هذا المقال جزء من الفصل الثالث
من كتاب الأمة في زمن التحديات
(مقاربات ما بعد السابع في فقه النصر والتخليق الحضاري)
تأليف: عبدالباقي الديب
نص المقال
مرحلة التأسيس العقدي واصطناع الرجال(1).
نبدأ بتحرير المصطلحين بإجمال يعقبه تفصيل، وتوضيح، أما التأسيس العقدي في الإسلام هو عَقد قلب المتربي على تعاليم الوحيين. وأما اصطناع الرجال هو إعداد جيل بالتربية اللازمة لتحقيق الهدف المطلوب.
ويتحقق ذلك التأسيس حين يؤمن المتربي إيماناً راسخاً بإلهية الوحي، وهيمنته، وعصمته، وحاكميته في كل تفاصيل حياته، والفخر بالانتساب إليه، ودعوة غيره إلى الإيمان به، والبذل لتفعيله وإنفاذه، وأن يفعل ذلك كله تعبداً واحتساباً، كل هذا يكون محوطاً بتعظيم شأن الآخرة، وتهوين نعيم الدنيا وشقائها.
إن غرس هذه المفاهيم العقدية التأسيسية لا يتحقق إلا بدعوة مكينة في العلم، فقيهة بالواقع، عليمة بالنفوس، هذا المثلث الدعوي شرط في نجاح أي دعوة:
- علم عميق بموضوع الدعوة؛ فقشور العلم لا تجذب قلباً، ولا تبني عقلاً، ولا تؤسس لقناعات، ولا تدفع إلى حركة. إن العالم لا يكون عالماً إلا إذا رد كل فرع إلى أصله، ووصل كل قشر بجوهره، وإلا فكلامه صيحات فارغة، أو همهمات لا يلتفت إليها إلا مجاذيبه. إننا حين نسمع أحداً يتحدث عن النصر، فلا يفرق بين النصر، والغلبة، والقهر، فأنت أمام إنسان لا يستطيع أن يقنع أحداً يعيش في فترة استضعاف بقوله تعالى: "إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)" [غافر]، ولو حرر الكلمات من الغموض، وكشف عن جوهر معانيها، لتحقق الإقناع(2)، لو علمت أن حصول الخير هو خلاصة معنى النصر لأدركت أن غلام أصحاب الأخدود قد انتصر يوم موته بانتشار دعوته، وانهدام صورة الملك المغرور. ولأدركت أن الإسلام قد انتصر في مكة يوم انقبضت الدنيا، وانبسط البلاء؛ فلم يدخل في جيل التأسيس ضعيف. وجبر الله المسلمين في بدر بنصر، وجبر الله المسلمين في أحد بكسر، ومخطئ من لا يرى في البلاء إلا صورة الشدة، ومخطئ من لا يرى النصر إلا في قهر عدو!!!.
- وفقه دقيق بمطالب الواقع؛ فالداعية المنفصل عن واقعه شِقه ساقط، وقوله منسي، ونصحه متروك، ولن يلتف حوله إلا قلة من دراويشه، حين تجد داعية يدرس العقيدة كما درسها من عاش القرن الثاني الهجري، فيثير قضايا عقدية لا يستوعبها عوام الناس، ومكانها الطبيعي قاعات الدراسات العليا في الجامعات، إنك حين تحدث جمهوراً عن معنى الاستواء على العرش وهو يجهل المعاني الإيمانية، والتعبدية لأسماء الله الحسنى كنت كمن يدرب الأشل على رياضة كرة القدم، ولو أنصف لرتب الأولويات، إنك حين تحدِّث مجتمعاً مستكيناً عن رقة أبي بكر، ودموع الصحابة، ولا تحدثهم عن دولة أبي بكر، وإدارة عمر، وكرم عثمان، وشجاعة علي كنت كمن يصب الماء البارد على الثلج المتجمد، ولو أصبت لصببت عليه ماء ساخناً؛ ليتحول من سكون إلى حركة، ومن جمود إلى فعل.
