ الهداية. ولذا قيّد المرعشي كلامه بقوله: «إذا لم يصل إلى الهدى وبقي ناظرًا مجتهدًا»(32). وهذا الاحترازُ لم يذكره الإمام البيضاوي، وبه يكون رجاء العفو عامًّا فيمن نظر ومات قبل بلوغ النظر والاجتهاد، ومن مات ولم يصل إلى الدين الحقِّ وقد استفرغ وُسعَه.
ويؤيد ذلك ما ذكره أحمد بن محمد بن عبد العزيز الأندلسي الحنفي في (تبصرة الأخيار) في خلود الكافر في النار في المقدمة: «ولم يُخالف فيه، فيما أعلم، من أهل السنَّة إلا البيضاوي، كما أشار إليه بقوله: وأرجو للمجتهد العفو…»(33).
وهذا يدلُّ على أن المسألة مشكلةٌ بحقٍّ، إذ لا يخفى على القاضي البيضاوي رحمه الله مثل هذا الإجماع.
من قال بمثل رأي الجاحظ ولكن جعلها مسألة افتراضية:
ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الافتراض في ذاته غير وارد من الناحية الواقعية؛ إذ لا يتصور أن إنسانًا يبذل وسعه مخلصًا في طلب الحق ثم ينتهي به البحث إلى غير الإسلام، ضمانًا لوعد الله بهداية من يجاهد فيه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، ولذلك لم يتصور جمهور العلماء أصلًا أن يصل باحث منصف إلى غير الإسلام بعد بحث صادق، لوضوح الحق وجلائه، ومع ذلك فإنهم يحسمون موقفهم بأن القول بعذر من بذل وسعه هو الأقرب.
قال الشيخ المعلمي اليماني رحمه الله: «وقد حكوا القول بعذر الكافر إذا بذل مجهوده...
أقول: وهذه مسألةٌ أخرى، والحقُّ فيها أنه لا يوجد إنسان يبذل مجهوده في البحث والنظر مريدًا للحق حريصًا عليه مخلصًا في قصده، ثم يظهر له أنَّ الإسلام ليس بحقٍّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، فهذا الإنسان مجاهد في الحق، محسن، فكيف لا يهديه الله تعالى؟
فإن فرضت المسألة فرضًا، فإن قال قائل: إنه لو وجد إنسان بهذه الصفة لكان حكمه في الشرع حكم غيره من الكفار، وأما في الآخرة فيكون في الذين يمتحنون فترفع لهم نار... إلى آخر ما جاء في الأحاديث [يعني أحاديث أن المجانين وأطفال الكفار يُمتَحَنون يوم القيامة]. فليس هذا القول بخروج عن الإسلام، ولكن مثل هذا مما تواصى العلماء بالسكوت عنه، لما قد يترتب على إظهاره من المفاسد»(34).
ويقول شيخنا يوسف القرضاوي رحمه الله في فتاواه - وإن كانت المسألة عنده افتراضية -: «إذا افترضنا أن باحثًا انتهى إلى هذه النتائج (أن غير الإسلام هو الدين الحق) بعد طول دراسة وتأمل وتحليل وموازنة، فهل يقره الإسلام على ما وصل إليه من نتائج، أو يعتبره كافرًا مأواه جهنم وساءت مصيرًا؟ بل أكثر من هذا: إذا انتهى بالباحث بحثه إلى أن الوثنية خير من التوحيد، وأن عبادة البقر، أو عبادة الحجر، أو غيرها من الآلهة هي الدين الحق، وأن عبادة الله الواحد هي الدين الباطل، أو إذا انتهى به البحث إلى التعطيل والجحود المطلق، وأن لا رب للكون، ولا إله للعالم، وأن الأديان السماوية والوضعية كلها باطل في باطل، ماذا يكون الموقف؟ وهل هذا الإنسان ناجٍ في الآخرة، أم لا؟
لم يتصور جمهور علماء المسلمين أن ينتهي البحث بعالمٍ مفكرٍ متأملٍ منصف إلى هذه النتيجة أبدًا؛ لأن الإسلام في نظرهم يمثل الحقيقة الجلية التي لا يرتاب فيها عقل، وهي ملائمة للفطرة السليمة، موافقة للعقل الصريح، ويُؤيِّدها المنطق السليم»(35).
