مشروعية التبرك بالآثار النبوية

مشروعية التبرك بالآثار النبوية

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ١٠ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ - ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٥
382

وقفت على تسجيل المرئي، للشيخ محمد المنجد، في بعض مجموعات الواتس، فعجبتُ لما سمعتُ فيه من إطلاق الأحكام الباطلة، وما كنت أظن أن الشيخ يتساهل في إطلاق مثل تلك الأحكام الجازمة الظالمة، بلا أدنى منهجية علمية.
لم يكن موفقا فيما قال، وليس في كلامه منطق علمي رصين، وإنما هو منطق القناعة السابقة والهوى المستحكم الذي حمله على إطلاق سِباب وانتقاص وازدراء وتكذيب، أساء فيه إلى ما لا يحصى من العلماء والفضلاء والأشراف الذين يحتفظون بشيء من الآثار النبوية عبر القرون، وإساءته إلى نفسه أبلغ.
فليت الشيخ تَنَبَّه إلى الوعيد القرآني على كلمة (كذاب أشر) التي أطلقها ظلما على بعض من لا يستحقها، فإن الحق سبحانه حكى هذه الكلمة عن مقالة كُفَّار ثمود، سبُّوا بها نبيهم صالحا عليه السلام. فتوعدهم سبحانه بقوله: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ} [القمر: 26]
وإلا فكيف يزعم أنه لم يبق بعد النبي صلى الله عليه وسلم من آثاره ثياب له ولا سلاح ولا شعر ولا قدح ولا آنية ولا ولا..؟!
فأين إذًا ذهبت ثيابه وآنيته وسلاحه..؟!
إلا أن يكون كل ذلك قد دُفن معه صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو أُتلِف بعده فورا بحرق أو تمزيق أو تحطيم...
ولا قائل بذلك.
بل إن الروايات الصحيحة المتظاهرة تثبت خلاف ذلك، وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
ثم أين ذهب شَعره صلى الله عليه وسلم، الذي أمر أبا طلحة أن يقسمه على الناس، بعد حلقه متحللا من حجته، صلى الله عليه وسلم؟
بل جاء فِي أكثر من رواية عند مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تولى بنفسه قِسمة بعض شَعره بين الناس.
ففي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ عند مسلم: قَالَ فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ بِالأَيْسَرِ فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ.
فهل كان عند الصحابة رضي الله عنهم توجيه يعلمه الشيخ المنجد، يقضي بأن يُتلِف كل واحد منهم ما أحرزه من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فور وفاته صلى الله عليه وسلم، مما جعل الشيخ يطمئن إلى إطلاق الحكم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعده أثرا يُذكر، لا ثيابا ولا آنية ولا سلاحا ولا شَعرا.. إلا القرآن؟!
ثم ما هذه المغالطة الموهمة التي تجعل الآثار النبوية في مقابل القرآن؟! وكأن الاعتناء بالآثار النبوية يستلزم الإعراض عن القرآن، وكذلك عكسه، فإما هي وإما هو!!
وهل يضيق أفق عاقل عن الجمع بين العمل بالقرآن، مع التبرك بالآثار النبوية الشريفة؟!
كيف، والإشارة إلى التبرك بآثار الأنبياء جلية في غير موضع من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]
وأختها التي في آل عمران: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} [آل عمران: 97]
وفي قصة طالوت وجالوت، يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 248]
قال القرطبي المفسر عند تفسيرها: قال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى. اهـ
وفي سورة يوسف، يحكي الحق مقالة يوسف عليه السلام: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يوسف: 93]
وكذلك كان، فإن الله تعالى قال بعدها في سياق القصة: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف: 96]
فهل كان الرسولان الكريمان يوسف وأبوه عليهما السلام، يفتتحان بذلك باب شرك وبدعة؟
وهل يصح بعد هذه النصوص القرآنية المحكمة، قول المنجد مستنكرا: ما تريدون بالقماش؟ ما تريدون بحديد السيف..؟!
والحقيقة أن هذا السؤال الاستنكاري من المنجد كشف عن الباعث على تكذيبه الظالم بوجود الآثار النبوية بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهو أنه لا يؤمن بالتبرك بتلك الآثار أصلا، ويراها بوابة إلى الشرك، كما أفاده كلامه.
وتلك القناعة التي هي أقرب إلى الوسواس المرَضي منها إلى الكلام العلمي، هي التي دفعته إلى إنكار مسلَّمات في صحيح السنة، ليخدُم قناعته وهواه. كما سنرى إن شاء الله.
فليست القضية أنه لا توجد آثار نبوية مطلقا كما ادعى المنجد. وإنما القضية أنه لا يحب وجود شيء من تلك الآثار التي تنغص عليه سابق قناعته.
والمسلِم حقا هو من يُسلم مقاليد هواه للحق، لا من يريد تطويع الحق لهواه.
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71]