- ثم خبرة عالية بالتكوين النفسي، والفكري لمن توجه الخطاب الدعوي إليهم، وهذه دقيقة أخرى، فلابد من الغوص في نفوس المتلقين؛ لمعرفة المدخل الذي يتسلل منه الداعية إلى خلجات قلبه، ثم الدخول إلى عقله في مساحة مشتركة يلتقي فيها عقل الداعية بعقل من يدعوه. لابد أن يدرك الداعية في عصرنا أنه أمام جيل تعرض لفيضان من المعارف المبتورة، والمعلومات اللقيطة، التي قرأها على صفحات التواصل الاجتماعي، لا يعلم لها أصلاً، ولم يطلع على مصدرها، ولم يوثق شيئاً منها، ولم يمررها على قنطرة العقل الناقد، لقد قرأ، فإذا وجد ما قرأ موافقاً لهوى نفسه؛ صدّق، واقتنع، ظن نفسه يعلم أشياء كثيرة، ومما هو مقرر أن الإنسان كلما زاد جهله، زاد شعوره ببساطة الأمور.
كان أن دُعيت للقاء جمع من الشباب الجامعي المثقف، كان ذلك في عام 2012م، ، واللقاء عن أهم النظريات الفلسفية التي شكلت الفكر الغربي، وكيف نستفيد منها في تلك المرحلة، ولأن اللقاء كان الأول مع هؤلاء الشباب، ولم أكن أعرف أحداً منهم، فأردت ألا أتهجم على عقولهم بما أريد قوله، وبخاصة أن من يعرفني منهم رآني خطيباً فوق المنابر أتحدث بالآية والحديث، وأغوص في معاني الأسماء الحسنى، فأنا عندهم الشيخ!!، وهم عند أنفسهم المثقفون!!، فطرحت سؤالاً يخص توجاهتهم الفكرية؛ لأسمع إجابات أفهم بها رأس من أتكلم معه، فقال أولهم: "أنا ليبرالي"، فقلت له: الحداثة الغربية لها واجهات ثلاث: الديمقراطية واجهة سياسية، والليبرالية واجهة اجتماعية، والرأسمالية واجهة اقتصادية، ولكن قل لي، هل أنت ليبرالي على المستوى العقدي، أم الاجتماعي، أم السياسي، أم الاقتصادي؟، فسكت، فعلمت أنه لا يعرف من الليبرالية إلا اسمها، إلا أنني وجدت مساحة مشتركة للحديث أشعرته أننا محتاجون لأن نفهم أكثر، ثم قلت له: "قد تظنني بعيداً عنك فكرياً، لكننا إذا تحاورنا قد لا يكون بيني وبينك إلا أقل من شبر". وهنا أرادوا أن يسمعوا أكثر، فعرضت لهم ملخصاً عن عصر الحداثة في أوروبا، وكيف انتقلت أوروبا من عصور الظلام إلى عصر تنويرهم، ثم كيف انتقلوا إلى ما بعد الحداثة، ثم انتقلنا إلى حديث عن نشأة اللبرالية فعقدت مقارنة بين الحرية والليبرالية، ثم مقارنة بين الشورى والديمقراطية، ثم بين الرأسمالية والنظام المالي في الإسلام، وانتهى اللقاء الذي طال، وكان ممتعاً في تجاذب الحديث، مفيداً بما خرج به كل منا.
أما اصطناع الرجال فأعني به إعداد جيل بالتربية اللازمة لتحقيق الهدف المطلوب. قال تعالى في معرض المن على سيدنا موسى – عليه السلام –: "وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)" طه. أي أن الله اصطفاه من بين الخلق، وهيأه لحمل الرسالة تهيئة تناسب الوظيفة، ثم كلفه بتبليغها لقومه، إن هذه المعاني نجدها في قوله تعالى: "إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)" طه. إن المسلم مكلف بثلاث تكليفات رئيسة هي:
- عبادة الله.
- وإعمار الأرض.
- ونشر الدين.
فيجب أن يُربى بمدخلات تربوية تعده للقيام بهذه الأهداف الثلاثة الرئيسة وما يتفرع عنها من مسارات فرعية بحسب المواهب الشخصية لكل فرد، وبحسب التكاليف الوظيفية الموكولة له.
إن كل الأنبياء، وكل أصحاب الدعوات الكبرى، وكل بناة الأمم، كانوا حريصين على اصطناع رجال يؤمنون بدعوتهم، ويعتقدون أفكارهم، ويضحون لأجل هدفهم، وهم لا يحرصون على هذا الاصطناع إلا لعلمهم بأن العقائد تظل حبيسة القلوب، وأن الأفكار تظل كلاماً لا فاعلية له حتى يحملها رجال يغيرون بها الواقع.