ثم قال في نهاية فتواه: «والذي أراه في هذه القضية أن الجاحظ لم يخطئ فيما ذهب إليه؛ إذ ليس على المُكَلَّف إلا أن يبذل وسعه، كما قال القرآن الكريم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ولا يُكلف الإنسان أن يؤمن بما لم يقتنع به عقله واطمأنَّ إليه قلبه، فهو معذور حتى وإن أخطأ الطريق إلى الحق؛ لأنه عمل ما عليه. وإلا كلَّفناه بما لا يطيق، وقد كان من أدعية المؤمنين في خاتمة سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286]. وصح في الحديث أن الله سبحانه قد استجاب هذا الدعاء.
وإنَّما أنذر القرآن بعذاب الله: من عرف الحق بأدلته وأماراته، ثمَّ حاد عنه عامدًا صادًّا عن سبيله، متَّبعًا لهواه، أو مؤثرًا لدنياه، أو لغير ذلك من الدواعي، كما قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115].
فهذا لم يستحقَّ أن يَصْلَى جنَّهمَ إلَّا من بعد مشاقته للرسول، من بعد ما تبيَّن له الهدى، واتِّباعه غير سبيل المؤمنين.
ومثله من كفر من أهل الكتاب بعد ظهور الحق له جليا بأدلته وبراهينه، كالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109].
على أن هذا كله في أمور الآخرة والنجاة والعذاب، أمَّا في أحكام الدنيا فكل من لم يؤمن برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم فهو كافر في نظر المسلمين؛ لأنَّنا نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر»(36).
القول الرابع: من ذكر الخلاف بدون ترجيح
من أبرز مظاهر تعقيد مسألة عذر المجتهد الكافر أن كبار العلماء قد يتوقفون في الترجيح بين هذه الأقوال التي نقلناها، وهو ما يدل على عمق الإشكال وحساسيته. ويعد الإمام فخر الدين الرازي نموذجًا واضحا لهذا التوقف؛ فمع ردّه على الجاحظ والعنبري في كتابه (المحصول)، لم يحسم المسألة في مواضع أخرى، وهو ما يوحي بتأملٍ وترددٍ في الجزم.
قال في كتاب (نهاية العقول)، بعد أن ذكر من يعترف بشيء من النبوات مثل اليهود والنصارى، ومن لا يعترف بها مثل البراهمة والدهرية، قال: «إن إنكارهم لنبوته عليه السلام إما أن يكون عنادًا، وإما ألا يكون. فالأول: أجمعت الأمة على أن عقابهم يكون مُخَلَّدًا، ويكون أشدَّ من عقاب غيرهم.
وأما الذين لم يعاندوا، بل نظروا واجتهدوا وأتوا بمنتهى مقدورهم في البحث والتفتيش، فلم يعرفوا صحة نبوته، فالجاحظ زعم أن هؤلاء يكونون معذورين، وهو مذهب عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري... قالوا: والدليل عليه أن حالُهم يجري مجرى حال العاجز، والله تعالى قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: 61].
وحالُ هذا المتحيِّر في العجز أشدُّ من حال الأعمى والأعرج؛ لأن الأعمى والأعرج يمكنهما الاستعانة بالغير، وأمَّا المتحيِّر الذي استعان بكلِّ أحدٍ فلم يجد ما يشفي الغليل، فحالُه في العجز لا محالة أشدُّ! فكيف يليق بحكمة الحكيم تعالى أن يعذِّبه مع أنه استفرغ الجهد وبذل الطاقة؟
قال: وأما التشديدات الواردة فهي مخصوصة بالمعاندين، والنبي ﷺ إنما كان يحارب المعاندين المتعصبين في نصرة الباطل لا غير.