وفي حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتي يكون هواه تبعا لما جئت به. ذكره الإمام النووي في أواخر الأربعين النووية وقال: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب (الحجة) بإسناد صحيح. اهـ
ووافقه الحافظ ابن حجر في فتح الباري فقال: أَخْرَجَهُ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَغَيْره، وَرِجَاله ثِقَات، وَقَدْ صَحَّحَهُ النَّوَوِي فِي آخِر الْأَرْبَعِينَ. اهـ فتح الباري - دار المعرفة (13/ 289)
فالإيحاء بأن العناية بالآثار النبوية والتبرك بها سيكون على حساب القرآن، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يترك بعده إلا القرآن... مغالطة مكشوفة.. وما أكثر مَن يقع في حبائلها!!
ثم إن قول الشيخ المنجد: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعده إلا القرآن. كلام غلط في منطق العلم.
فأين إذَن ذهبت العترة؟ وأين ذهبت السنة؟!!
إن كلامه منقوض بنص حديث مسلم عن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ، أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ. فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي.
وفي سنن الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي. قال الترمذي: وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ. وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
وفي سنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي، ومستدرك الحاكم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ.
أقول: فليس من العلم ولا من التوفيق في شيء، أن يقول قائل: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن.. وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تركتُ فيكم كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي.. وقال في حديث آخر: ... كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي.
ولكنها تبعات التغضب بلا قضية، والارتجال بلا رَوِيّة.
ثم قد تكرر في كلام الشيخ المنجد أن العلماء "نصُّوا" على أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يَبق بعده من آثاره شيء.! ولكنه لم ينقل لنا ذلك النص، ولا أحالنا إلى موضعه من كتب أهل العلم.!
ولا أظن أن عالما متورعا يتجرأ على هذا النفي الجازم من غير يقين.
وأنَّى له اليقين بذلك؟
نعم نحن على يقين بأن خاتمه صلى الله عليه وسلم قد فُقِد، سقط من سيدنا عثمان رضي الله عنه في (بئر أريس) كما هو ثابت في الصحيحين، ولم يُعثر عليه، مع أنهم نزحوا ماء البئر كاملا من غير طائل.
فلو ادعى مدَّع بعد ذلك أن عنده خاتمَ النبي صلى الله عليه وسلم، لبادرنا إلى تكذيبه بيقين.
ولكن هل عندنا أو عند أحد من أهل العلم، يقين بفقد جميع ثيابه، وجميع سلاحه، وجميع آنيته، وفقدِ كل شعرة من شعره الذي قسمه على الناس.. يوازي اليقين بفقد خاتمه صلى الله عليه وسلم؟!
هذا ما لا سبيل إليه.
فكان يجب أن يمنع الشيخَ المنجِّدَ دينُه وورعُه من الجزم بتكذيب كل من ادعى اقتناء أثر نبوي، دون أن يملك المنجد اليقين على كذب الدعوى، ودون أن يطَّلع على توثيق ذلك الأثر عند من ادعاه.
وكان يسعه أن يقول: لا أجزم في ذلك بتصديق ولا تكذيب.
وكل ما لم يُجزم بكذبه فهو محتمل للصدق ضرورة، والعكس بالعكس، وقد يملك غيرك ما لا تملكه من براهين صدق الدعوى. والمثبِت مقدَّمٌ على النافي. ومَن عَلِم حجةٌ على مَن لم يعلم.
وعليه أقول: إن تكذيب وجود الآثار النبوية بعده صلى الله عليه وسلم، بالمطلق من غير دليل، حكمٌ جائر باطل هو أولى بالتكذيب والرد.
ثم إنّ نفي التبرك بالآثار النبوية المادية بالمطلق، غير صحيح في منطق العلم أيضا.
فقد ثبت وجود آثار للنبي صلى الله عليه وسلم في عصر الراشدين ومن بعدهم.
وثبت حرص الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم على حيازة تلك الآثار، والتنافس في ذلك.
وثبت تبركهم بها في مناسبات عدة ثابتة في الصحاح، من غير أن يضيق صدر أحد منهم بذلك كما ضاق صدر الشيخ المنجد هداه الله، حتى أخرجه ذلك عن وقاره، وحمله على هذا السباب والاتهام والتهجم والتهكم، وعلى الأمثلة العجيبة، والخيالات الباطلة.
فإن دواوين السنة مشحونة بذكر الآثار النبوية وبقائها بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والتبرك بها في العهد النبوي، كما في العهود التالية.
ولو ذهبتُ أستقصي كل ما يتصل بهذا الأمر في المصنفات الحديثية لطال المقال جدا.
ولكني أقتصر على خمسة وعشرين حديثا هي بعض ما وقفتُ عليه من ذلك في الصحيحين أو أحدهما دون غيرهما، تجنبا لجدلية التضعيف والتصحيح.
وليعذرني القارئ في التطويل في ذلك، فإن حجم التضليل في هذه القضية، الذي يُضخ في وسائل التواصل في هذا الزمان، من جنس كلام المنجد الذي سمعناه، يقتضي هذا التطويل، لنجفأ ذلك الزبد الرابي، ويتضح الحق الراسخ لمن يبتغي الحق.