وقد كثرت الروايات التي تبين لنا طبيعة التربية التي تربى عليها جيل التأسيس، نختار هنا واحدة منها، روي البخاري منْ سيدنا خَبَّابٍ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»(3). هذه رواية الصبر، والبذل، والاحتساب.
والحاصل مما ذكرنا أن الجيل المؤسس هو النواة الصلبة الذي انعقد على الوحي قلبه، وعاشه واقعاً عملياً في كل تفاصيل الحياة، وحمله إلى الناس تعبداً، وتحبباً، وتحمّل في سبيل ذلك الأهوال ارتقاباً للنصر، واحتساباً للأجر، وليس له مطمع إلا رضا الله، إنه ارتقاب للحظة النصر، ارتقاب يؤمن أصحابه بأن النصر آت لا محالة، وأعظم النصر أن يقوم الدين في قلوب الناس، وأن يتعبدوا به لمن خلقهم، وأن تحكم شريعة الله في خلقه، وأن تُرفع رايته على أرضهم، وأن يستشعر الناس – كل الناس – رحمة هذا الدين في حياتهم وإن لم يؤمنوا به، فإن سبق الموت، ولم تأت لحظة النصر المرتقب، فإن عقيدة الاحتساب حاضرة، وهي تملأ النفس يقيناً، وراحة، والاحتساب هو المضاد الأول لليأس، والكسل، والندم، فالمحتسب لا ييأس ولا يكسل لأنه يؤمن أنه يعمل لهذا الدين لا لنفسه، وهو مطالب بالعمل وليس مطالباً بالثمر، فهو إن لم يصل إلى نقطة النصر فقد قطع مسافة إليها، ومهد الطريق لمن يكمل من بعده، والمؤمن إذا وصل فقد وصل أخوه، وإذا انتصر فالنصر غرس كلِ مَن بَذل، والمحتسب لا يندم فهو يعمل لله، ومن أخلص عمله لله لا يندم، فإن حصّل شيئاً من الدنيا فهذا من عاجل فضل ربه عليه، وإن لم يدرك شيئاً منها فالخير كله مذخور في الآخرة، وأرض الخير لا تبور.
إذا كان القرآن هو المعجزة الأولى لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن تربية الرجال على منهاج القرآن هي المعجزة الثانية، إن التلازم بين الوحي والرجال هو التلازم بين بين الفكرة والقوة، فالقوة هي تحول الفكرة إلى واقع معيش، وهو كالتلازم بين الأرض والبذور، فالبذور لا تكون شجراً إلا بأرض تحتضنها وتغذيها، وهو التلازم بين السقف والأعمدة، فلا يرتفع سقف إلا بأعمدة تحمله. إذن مرحلة التأسيس لأمة الإسلام قامت على أساسين كبيرين: الوحي، ورجال آمنوا بهذا الوحي إيماناً مطلقاً، بهذين تقوم الدعوة، ثم تنتشر، ثم تصطدم بمجتمع رافض في أغلبه، قابل في أقله، ويتدافع الفريقان الكبيران: أنصار الدعوة، وأعداؤها. وهنا تجد الناس على أصناف أربعة، هم:
- الأسرى عبيد المصالح، المصابون بالكبر، الملوثون بالحسد، المقيدون بالعادات، والتقاليد، وهم – في الغالب – أقوياء بأموالهم، متعالون بمكانتهم، محصنون بتشابك علاقاتهم، وقوة تأثيرهم، ويحسدون أي متميز من خارج دائرتهم، أو على أقل تقدير ينفرون من طريقته.
- الضعفاء الذين أضعفهم الفقر، وشوههم القهر، وحيرهم الجهل؛ فتشوهت جبلتهم، فالحياة عندهم نهار مكرور، وليل ميت، وعلى الجملة هي أيام لابد أن تمر ما دام الطعام موجوداً، والأنفاس تتردد.
- المستضعفون وهم أقوياء النفس، لكنهم قليلو الحيلة، يرغبون في الخلاص، يبحثون عن قيادة، وراية، فالفرق كبير بين الضعيف، والمستضعف.
- المنصفون الأنقياء الذين لم يتلوثوا بالكبر والحسد، ولم تستعبدهم المصالح، ولم تقولبهم العادات والتقاليد، وهؤلاء هم القادرون على الاختيار، المستعدون للتحدي، المهيئون لصناعة الحدث، لكنهم في عددهم قلة.