وأما أصحابنا [يعني الأشاعرة] فقد ذهبوا إلى أنه غير معذور، وادَّعوا إجماع السلف في أن اليهودي أو النصراني إذا كان مصرًّا على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يكون معذورًا سواء كان إصراره للعناد أو للشبهة. فهذا هو القول في منكر نبوة نبينا محمد ﷺ»(37).
وقال في (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين): «أما الكافر الذي بالغ في الاجتهاد ولم يصل إلى المطلوب فقد زعم الجاحظ والعنبري أنه معذور لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، والباقون أبوه وادعوا فيه من الإجماع»(38).
بعد عرض الإمام الرازي للرأيين، يُلاحظ أنه لم يقطع بترجيح أحدهما، كما لم يجزم بثبوت الإجماع على عدم العذر؛ وهو مسلكٌ قد يُشعر بميلٍ مضمر لرأي الجاحظ دون تصريحٍ يقيني أو على الأقل محاولة لوضع الرأيين في كفة واحدة من حيث القوة الاستدلالية، دون التصريح بموقف يقيني.
وأما ما ذكره في كتاب «المحصول» في سياق الرد على الجاحظ، فإن هذا الكتاب يُعد من ثمرات المرحلة المبكرة في التأليف العلمي للإمام الرازي؛ إذ ألّفه – على ما استظهره الدكتور طه جابر العلواني رحمه الله في مقدمة تحقيقه – وهو في نحو الثانية والثلاثين من عمره. وقد استقى مادته أساسًا من أربعة من أمهات كتب الأصول: «العهد» للقاضي عبد الجبار، و«المعتمد في أصول الفقه» لأبي الحسين البصري، و«البرهان في أصول الفقه» لإمام الحرمين الجويني، و«المستصفى من علم الأصول» لأبي حامد الغزالي، حتى إنه قلّ أن يخرج عن مضامينها. أما كتاباه الآخران، «محصل أفكار المتقدمين» و«نهاية العقول»، فهما من مؤلفاته المتأخرة في التأليف.
كما أن البيضاوي – وهو ممن تأثروا تأثرًا ظاهرًا بالإمام الرازي في المسائل العقدية – قد صرّح، كما تقدم، بما يقارب رأي الجاحظ.
القول الخامس: من مات طالبًا للحق قبل اكتمال النظر معذور لا آثم
ذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أن من أدركه الموت وهو متحرٍّ للحق، ساعٍ في طلبه بصدقٍ وإخلاص، غير أنه لم يُمهَل حتى يستكمل النظر أو يهتدي إليه، فإنه يُعذر عند الله تعالى ولا يُؤاخذ؛ لأنه لم يُقصِّر فيما أطاق، ولم يُفرِّط في بذل الوسع الذي كُلِّف به. جاء في (القواعد الكبرى) للعز بن عبد السلام رحمه الله: فإن قيل: «هل يُعفى عن كُفر الجَنان؟ قلت: نعم. إذا بلغ الإنسان وليس له اعتقاد صحيح، لزمه النظر على حسب الإمكان، فإن مات قبل إكمال النظر من غير تقصير، فلا معصيةَ عليه ولا عذاب، لاختصاص العُصاة بالعذاب. وإن أخَّر النظر، فمات قبل مُضي زمان يتَّسع لنظرٍ مثلَ هذا، فهو عاصٍ بالتأخير. وهل يُعذَّب عذابَ كافر؟ فيه نظر واحتمال»(39).
ويتفق مع هذا ما ذهب إليه الطوسي رحمه الله حين قال: «المبالغ في الاجتهاد إما أن يصير واصلًا أو يبقى ناظرًا، وكلاهما ناجٍ»(40).
وقد أيد هذا الرأي أيضًا الشيخ شلتوت رحمه الله، فبعد أن ذكر من كفر بالعقائد بعد أن وصلته بشكل غير صحيح، أو كان من أهل النظر ولكنه لم يوفق إليها وظل ينظر ويفكر طلبًا للحق حتى أدركه الموت في أثناء نظره: فإنه لا يكون كافرًا يستحق الخلود في النار عند الله(41).