وإليكم الأحاديث في مواضعها من الصحيحين:


الحديث الأول: ترجم البخاري في أبواب (كتاب الخُمُس) من صحيحه فقال: بَاب مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَصَاهُ وَسَيْفِهِ وَقَدَحِهِ وَخَاتَمِهِ وَمَا اسْتَعْمَلَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، وَمِنْ شَعَرِهِ وَنَعْلِهِ وَآنِيَتِهِ مِمَّا يَتَبَرَّكُ بِهِ أَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ.. اهـ
ولاحظ قول البخاري: [مِمَّا يَتَبَرَّكُ بِهِ أَصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ]
قال الحافظ في الفتح عند هذه الترجمة: الْغَرَض مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ تَثْبِيت أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُورَثْ وَلَا بِيعَ مَوْجُودَه، بَلْ تُرِكَ بِيَد مَنْ صَارَ إِلَيْهِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ مِيرَاثًا لَبِيعَتْ وَقُسِّمَتْ. اهـ
ثم روى البخاري تحت هذه الترجمة، بسنده عن عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسٌ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ لَهُمَا قِبَالَانِ، فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ بَعْدُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمَا نَعْلَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


الحديث الثاني: ثم روى البخاري في نفس الباب بسنده عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كِسَاءً مُلَبَّدًا، وَقَالَتْ: فِي هَذَا نُزِعَ رُوحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


الحديث الثالث: ثم روى البخاري بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ عَاصِمٌ رَأَيْتُ الْقَدَحَ وَشَرِبْتُ فِيهِ.


الحديث الرابع: ثم روى البخاري بسنده إلى ابْن شِهَابٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا. فَقَالَ لَهُ: فَهَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا حَتَّى تُبْلَغَ نَفْسِي.
ووافقه مسلم على إخراجه.


الحديث الخامس: وعقد البخاري في أبواب (كتاب الأشربة) من صحيحه بابا قال فيه: بَاب الشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآنِيَتِهِ. وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَا أَسْقِيكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ؟ اهـ
ثم روى البخاري فيه بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ - في حديث طويل -: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِنَا يَا سَهْلُ. فَخَرَجْتُ لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَحِ فَأَسْقَيْتُهُمْ فِيهِ. فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْلٌ ذَلِكَ الْقَدَحَ فَشَرِبْنَا مِنْهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَوَهَبَهُ لَهُ. ووافقه مسلم على إخراجه.
قال النووي في شرح مسلم عند هذا الحديث: هَذَا فِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا مَسَّهُ أَوْ لَبِسَهُ أَوْ كَانَ مِنْهُ فِيهِ سَبَب، وَهَذَا نَحْو مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَأَطْبَقَ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَيْهِ مِنْ التَّبَرُّك بِالصَّلَاةِ فِي مُصَلَّى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّوْضَة الْكَرِيمَة، وَدُخُول الْغَار الَّذِي دَخَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْر ذَلِكَ، وَمِنْ هَذَا إِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَلْحَة شَعْره لِيَقْسِمهُ بَيْن النَّاس، وَإِعْطَاؤُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِقْوَة لِتُكَفَّن فِيهِ بِنْته رَضِيَ اللَّه عَنْهَا، وَجَعَلَهُ الْجَرِيدَتَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ، وَجَمَعَتْ بِنْت مِلْحَانِ عَرَقَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَمَسَّحُوا بِوَضُوئِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَلَّكُوا وُجُوههمْ بِنُخَامَتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْبَاه هَذِهِ كَثِيرَة مَشْهُورَة فِي الصَّحِيح، وَكُلّ ذَلِكَ وَاضِح لَا شَكّ فِيهِ. اهـ انظر شرح مسلم للنووي. (13/ 178)
قلت: ولاحظ قول النووي رحمه الله: [وَهَذَا نَحْو مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَأَطْبَقَ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَيْهِ..] ثم قارن ذلك بما ادعاه المنجد في التسجيل المذكور.!
وقال الحافظ ابن حجر عند شرح هذا الحديث في فتح الباري: وَفِي الْحَدِيث التَّبَسُّط عَلَى الصَّاحِب وَاسْتِدْعَاءُ مَا عِنْده مِنْ مَأْكُول وَمَشْرُوب، وَتَعْظِيمه بِدُعَائِهِ بِكُنْيَتِهِ، وَالتَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَاسْتِيهَابُ الصِّدِّيق مَا لَا يَشُقّ عَلَيْهِ هِبَته، وَلَعَلَّ سَهْلًا سَمَحَ بِذَلِكَ لِبَدَلٍ كَانَ عِنْده مِنْ ذَلِكَ الْجِنْس، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَوَّضَهُ الْمُسْتَوْهِب مَا يَسُدّ بِهِ حَاجَته. وَاَللَّه أَعْلَم. اهـ انظر فتح الباري - دار المعرفة (10/ 100)


الحديث السادس: ثم روى البخاري في نفس الباب، بسنده عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: رَأَيْتُ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ. قَالَ: وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ مِنْ نُضَارٍ. قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَتَرَكَهُ. [النُّضار: خشب جيد للآنية].


