يؤكد ابن خلدون في مقدمته أن من طبيعة العرب ( الذين لم يتحضروا التحضر الكافي ) أن من طبيعتهم الميل إلى الأمور السهلة وتجنب الأمور الصعبة، فكل مستصعب هم تاركوه إلى ما يسهل حسب عبارته.
هذا الحكم قد يعتبره البعض قاسياً ولكن الحقيقة أننا نرى اليوم شيئاً مما قاله ابن خلدون، فالمطالبة بالحقوق أسهل من القيام بالواجبات، والشكوى إلى الأمم المتحدة والحديث عن (المجتمع الدولي) و (حقوق الإنسان) أيسر من بناء المؤسسات القوية والفعالة التي تجعل المجتمع الدولي ينصت إلينا. *والحديث المستمر عن المؤامرة علينا من الغرب أو الشرق وأنها هي السبب في تخلفنا أهون من البحث عن أسباب الخلل عندنا وأسباب الضعف وكيفية العلاج*.
ومن الأدلة أيضاً ما نلاحظه في باب الاقتصاد من *الميل إلى استيراد الأشياء من الخارج، فهذا أسهل من تصنيعها* ومن وبناء المؤسسات التي تقوم بأود استثمار المال بالطرق الصحيحة .
وبعد ابن خلدون يأتي المفكر الجزائري مالك بن نبي ليتحدث عن ما يسميه *(ذهان السهولة)* ليقرر شيئاً قريباً من هذا، ومن الأمثلة على ذلك: استسهل العرب ما يدبر من مخططات صهيونية وغربية لاحتلال فلسطين، ورفعوا شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، وكانت النتيجة ما هو واقع اليوم. وبعيد الاستقلال (الظاهري) عن الاستعمار أو أثناء الكفاح ضد الاستعمار وقعت الشعوب العربية في فخ ( الانتخابات ) حيث أقيم لهم عرس يفرحوا به، وتصدر المشهد السياسي الانتفاعيون والانتهازيون الناهبون لثروة هذه الشعوب، ورفعوا شعارات هي كالعسل الذي يجذب الذباب، وتعودت هذه الشعوب على طلب الحقوق دون القيام بالواجبات، والسياسة التي تقوم على طلب الحقوق ليست إلا ضرباً من الخرافة، والحقيقة أن الشعوب ليست بحاجة للكلام عن الحقوق بقدر ما هي بحاجة لأن يُحدد لها الوسائل التي تحصل منها على هذه الحقوق، وهذه الوسائل هي الواجبات.
وفي هذه الأيام حيث نعيش الهجوم الفكري والاحتلالي من جميع أعداء الإسلام، في هذه الأيام عقد مؤتمر (غروزني) في الشيشان المحتل من قبل روسيا، وهدف المؤتمر المعلن توضيح من هم أهل السنة.
ورغم أن أهداف هذا المؤتمر ليست خافية على من عنده أدنى معلومة عن الحاضرين وعن الممولين، ورغم أنه مؤتمر له أهداف بعيدة وخطيرة لزرع الخلاف والكره، ومحاربة الإسلام الصحيح، الإسلام المقاوم لأهداف روسيا والغرب، ولا بد من فضح هذه الأهداف، فروسيا تريد إسلاماً يناسب الشعوب الإسلامية الخاضعة للإحتلال الروسي، والغرب يريد إسلاماً مستسلماً ، ويشجع صوفية خرافية لمواجهة منهج أهل السنة.
ورغم أهمية الرد على ما حصل في غروزني وبيان الحق في ذلك إلا أنني لاحظت أن بعض الدعاة والعلماء *أعطوه من الاهتمام أكبر من حجمه، بل زاد اهتمامهم به أكبر من الاهتمام بأمور هي أخطر وأعظم شأناً*، ويشعر القارئ أو المتابع لما يكتبون أنهم وجدوها فرصة لمعركة كبيرة جداً تذكرهم بالمعارك التي خاضها العلماء سابقاً ( وكانوا محقين بسبب ظروفهم يومها ) وكل هذا لأن الرد هنا أسهل من الأمور العملية المطلوبة ، من الجهود التي فيها التعب وإنفاق المال ، ايران ومليشياتها تقتلع أهل السنة من مدنهم وقراهم وتهجرهم لتغير الديمغرافيا السكانية كما فعل أسلافهم اليهود في فلسطين ، فهذا أخطر من مؤتمر غروزني ، ومقاومة المشروع الصفوي بحاجة إلى عمل وحركة ودعوة مباشرة في أقطار المسلمين ، وبناء المؤسسات التي تساعد على ذلك ، وغيرها من الأعمال المهمة التي تقف في وجه أهداف مؤتمر غروزني .
كل هذا لا يعني أبداً أني أقلل من خطر أهداف الذين حضروا مؤتمر غروزني ولكن من طبيعة الإسلام أنه يريد من أصحابه أن يختاروا طريق بذل الجهد والتعب ، وأن يدركوا بدقة ما هي الأولويات ومعرفة الأهم قبل المهم.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