تأصيلات ابن تيمية وابن القيم في المسألة:
يُعدُّ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من أهم ما كُتب في هذه المسألة، حيث قدَّما تفصيلًا دقيقًا يجمع بين النصوص الشرعية وقواعد العدل الإلهي، مع التفريق بين الحكم الدنيوي والحكم الأخروي.
قال ابن تيمية: وقد تنازع الناس هل يمكن مع الاجتهاد واستفراغ الوسع ألا يَبين للناظر المستدلِّ صدقُ الرسول أم لا. وإذا لم يبن له ذلك هل يستحق العقوبة في الآخرة أم لا؟ ... [لاحظ أن الكلام في كفرهم واستحقاقهم الوعيد في الآخرة].
فهذا فيه ثلاثة أقوال للناس من أصحاب الأئمة المشهورين: مالك، والشافعي وأحمد:
- قيل: إنه يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسل إليه رسول لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا قول كثير ممن يقول بالحكم العقلي من أهل الكلام والفقه من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم وهو اختيار أبي الخطَّاب.
- وقيل: لا حجة عليه بالعقل بل لا يجوز أن يعذب من لم يقم عليه حجة لا بالشرع ولا بالعقل، وهذا قول من يجوز تعذيب أطفال الكفار ومجانينهم، وهذا قول كثير من أهل الكلام كالجهم وأبي الحسن الأشعري وأصحابه والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم.
- والقول الثالث: وعليه السلف والأئمَّة: إنه لا يعذب إلا من بلغته الرسالة ولا يعذب إلَّا من خالف الرسل؛ كما دل عليه الكتاب والسنة(42).
وقال ابن القيم في أثناء حديثه عن المقلّدين وجهال الكفرة وأتباعهم الذين هم معهم تبع وهم مع ذلك متاركون لأهل الإسلام غيرُ محاربين لهم:
لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود. فالمتمكن المعرض مُفَرِّط تارك للواجب عليه، لا عذر له عند الله. وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان أيضًا:
- أحدهما: مريد للهدى مُؤثِر له محبُّ له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة.
- الثاني: معرضٌ لا إرادة له، ولا يُحَدَّث نفسه بغير ما هو عليه.
فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه، ولكن لا أعرف غير ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي.
والثاني راض بما هو عليه، لا يؤثر غيره عليه، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز. وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق.
فالأول كمن طلب الدين في الفترة ولم يظفر به، فعدل عنه بعد استفراغه الوسع في طلبه عجزًا وجهلًا. والثاني كمن لم يطلبه، بل مات على شركه، وإن كان لو طلبه لعجز عنه. ففرق بين عجز الطالب وعجز المُعْرِض. فتأمل هذا الموضع.
والله يقضي بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يُعذِّب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه. بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله عز وجل وحكمه.
هذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر. فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة، وهو مبنيٌّ على أربعة أصول:
1. أن الله سبحانه لا يُعَذِّب أحدًا إلا بعد قيام الحُجَّة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
2. أن العذاب يستحق بشيئين: الإعراض عن الحجة، والعناد لها بعد قيامها.
3. أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
4. أن أفعال الله عز وجل تابعة لحكمته التي لا يخل بها سبحانه(43).
الرأي الذي أرجحه:
بناءً على استقراء النصوص والآراء السابقة، يتبين أن المسألة تحتمل وجوهًا متعددة، ولكن الراجح هو ما يجمع بين ظواهر النصوص في الوعيد، وقواعد العدل الإلهي في عدم التكليف إلا بالاستطاعة.
والأصل أن الاجتهاد الصحيح لا يمكن أن يفضي بصاحبه إلى الكفر؛ لأن الاجتهاد بذل وسع في طلب الحق، والحق لا يتناقض مع ذاته.