الحديث السابع: وروى البخاري في أبواب (كتاب الوضوء) من صحيحه بسنده عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ. فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
قلت: فانظر قول التابعيّ عَبِيدةَ السلماني: [لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وما فيه من معاني عمارة القلب بحب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قارن ذلك بالجفاء والجفاف في قول المنجد: ما تريدون بالقماش؟ ما تريدون بحديد السيف..؟!
الحديث الثامن: عقد البخاري في أبواب كتاب الوضوء من صحيحه أيضا بابا قال فيه: [بَاب اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاس..]

ثم روى فيه بسنده عن أبي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ. فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ.


الحديث التاسع: وقال البخاري في أبواب (كتاب اللباس) من صحيحه: [بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الشَّيْبِ.]
ثم روى بسنده عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ ... فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا.
قال الحافظ في الفتح عند شرح هذا الحديث: وَالْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ مَنْ اِشْتَكَى أَرْسَلَ إِنَاء إِلَى أُمّ سَلَمَة، فَتَجْعَل فِيهِ تِلْكَ الشَّعَرَات وَتَغْسِلهَا فِيهِ، وَتُعِيدهُ فَيَشْرَبهُ صَاحِب الْإِنَاء، أَوْ يَغْتَسِل بِهِ اِسْتِشْفَاء بِهَا فَتَحْصُل لَهُ بَرَكَتهَا. اهـ. انظر فتح الباري لابن حجر- دار المعرفة [10 /353]


الحديث العاشر: وقال البخاري في أبواب (كتاب الجنائز) من صحيحه: [بَاب مَنْ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ.]
ثم روى بسنده عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا... قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا!. قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ! قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ.


الحديث الحادي عشر: وقال البخاري في أبواب كتاب (سُترة المصلي) من صحيحه: [بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الْأُسْطُوَانَةِ].
ثم روى بسنده إلى يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ؟ قَالَ: فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. وأخرجه مسلم أيضا.
جاء في فتح الباري لابن حجر: وَالْأُسْطُوَانَةُ الْمَذْكُورَةُ حَقَّقَ لَنَا بَعْض مَشَايِخِنَا أَنَّهَا الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الرَّوْضَةِ الْمُكَرَّمَةِ، وَأَنَّهَا تُعْرَفُ بِأُسْطُوَانَةِ الْمُهَاجِرِينَ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: لَوْ عَرَفَهَا النَّاسُ لَاضْطَرَبُوا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ. وَأَنَّهَا أَسَرَّتْهَا إِلَى اِبْن الزُّبَيْر فَكَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. ثُمَّ وَجَدْت ذَلِكَ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ لِابْن النَّجَّار وَزَاد: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْش كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهَا. وَذَكَرَهُ قَبْلَهُ مُحَمَّد بْن الْحَسَن فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ. اهـ انظر فتح الباري - دار المعرفة (1/ 577)


الحديث الثاني عشر: في الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْرَابِي فَقَالَ: أَلاَ تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَبْشِرْ. فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِي: أَكْثَرْتَ عَلَىَّ مِنْ «أَبْشِرْ». فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلاَلٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا. فَقَالاَ: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا. فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلاَ مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَفْضِلاَ لأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا. فَأَفْضَلاَ لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.
قال الحافظ في فتح الباري: قَوْله: (وَمَجَّ فِيهِ) أَيْ: صَبَّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ الْمَاء فِي الْإِنَاء. وَالْغَرَض بِذَلِكَ إِيجَاد الْبَرَكَة بِرِيقِهِ الْمُبَارَك. اهـ فتح الباري - دار المعرفة (1/ 295)


الحديث الثالث عشر: في الصحيحين عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ.


الحديث الرابع عشر: في صحيح البخاري "في قصة الحديبية": فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ.


