مساحة للتفكير: (شيخ الإسلام)

مساحة للتفكير: (شيخ الإسلام)

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ١٤ جمادى الآخرة ١٤٣٨ هـ - ١٢ آذار ٢٠١٧
818

هو لقب علمي تسمى به العشرات أو المئات من العلماء على مر التاريخ في الأصقاع الإسلامية. وكان آخرهم شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله تعالى.

هذا اللقب لا يفيد بالضرورة أن حامله أكثر علما من جميع علماء عصره . ولا يفيد أن كل من حازه حازه بإجماع أهل عصره فمن بعدهم . كما أنه لا يعني أنه نال هذا اللقب عن استحقاق وجدارة .فإن كثيرا من التلاميذ يغدقون على شيوخهم ألقابا علمية مبالغا فيها . فيجيء من بعدهم من الاتباع والأحباب فيتابعون من سبقهم . 

كما أن هناك علماء عظاما  وأئمة كبارا لم يلقبوا بهذا اللقب وهم أكثر علما ممن لقبوا به أمثال أبي حنيفة والشافعي والليث ومالك وغيرهم . لأن هذا اللقب لم يكن معروفا في سلف الأمة .وغاية ماكانوا يقولون : شيخ المحدثين .الإمام. إمام الأئمة. شيخ الفقهاء ونحو ذلك من العبارات.

يستنتج مما سبق أن من لقب بشيخ الإسلام في القرن السابع وما بعده ليس أكثر علما من أولئك الذين لم يلقبوا به .

وفي زمننا هذا صار هذا اللقب محجوزا باسم شخص واحد وحكرا عليه، وصار الكثير لا يذكرون ابن تيمية إلا مقرونا بهذا اللقب ، ويرون أن عدم إطلاق البعض لهذا اللقب على ابن تيمية هو انتقاص من مكانة هذا العالم. بينما تجدهم في الوقت نفسه لا يحرصون على إطلاقه على آخرين ممن لقبوا به قبل ابن تيمية أو بعده. ولا يرون ذلك انتقاصا من مكانتهم.

أدى هذا الامر إلى توهم البعض أن هذا اللقب خاص بابن تيمية وأنه حازه بإجماع العلماء لتفوقه على كل من سبقه أو أتى بعده من العلماء .

ثم تطور هذا الأمر حتى صار البعض حين يتناقشون في مسألة خلافية تذكر فيها آراء العلماء فيقول واحد منهم : لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول غير هذا .أو رجح القول الفلاني.

 وكأنه يقول : على الجميع ان يقولوا: سمعنا وأطعنا لشيخ الإسلام .وأن شيخ الإسلام إذا رجح قولا فهو الراجح لا محالة . وكأنه هو الناطق الرسمي باسم الإسلام .وأن جميع الآراء المخالفة له يجب أن تسقط .لأنها صادرة عمن هم دونه ممن لا يحملون هذا اللقب .

وهذا كله تجهيل وتضليل للناس ولطلبة العلم .بل هو إرهاب فكري للمتحاورين والمتناقشين.لأنه يوحي بأن شيخ الإسلام إذا تكلم وجب على الجميع أن ينصتوا . وأنه لا ينبغي أن يعلو صوت فوق صوته.ولا أن تقدم فتوى على فتواه.

أقول : إن الشيخ ابن تيمية هو أحد أعلام القرن الثامن الهجري - الذي كان زاخرا بالعلماء الكبار ممن هم دون ابن تيمية في الرتبة العلمية وممن هم مثله وممن هم فوقه- ثار حوله نزاع كبير في زمنه وإلى يومنا هذا . وخضع لعدة محاكمات علمية أمام أئمة المذاهب الأربعة في عصره بسبب اجتهاداته ومخالفاته. وقد تراجع عن بعض هذه الاجتهادات أمامهم وكتب خطه بذلك. ذكر هذا ابن حجر في ترجمته في "الدرر الكامنة" .

لذا فإن إطلاق هذا اللقب العلمي عليه كان موضع اختلاف شديد بين العلماء في عصره . رفضه الكثير منهم ، وأثبته له الكثير . ولكل من الفريقين وجهة نظر وجيهة ومعتبرة.

لذلك أرى أن على من يطلق هذا اللقب على ابن تيمية أن يطلقه أيضا على غيره ممن لقب بهذا اللقب - من باب الإنصاف والموضوعية - ومن يجردهم من هذا اللقب الذي نالوه بغير منازعة ولا اختلاف أن يجرد ابن تيمية منه أيضا. 

وعلينا -أهل العلم - أن نبين للناس أن ما رجحه ابن تيمية أوغيره ليس بالضروة أن يكون هو الراجح عند الله تعالى . وإنما هو اجتهاد منه كاجتهاد غيره يحتمل الصواب والخطأ.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف وأن يهدينا سواء السبيل . والله تعالى من وراء القصد .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...