أمّا عبيد المصالح فيعادون الدعوة الجديدة حماية لمصالحهم، وصيانة لمكانتهم، أما فاقدو الوعي فيتبعون الناعق القوي، وأما المقهورون فقد مسخهم القهر فالصورة صورة إنسان، والمواقف مستغربة، وغالباً ما تجد في المقهورين نقيضين: انكسار، واستكبار، فهم خاضعون للقوي خضوع العبيد، ثم يبررون خضوعهم تبرير السادة، ويبرزونه على أنه حكمة، وذكاء، وفي ذات الوقت تجدهم طغاة يستقوون على الأضعف منهم؛ تفريغاً لطاقة القهر المكبوتة التي شوهت نفوسهم، ثم إن الذل قد سلبهم إرادتهم فهم يميلون مع ريح القوي، فهم في حقيقة الأمر لا وزن لهم ولا ثبات.
أما المستضعفون فينتظرون لحظة الخلاص، إن طول المدة لا يشوه الجميل بداخلهم، فالمستضعف ليس ضعيفاً، إنه في حقيقته قوي، لكنه وُضع في ظرف اجتماعي قاهر، وبيئة غير سوية، وليس لديه القدرة المعنوية على التحدي، وليس لدية القدرة المادية على التصدي، فيخمل انتظاراً للحظة قابلة.
وأما أهل الحق الأقوياء المخلصين فيثبتون، ويضحون، ويتحدون، ويتصدون، ويفقدون، ولا يتراجعون، ولا ييأسون إلى أن تتجسد الأمة واقعاً متين الأركان، عصية على الانهزام، لها أرض وحدود، ومنها رأس حاكمة، وفيها شريعة ضابطة، وقوة حامية، وشعب يستوعب ذلك كله.
في تلك المرحلة يتم التأسيس لعصر إيماني جديد بعقيدة جديدة، هذه العقيدة تنبت فكراً رشيداً مرجعيته الوحي، وشعوراً منضبطاً منبعه الحرص على إرضاء الله، وعدلاً حقيقياً منطلقه أحكام الشريعة، ونفساً قادرة على التفاعل، والتعايش، والتحدي، والتزكي، إنها تتحدي خطأ النفس فتطهر نفسها، وتتحدى التقاليد المجتمعية الخاطئة فتنخلع منها، وتسعى باذلة الجهد في الإصلاح سعي الشفيق على الناس الحريص على جلب الخير لهم بغير عنف، ولا صدام، وإنما بالحكمة، والموعظة الحسنة، أما استخدام القوة في الإصلاح، فكالدواء لا يكون، ولا يستخدم، إلا من طبيب يحدد الوقت المناسب، والمقدار المفيد. فالعقيدة الجديدة تصوغ شخصية تجمع بين الرقة والصفاء والصلابة، كأنما قد وِلد الإنسان ميلاداً جديداً، وقد قيل: "أحب القلوب إلى الله أرقها وأصلبها وأصفاها". ونحن نقول: أرقها حين تتعبد، وأصلبها حين تواجه، وأصفاها حين تتعامل.
هذه المرحلة تستهدف إعادة النفس البشرية إلى فطرتها الأولى كما خلقها الله بلا انتقاص، أو انتكاس، أو تشويه، ثم تغذية هذه الفطرة بمدخلات تربوية تصدر عن الوحي؛ وحين يتمازج الوحي بالفطرة، يخرج أفضل ما في الإنسان، ويخبو أسوأ ما فيه؛ فلا يظهر السوء منه إلا فلتة، ويستدركه حين يظهر. وبالتربية المستقيمة التي لا قهر فيها، ولا تقليد أعمى، ولا قولبة؛ تنكشف السمات التي ينماز بها الإنسان عن غيره؛ فيستثمر مواهبه، ويحقق ذاته، ويشعر بقيمته، ويحتضنه مجتمعه، فيرتبط به، ويعمل له، ويحرص عليه، وينمي تأثيره الإيجابي فيه، ويندفع مع أبناء مجتمعه نحو الهدف المشترك، فالتربية – إذن – شريكة الفطرة في تكوين شخصية الإنسان، ومن أعظم ثمرات التربية على هدي الوحي أنها تدفع الإنسان إلى أمرين كبيرين:
- الأول التعلم المستمر لترقية الذات، وتزكية النفس، واستدراك الخطأ، واستكمال الهدف.