الحديث الخامس عشر: في الصحيحين عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي الْخَامِسَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِى. قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ وَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ.
"حِقْوَهُ": أي إزاره.
قال النووي في شرحه: وَمَعْنَى (أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ): اِجْعَلْنَهُ شِعَارًا لَهَا، وَهُوَ الثَّوْب الَّذِي يَلِي الْجَسَد، سُمِّيَ شِعَارًا لِأَنَّهُ يَلِي شَعْر الْجَسَد. وَالْحِكْمَة فِي إِشْعَارهَا بِهِ تَبْرِيكهَا بِهِ. فَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَلِبَاسهمْ. اهـ انظر شرح النووي على مسلم (7/ 3)
وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه في الفتح: قِيلَ الْحِكْمَة فِي تَأْخِير الْإِزَار مَعَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغْنَ مِنْ الْغُسْل، وَلَمْ يُنَاوِلهُنَّ إِيَّاهُ أَوَّلًا، لِيَكُونَ قَرِيب الْعَهْد مِنْ جَسَده الْكَرِيم، حَتَّى لَا يَكُون بَيْن اِنْتِقَاله مِنْ جَسَده إِلَى جَسَدهَا فَاصِل، وَهُوَ أَصْل فِي التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ. اهـ انظر فتح الباري لابن حجر- دار المعرفة (3/ 129)


الحديث السادس عشر: روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ أنها أَخْرَجَتْ جُبَّةَ طَيَالَسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةً لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَتْ: هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا.
قال النووي في شرح مسلم عند هذا الحديث: وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى اِسْتِحْبَاب التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَثِيَابهمْ. اهـ انظر شرح النووي على مسلم (14/ 44)
وقال النووي أيضا في نفس الموضع: وَأَمَّا قَوْلهَا: (وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ) فَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ: (وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ) وَهُمَا مَنْصُوبَانِ بِفِعْلٍ مَحْذُوف، أَيْ وَرَأَيْت فَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ. وَمَعْنَى الْمَكْفُوف أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا كُفَّة بِضَمِّ الْكَاف، وَهُوَ مَا يُكَفّ بِهِ جَوَانِبهَا وَيُعْطَف عَلَيْهَا، وَيَكُون ذَلِكَ فِي الذَّيْل وَفِي الْفَرْجَيْنِ وَفِي الْكُمَّيْنِ. اهـ


الحديث السابع عشر: في حديث الصحيحين عن ابن عمر: اِتَّخَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق، فَكَانَ فِي يَده، ثُمَّ كَانَ فِي يَد أَبِي بَكْر، ثُمَّ كَانَ فِي يَد عُمَر، ثُمَّ كَانَ فِي يَد عُثْمَان حَتَّى وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْر أَرِيسٍ، نَقْشه: مُحَمَّد رَسُول اللَّه.
قال النووي عند شرحه: فِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَلُبْس لِبَاسهمْ، وَجَوَاز لُبْس الْخَاتَم، وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَرِّث، إِذْ لَوْ وَرَّثَ لَدُفِعَ الْخَاتَم إِلَى وَرَثَته، بَلْ كَانَ الْخَاتَم وَالْقَدَح وَالسِّلَاح وَنَحْوهَا مِنْ آثَاره الضَّرُورِيَّة صَدَقَة لِلْمُسْلِمِينَ يَصْرِفهَا وَلِيّ الْأَمْر حَيْثُ رَأَى مِنْ الْمَصَالِح، فَجَعَلَ الْقَدَح عِنْد أَنَس إِكْرَامًا لَهُ لِخِدْمَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ التَّبَرُّك بِهِ لَمْ يَمْنَعهُ، وَجَعَلَ بَاقِي الْأَثَاث عِنْد نَاس مَعْرُوفِينَ، وَاِتَّخَذَ الْخَاتَم عِنْده لِلْحَاجَةِ الَّتِي اِتَّخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا؛ فَإِنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَلِيفَة بَعْده، ثُمَّ الْخَلِيفَة الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِث. اهـ انظر شرح النووي على مسلم [14 /67]


الحديث الثامن عشر: في صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يُؤْتَى بِإِنَاءٍ إِلاَّ غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا جَاؤوهُ فِي الْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا.
قال النووي في شرحه: وَفِيهَا صَبْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَشَقَّة فِي نَفْسه لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِجَابَته مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً أَوْ تَبْرِيكًا بِمَسِّ يَده وَإِدْخَالهَا فِي الْمَاء كَمَا ذَكَرُوا. وَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ، وَبَيَان مَا كَانَتْ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ التَّبَرُّك بِآثَارِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَبَرُّكهمْ بِإِدْخَالِ يَده الْكَرِيمَة فِي الْآنِيَة، وَتَبَرُّكهمْ بِشَعْرِهِ الْكَرِيم، وَإِكْرَامهمْ إِيَّاهُ أَنْ يَقَعَ شَيْء مِنْهُ إِلَّا فِي يَد رَجُل سَبَقَ إِلَيْهِ. اهـ انظر شرح النووي على مسلم (15/ 82)


الحديث التاسع عشر: في الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أَعْرَابِي فَقَالَ: أَلاَ تُنْجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَبْشِرْ. فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابِي: أَكْثَرْتَ عَلَىَّ مِنْ «أَبْشِرْ». فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلاَلٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا. فَقَالاَ: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا وَأَبْشِرَا. فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلاَ مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَنَادَتْهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَفْضِلاَ لأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا. فَأَفْضَلاَ لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً.