من المتعذر أن يستفرغ المجتهد وسعه، ثم ينتهي به اجتهاده إلى الكفر؛ إذ الاجتهاد طلبٌ للحق بحسب الطاقة البشرية، ولا يُتصوَّر أن يكون تحرِّي الحق بإخلاص سببًا في الوقوع في نقيضه. وقد قرر كثير من العلماء أنه من المحال أن يؤدِّي الاجتهاد إلى الكفر. فالمسألة من حيث الأصل افتراضية ذهنية، يُتحفَّظ في الخوض فيها، لاسيما وأن الحكم الدنيوي يجري على الظاهر، فمن تحقق كفره حُكم عليه بأحكام الكفار في الدنيا.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن مردَّ الأمر إلى مشيئة الله وعدله؛ وأن مقتضى العدل الإلهي ألا يُعذَّب من لم تقم عليه الحجة قياماً تاماً، لعجز حقيقي أو قصور. وليس الاجتهاد الخطأ ممن أوتي آلة النظر عجزاً معتبراً، بل هو داخل تحت بذل الوسع، والله يتولى الحكم فيه. والمطلوب التفريق بين من صدق في طلب الحق، ومن أعرض عنه أو قصّر. وأما تعيين الأعيان فمفوض إلى علم الله، مع بقاء أحكام الدنيا على الظاهر.
وعليه يمكن حمل النصوص الواردة في وعيد الكفار يوم القيامة على الكافر المعاند خاصة؛ إذ دلت نصوص أخرى على اعتبار العذر بالعجز، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وقوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وفي الحديث: أن الصحابة لما قالوها قال الله تعالى: قد فعلت(44).
«لم يفرق بين الخطأ القطعي والظني، بل لا يجزم بأنه خطأ إلا إذا كان أخطأ قطعًا» (45).
وأختم بقول الشيخ محمد بخيت المطيعي - رحمه الله - بعد أن ذكر المسألة والخلاف فيها، فقد قال كلمة فصل تجمع شتات هذا الموضوع، وتضع الأمور في نصابها الصحيح: «وعلى كل حال فقد علمت أن الجاحظ لا يخالف في أن المصيب في العقليات واحد، إنما يقول: إن المخطئ غير آثم ولو فيما ينفي ملة الإسلام، وإن كانت أحكام الكفر تجري عليه في الدنيا. ومتى كان الجاحظ قائلًا بأن من يخطئ وينفي ملة الإسلام كُلًّا أو بعضًا كافر في أحكام الدنيا، كان موافقًا على أن هذا مخطئ وكافر في الأحكام العملية في هذه الدار. وأما كونه بعد ذلك آثما كما يقول غيره، أو غير آثم كما يقول هو، فهو من أحكام الآخرة، والحكم فيها لله وحده»(46).
هوامش:
(1) فيصل التفرقة صـ 84، تحقيق محمود بيجو، ط 1، 1423 هـ - 1993 م.
(2) الإسلام عقيدة وشريعة صـ20، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 18، 1421 هـ - 2001 م.
(3) الإملاء على مشكل الإحياء صـ 170- 171، تحقيق عبد المولى هاجل، ط2، 1446ه، 2025م.
(4) الفصول في الأصول، (4/377)، نشر: وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1414هـ - 1994م.
(5) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي المعروف بالجاحظ البصري، المولود سنة 163 هـ، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. وتوفي سنة 255 هـ.
(6) هو عبيد الله بن الحسن العنبري، البصري، قاضي القضاة، كانت ولادته عام 100 هـ وتوفي عام 168 هـ. ثقة فقيه.
(7) نفائس الأصول في شرح المحصول (9/3842)، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، نشر مكتبة نزار مصطفى الباز، ط 1، 1416 هـ - 1995 م.
(8) هو داود بن علي بن خلف، الأصبهاني أصلًا، الكوفي مولدًا، البغدادي نشأة ووفاة. إمام المذهب الظاهري، ولد سنة 202هـ، وقيل غير ذلك. وتوفي سنة 270هـ.
(9) هو ثمامة بن أشرس النميري أحد معتزلة البصرة، كان له اتصال بالمأمون، وتنسب إليه الثمامية من المعتزلة، توفي سنة 213 هـ.
(10) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/603)، نشر دار الفيحاء – عمان، ط2، 1407 هـ.