- الثاني التحرك الدائم في دعوة الناس، وتغيير الواقع إلى الأفضل.
من طبيعة فترتي التأسيس، والاستئناف أنهما تقومان على قاعدة الشدة التي تغربل كل من يعيش فيهما، فلو تخيلنا الأمة بناء له قاعدة مبسوطة، وأعمدة مرفوعة، فالقاعدة شدائد مادتها خليط من الخوف، والقلق، والتشريد، والتهجير، والحصار، وتوقع القتل، حتى لا يدخل في قاعدة التأسيس خائف أو ضعيف أو طامع، فالخائف مضطرب، والمضطرب، لا يستقر وسيهرب حتماً، والضعيف متردد لا يثبت، والمتردد عاجز عن التأسيس، والطامع يسعى خلف مطامعه، فإن لم يجدها انقطعت أنفاسه، ثم ينتكس ولا يعود، كان ذلك الحال في كثير من المرتدين. وأما الأعمدة فعمودان كبيران هما:
- الأول تحقيق التوحيد في القلب، وتفعيله في حركة الحياة.
- والثاني نفي مطامع الدنيا من قلب النخبة المؤسسة، وإعدادهم نفسياً للتضحية وإعلامهم أن أجر المضحين على الله(4)، فإن أصابوا دنيا فهو خير عاجل، وإن ضحوا بلا عوض، فالموعد الجنة.
لقد تعدد تلك الروايات التي تتحدث عن طبيعة مرحلة التأسيس تبين طبيعة المجتمع الرافض، وسمات الوسط القابل، وانظر إلى ما رواه الحاكم في المستدرك من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوْسِمِ وَمَجَنَّةِ وَعُكَاظٍ وَمَنَازِلِهِمْ مِنْ مِنَىً «مَنْ يُؤْوِينِي، مَنْ يَنْصُرُنِي، حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي فَلَهُ الْجَنَّةُ؟»، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُؤْوِيَهُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مِصْرَ، أَوْ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ لَهُ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنَّنَكَ وَيَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَبَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أَدْرِي مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ جَاءُوكَ إِنِّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ فَلَمَّا نَظَرَ الْعَبَّاسُ فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ، وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَأْخُذْكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِيَ إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ عَنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ». فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ وَأَنَّ يَعَضَّكُمُ السَّيْفُ فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَيْهَا إِذَا مَسَّتْكُمْ وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ وَمُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا فَأَخَذَ عَلَيْنَا لِيُعْطِيَنَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ(5).
هذه الرواية التأسيسية توضح حقائق مركزية لابد من ذكرها ولو اختصاراً:
أولها: هذا الدين لا ينتصر بالمعجزات، وإنما ينتصر بالأسباب، جهد الرجال، تأمل قوله – صلى الله عليه وسلم – "مَنْ يُؤْوِينِي، مَنْ يَنْصُرُنِي، حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي فَلَهُ الْجَنَّةُ؟»، وقوله تعالى: "وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)" [الأنفال]. ولا تأتي المعجزة إلا إذا بذل الرجال كل جهدهم حتى لا يبقى في جهدهم جهد، وأخذوا بكل الأسباب كأنها كل شيء ثم توكلوا على مسبب الأسباب كأنها لا شيء، ثم ظهر فيهم عجز بشري لا حيلة لهم في دفعه، هنا تكون المعجزة.
ثانيها: وقت تحقق النصر مرهون بعلم الله وحكمته، وليس تابعاً لرغبة الإنسان وتقديره، فقد يطول البلاء، ويتأخر النصر حتى يقول المؤمن الصادق: "متى نصر الله؟!"، وقد تنفتح أبواب النصر انفتاحاً لم يكن في خيال الحالمين، وكلما عظم النصر كبر الثمن المدفوع فيه، ولابد للشهد من قرص الإبر، وتأمل قول سيدنا جابر – رضي الله عنه –: "أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوْسِمِ وَمَجَنَّةِ وَعُكَاظٍ وَمَنَازِلِهِمْ مِنْ مِنَىً". واستمر الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وفي غزوة الأحزاب بلغت القلوب الحناجر، وكان المسلمون بعد موت النبي – صلى الله عليه وسلم – وارتداد المرتدين كالغنم الشاتية في الليلة الباردة، ويصور هذه الرجفة ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية فقال: "أَشَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاس عَلَى الصِّديق أَنْ لَا يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ لِاحْتِيَاجِهِ إليه فيما هو أهمّ، لأنَّ ما جهِّز بِسَبَبِهِ فِي حَالِ السَّلامة، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَشَارَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَامْتَنَعَ الصِّديق مِنْ ذَلِكَ، وَأَبَى أشدَّ الْإِبَاءِ، إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ أنَّ الطَّير تخطَّفنا، والسَّباع مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ أنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لأجهزنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ(6)". ثم كانت الفتوحات، وانساح المسلمون في الأرض يفتحون ممالك كسرى وقيصر، وانهزمت أمامهم جيوش الأرض حتى سيطروا على أكثر من نصف الكرة الأرضية في أقل من نصف قرن، من البلاد ما فُتحت بغير سلاح وإنما بأخلاق التجار والزوار.