الحديث العشرون: حديث الصحيحين واللفظ للبخاري، عَنْ الصحابي الأنصاري عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ... فَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي فِي بَيْتِي فَأَتَّخِذُهُ مُصَلًّى. فَقَالَ: سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ لِي: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ فَصَفَفْنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قال النووي: وَفِي حَدِيث عِتْبَانَ هَذَا فَوَائِد كَثِيرَة ... وَمِنْهَا: التَّبَرُّك بِالصَّالِحِينَ وَآثَارهمْ، وَالصَّلَاة فِي الْمَوَاضِع الَّتِي صَلَّوْا بِهَا، وَطَلَب التَّبْرِيك مِنْهُمْ. اهـ انظر شرح النووي على مسلم (5/ 161)
وقال الحافظ ابن حجر: وَفِيهِ التَّبَرُّك بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ وَطِئَهَا، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَنَّ مَنْ دُعِيَ مِنْ الصَّالِحِينَ لِيُتَبَرَّك بِهِ أَنَّهُ يُجِيب إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَة. انظر فتح الباري - دار المعرفة (1/ 522)


الحديث الحادي والعشرون: حديث البخاري - في قصة استشهاد سيدنا عمر رضي الله عنه - عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ. قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ.. الحديث.
قال الحافظ عند شرحه في الفتح: وَفِيهِ الْحِرْص عَلَى مُجَاوَرَة الصَّالِحِينَ فِي الْقُبُور طَمَعًا فِي إِصَابَة الرَّحْمَة إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ، وَفِي دُعَاء مَنْ يَزُورهُمْ مِنْ أَهْل الْخَيْر. اهـ فتح الباري - دار المعرفة (3/ 258)


الحديث الثاني والعشرون: في صحيح البخاري عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ لِي: انْطَلِقْ إِلَى الْمَنْزِلِ فَأَسْقِيَكَ فِي قَدَحٍ شَرِبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَسَقَانِي سَوِيقًا، وَأَطْعَمَنِي تَمْرًا، وَصَلَّيْتُ فِي مَسْجِدِهِ.


الحديث الثالث والعشرون: في صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا وَلَيْسَتْ فِيهِ. قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا، فَأُتِيَتْ، فَقِيلَ لَهَا: هَذَا النَّبي صلى الله عليه وسلم نَامَ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ. قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا، فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا. فَفَزِعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا. قَالَ: أَصَبْتِ.
وفي لفظ عند مسلم أيضا قَالَتْ: هَذَا عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ.
وقد ترجم النوي لهذه الأحاديث في شرحه على صحيح مسلم فقال: [باب طِيبِ عَرَقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّبَرُّكِ بِهِ.]


الحديث الرابع والعشرون: في الصحيحين واللفظ لمسلم، عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّانِي فَيَقُولُونَ: هَلْ فِيهِمْ مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ثُمَّ يَكُونُ الْبَعْثُ الرَّابِعُ فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ.
قلت: وهذا الحديث أصل بالتبرك بالصالحين ممن ليسوا أنبياء ولا مرسلين.
ومما يدل على أن ذلك من البدائه عند العلماء الراسخين، ما نقلناه عن الإمامين الشارحين للصحيحين، النووي وابن حجر، في استباطاتهما من الأحاديث المتقدمة التي فيها التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نصَّا على مشروعية التبرك بآثار الصالحين. ولم يخُصَّا ذلك بآثار الأنبياء دون غيرهم من عباد الله الصالحين.


الحديث الخامس والعشرون: في صحيح البخاري عن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة.
أقول: أفليس في هذه الجمهرة من أحاديث الصحيحين مقنع للشيخ المنجد ولكل طالب علم، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك بعده آثارا منه كثيرة أثيرة، وأن الصحابة ومن بعدهم قد عظموها، وتنافسوا فيها، وتبركوا بها وانتفعوا ببركتها؟!
أم يرى المنجد أن كل هؤلاء كانوا مفتتحي باب بدعة وشرك؟!
وقد روى الترمذي في سننه - وصححه - عَنْ كَبْشَةَ بن ثابت الأنصارية، أخت سيدنا حسان بن ثابت، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ.
ترى ما الذي حمل هذه الصحابية الأنصارية على إفساد قِربتها بقطع فمها؟!
أجاب عن ذلك النووي رحمه الله فقال: وَقَطْعهَا لِفَمِ الْقِرْبَة فَعَلَتْهُ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدهمَا: أَنْ تَصُونَ مَوْضِعًا أَصَابَهُ فَم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُبْتَذَل وَيَمَسّهُ كُلّ أَحَد. وَالثَّانِي: أَنْ تَحْفَظهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالِاسْتِشْفَاء. اهـ شرح النووي على مسلم (13/ 194)