(11) روضة الناظر وجنة المناظر (2/351)، نشر مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1423 هـ - 2002 م.
(12) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي» (2/172-173)، نشر دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، ط1، 1434 هـ.
(13) البحر المحيط في أصول الفقه (8/308)، نشر دار الكتبي، ط 1، 1414 هـ - 1994 م.
(14) شرح النووي على مسلم (12/14) نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392 هـ.
(15) المحصول للرازي (6/29)، تحقيق د. طه جابر العلواني، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3، 1418 هـ - 1997 م.
(16) المستصفى صـ 349، تحقيق محمد عبد الشافي، نشر دار الكتب العلمية، ط 1، 1413 هـ - 1993 م.
(17) «إن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية، إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور. وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط» المستصفى صـ 349.
(18) المستصفى صـ 350.
(19) المنخول من تعليقات الأصول صـــــ 559، تحقيق: محمد حسن هيتو، نشر دار الفكر المعاصر لبنان، ط3، 1419 هـ - 1998 م.
(20) تأويل مختلف الحديث صــ 96، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2، 1419 هـ - 1999 م.
(21) شرح النووي على مسلم (12/14)
(22) البحر المحيط في أصول الفقه (8/278-279)
(23) منهاج السنة النبوية (5/87)، تحقيق د. محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود، ط 1، 1406 هـ - 1986 م.
(24) الاعتصام للشاطبي، ط الهلالي (1/196)، تحقيق سليم بن عيد الهلالي، نشر دار ابن عفان، السعودية، ط 1، 1412 هـ - 1992 م.
(25) المستصفى ـصـ 349.
(26) المستصفى ـصـ 349.
(27) الإحكام في أصول الأحكام (4/178)، تحقيق عبد الرزاق عفيفي، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ط2، 1387هـ.
(28) شرح مختصر الروضة (3/611)، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشر مؤسسة الرسالة، ط 1، 1407 هـ - 1987 م.
(29) تنقيح محصول ابن الخطيب صـ 731- 732، رسالة دكتوراة، جامعة أم القرى، للباحث حمزة زهير حافظ.
(30) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي» (2/173-174)
(31) طوالع الأنوار للبيضاوي صـ 229، تحقيق: عباس سليمان، نشر دار الجيل بيروت.
(32) في نشر الطوالع صـ 544، تحقيق: محمد يوسف إدريس، نشر دار النور المبين، ط1، 1432هـ، 2011م.
(33) تبصرة الأخيار في خلود الكافر في النار مخطوط.
(34) رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي» (2/209-210)
(35) فتاوي معاصرة (42/ 559- 560)، ضمن موسوعة الأعمال الكاملة، نشر الدار الشامية بيروت، ط 1، 1444 ه، 2022 م.
(36) فتاوي معاصرة (42/ 563- 564).
(37) نهاية العقول (4/303- 304)، تحقيق: سعيد فودة، ط1، 1436هـ، 2015م.
(38) محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين صـ 237، تحقيق: طه عبد الرؤوف، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.
(39) القواعد الكبرى للعز بن عبد السلام (2/270)، تحقيق نزيه كمال حماد، وعثمان جمعة ضميرية، نشر دار القلم دمشق، 2000 م.
(40) تلخيص المحصول المعروف بنقد المحصل صـ 400، نشر دار الأضواء، بيروت.
(41) الإسلام: عقيدة وشريعة صـ 20.
(42) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، (2/295-297) بتصرف. نشر دار العاصمة، السعودية، ط 2، 1419 هـ - 1999 م.
(43) طريق الهجرتين، (2/899-902) بتصرف. تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي، نشر دار عطاءات العلم، ط4، 1440 هـ - 2019 م.
(44) رواه مسلم في الإيمان (126)، وأحمد (2070)، عن ابن عباس.
(45) منهاج السنة (5/91).
(46) سلم الوصول لشرح نهاية السول (4/658)، نشر دار الفاروق، القاهرة، ط1، 2011م.
بقلم: إسماعيل إبراهيم فيوض
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