[ثبوت الآثار النبوية قرونا متطاولة بعد النبي صلى الله عليه وسلم]:
لا ينتهي عجبي من زعم الشيخ المنجد أن العلماء "نصُّوا" على أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يَبق بعده من آثاره شيء..!
فهذا الحافظ المفسر المحدث المؤرخ ابن كثير، المتوفى سنة 774 هـ قد عقد في تاريخه بابا قال فيه: [باب آثار النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يختص بها في حياته من ثياب وسلاح ومراكب]
ثم بدأ ابن كثير بذكر خاتمه صلى الله عليه وسلم، وما ورد فيه من الأحاديث والآثار.
وثنى بذكر السيف وما صحّ عند الشيخين من أنه آل أمره إلى زين العابدين علي بن الحسين، وأن المسور بن مخرمة سأل زين العابدين أن يجعل السيف عنده ليحفظه له.. وقد تقدم حديثه في الأحاديث التي أوردتها في هذا البحث.
وفي ثنايا الكلام عن السيف تحدث ابن كثير عن الدرع والمغفر والعمامة والعصا..
ثم تحدث ابن كثير عما ورد في نعليه صلى الله عليه وسلم من الأحاديث والآثار.. ثم عقَّب بقوله: قلت: واشتهر في حدود سنة ستمائة وما بعدها، عند رجل من التجار يقال له: ابن أبي الحدرد، نعلٌ مفردة ذُكر أنها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، فسامها الملك الاشرف موسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها، فاتفق موته بعد حين، فصارت إلى الملك الاشرف المذكور، فأخذها إليه وعظَّمها، ثم لما بنى دار الحديث الاشرفية إلى جانب القلعة، جعلها في خزانة منها، وجعل لها خادما، وقرر له من المعلوم كل شهر أربعين درهما، وهي موجودة إلى الآن في الدار المذكورة. اهـ البداية والنهاية - ابن كثير. (6/ 8)
وأذكِّرُ بأن الحافظ ابن كثير يتحدث عن وجود إحدى نعلي النبي صلى الله عليه وسلم في القرن الثامن الهجري.
فقارنوا رحمكم الله بين هذا، وبين زعم الشيخ المنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك بعده شيئا من آثاره!!
ثم قارنوا بين هذا النَّفَس الذي نجده في كلام ابن كثير مشحونا بالتعظيم والتكريم للآثار النبوية.. وبين النَّفَس الذي نجده في كلام المنجد مشحونا بالاستخفاف والتهوين والتهكم!!
هذا ثم تحدث الحافظ ابن كثير عما ورد في صفة قَدَح النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم تحدث عما ورد في المُكْحُلَة التي كان عليه الصلاة والسلام يكتحل منها.. ثم عقب ابن كثير على ما جاء في المُكْحُلَة فقال: قلت: وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي صلى الله عليه وسلم، اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين، فمن ذلك مُكْحُلَة، وقيل: ومشط وغير ذلك. فالله أعلم. اهـ البداية والنهاية - ابن كثير (6/ 9)
ثم تحدث ابن كثير في تاريخه عما جاء من الأحاديث والآثار في بردة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قال الحافظ البيهقي: وأما البرد الذي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن إسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار - يعني بذلك أول خلفاء بني العباس وهو السفاح رحمه الله - وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف، كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه، في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الابصار. اهـ
ثم ذكر ابن كثير في ثنايا ذلك العمامة السوداء التي دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وخبرها في الصحيحين. والكساء الغليظ التي قبض فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وخبره في البخاري. والخميصة التي كان صلى الله عليه وسلم يطرحها على وجهه عند النزع. وخبرها في البخاري أيضا. ثم قال ابن كثير: قلت: وهذه الأثواب الثلاثة لا يُدرى ما كان من أمرها بعد هذا. اهـ
أقول: وقارن رحمك الله، بين تورع ابن كثير وتحوطه لدينه في قوله: (وهذه الأثواب الثلاثة لا يُدرى ما كان من أمرها بعد هذا.) - ومعلوم أن نفي العلم ليس علما بالنفي - وبين تهور الشيخ المنجد وجزمه بتكذيب كل أثر منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ووصمه كل مدع لذلك بأنه كذاب أشر!!
وبنفس التحوط والورع تناول السيوطي رحمه الله تعالى هذه القضية في كتابه "تاريخ الخلفاء" فإنه عقد في مقدمته فصلا قال فيه: (فصل في شأن البردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت) ثم قال السيوطي: أخرج السلفي في الطيوريات بسنده إلى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن كعب بن زهير رضي الله عنه لما أنشد النبي صلى الله عيه وسلم قصيدته "بانت سعاد" رمى إليه ببردة كانت عليه، فلما كان زمن معاوية رضي الله عنه كتب إلى كعب: بعنا بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف درهم. فأبى عليه، فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء آل العباس. وهكذا قاله خلائق آخرون. وأما الذهبي فقال في تاريخه أما البردة التي عند الخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق في قصة غزوة تبوك: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أماناً لهم فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار". قلت: فكأنَّ التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خَلَقَ وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر. في إسناده ابن لهيعة. وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوساً وركوباً وكانت على المقتدر حين قتل، وتلوثت بالدم. وأظن أنها فقدت في فتنة التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى من تاريخ الخلفاء. (ص: 7)
فالأمر عند السيوطي في فناء البردتين المذكورتين، على الظن والاحتمال، وليس على الجزم واليقين، لكن بعد أن عُمِّرتا قرونا بيقين.
وفي كتاب (الآثار النبوية) للأديب الباحث المصري أحمد تيمور، نجد نفس الدقة في عدم النفي المطلق، ولا الإثبات الجازم.
فإنه عدَّد الآثار النبوية في إسطنبول، ثم قال: لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمِل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحداً من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها في الشكوك. اهـ الآثار النبوية (ص 78)
وقال في موضع آخر بعد أن ذكر قصة قسمة شَعره صلى الله عليه وسلم بعد تحلله من حجة الوداع: فما صح من الشعرات التي تداولها الناس بعد بذلك، فإنما وصل إليهم مما قُسم بين الأصحاب رضي الله عنهم، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها. اهـ الآثار النبوية. (ص 82)
فوددت أن الشيخ المنجد نحا هذا النحو، واحتاط لدينه فلم يجعل الظن يقينا، ولا الاحتمال جزما، ولم يقفُ ما ليس له به علم.
ولستُ أنفي أن يكون هناك آثار مكذوبة معلومة الكذب في نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
بل أقول: إن هناك أنسابا مكذوبة يدعي أصحابها الاتصال بالنسب الشريف إلى أحد الحسنين رضي الله عنهما. وقد عَرف كل من يَعرف هؤلاء المدعين أنها دعواهم باطلة لا رصيد لها من الواقع، وإنما هي أهواء ومنافسات اجتماعية وعشائرية وافقت رقة في الدين وجرأة على الإفك.
وقد تجد عندهم شهادة بذلك موقعة من بعض الهاشميين الذين يتكسبون السحت بهذا التزوير.
لكن وجود الانتحال والتزوير في النسب، لا يُسوِّغ لأحد نفيَ وجود النسب الشريف لكل من يدعيه، بذريعة أننا لا يمكننا توثيق ذلك بعد أربعة عشر قرنا! هذا لا يقول به إلا أحمق رقيق الدين جريء على قول الباطل.
فإن في أصحاب النسب الشريف من يحفظون أنسابهم ويعرفون تشجيرها وتسلسلها بيقين عبر القرون إلى أحد الحسنين ابني علي وفاطمة رضي الله عنهم.
وكذلك نقول في مسألة الآثار النبوية، فإن وجود الكذب المستيقن في بعضها لا يُسوِّغ لنا الحكم بكذب كل أثر منسوب إليه صلى الله عليه وسلم.
فإنَّ في الذين يقتنون الآثار مَن عنده توثيق تنقُّلِها عبر القرون.
وأذكر أني وقفت قبل بضع سنين، على بحث عن الآثار النبوية في مدينة حلب، يتحدث عن وجود شعرات نبوية عند وجهاء عدد من العوائل الحلبية ذات النسب الشريف، وهم يحتفظون بالحُجة على أن تلك الشعرات من شعرات النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبأسانيد انتقال هذه الشعرات من جيل إلى جيل، إلى أن انتهت إلى يد مَن هي تحت يده.
ومن هؤلاء العوائل آل البادنجكي، وآل حموية، وآل مكتبي، وآل الحربلي.. وغيرهم.
هذا بالإضافة إلى شعرات ثلاث أخرى، تُنسب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كانت محفوظة في حجرة في جامع حلب الكبير، الجامع الأموي الذي تعارف الناس على تسميته: "جامع سيدنا زكريا" عليه السلام.
ولكل شعرة من الثلاث، تاريخ يحكي قصة وصولها إلى ذلك المكان، الذي كانت محفوظة فيه حتى فُقِدتْ فيما فُقِد من نفائس مقتنيات ذلك المسجد الجامع، في تلك الحرب الشرسة التي شنها النظام النصيري على أهل السنة. وإلى الله المشتكى.
فالحاصل أنه إذا عُرض الأثر النبوي من شًعرات أو غيرها، ولم تكن هناك قرائن تثير الريبة، أو تقطع بكذب النسبة، فلا تحرم نفسك من التبرك بذلك الأثر.
ومعاذ الله أن يكون في ذلك افتتاح باب شرك أو بدعة كما ادعى الشيخ المنجد، كيف وقد تبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم أهل خير القرون، وقد استفاض ذلك كما في الأحاديث التي سبق ذكرها في هذا البحث.
والله أعلم.

العشرون من شهر ربيع الأول لعام 1447 من الهجرة الشريفة.
الموافق: 12/9/2025

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...