ثالثها: جَلَد أهل الباطل في الدفاع عن باطلهم، تقول الرواية: "حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مِصْرَ، أَوْ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ لَهُ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنَّنَكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ". وطبيعي أن يتحمس أهل الباطل لباطلهم بدافع المصلحة أو الكبر أو الحسد، أو الغرور، ولكن الغريب المستنكر أن يتكاسل أصحاب الحق، والأمر كما قال عمر: "اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة"، ولنعلم أن من سنن الله في كونه أن الحق لا يموت لكنه لا يسود ولا يقود إلا برجال يحملونه ويضحون لأجل إنفاذه، فهو نعمة لا يستحقها كل أحد. وتأمل قول الصحابة الملقبون بالأنصار: "حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَبَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ".
رابعها: من أخلاق الناقصين الحاقدين أن يصفوا الأكابر بأوصاف تقلل من شأنهم، وفاتهم أن الكلام الذي ينافي الواقع سهام تنطلق ثم ترتد إلى صدر قائله ولو بعد حين، وأن الوصف الذي لا رصيد له شين على ناشره وإن شعر بلذة النصر بعض الوقت، ثم فاتهم أن الناس بإنجازهم وآثارهم لا ما يقال عنهم فالأيام كواشف، إنهم ينعتون النبي – صلى الله عليه وسلم – بالغلام، وهو عندهم – من قبل – الصادق الأمين الذي لم يُعرف عنه طيش قط، وهو المرفوع الشأن مشهور النسب، إن كلمة الغلام(7) كلمة توحي بحداثة السن وطيش الفعال، تقول الرواية: "حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مِصْرَ، أَوْ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ لَهُ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنَّنَكَ". ويوم أحد صاح أبو سفيان قائلاً: "اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ، يَعْنِي آلِهَتَهُ، أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُجِيبُهُ؟ قَالَ: «بَلَى» فَلَمَّا قَالَ: اعْلُ هُبَلُ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ يَوْمُ الصَّمْتِ، فَعَادَ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ أَيْنَ ابْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ وَهَا أَنَا ذَا عُمَرُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ الْأَيَّامُ دُوَلٌ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ(8)". ورأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول حين مر عليه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في ظل، فقال: "قد غبّر علينا ابن أبي كبشة"، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: "والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب لئن شئت لآتينك برأسه". فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته(9)». ولعلك تسأل الآن: من أبو كبشة الذي ينسبون الرسول – صلى الله عليه وسلم – إليه؟!، هذا التساؤل هو عين ما قصده أبو سفيان، وابن سلول حين نسباه لأبي كبشة، فالمقصد من هذا النسب أن ينسبوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى شخص مغمور، والأصل أن يُنسب الإنسان إلى أبيه أو جده، وكان عبد المطلب جد النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو سيد قريش الأشهر، فلو أنصفوا لقالوا: "ابن عبد المطلب"، لكن الإنصاف عزيز في الأسوياء، فما بالك بمنه شوه فطرته بالكبر والحقد والحسد، فأبو كبشة أحد أجداده - صلى الله عليه وسلم - من جهة أمه، وقيل هو جده من جهة مرضعته حليمة، وقيل رجل خالف قريشاً فيما يعتقدون(10).
خامسها: لا غنى لأحد عن أرحامه، فالأصل أنهم النصح الذي لا يُشك فيه، وأنهم السند الذي تطمئن إليه، وقد اشتكي سيدنا لوط – عليه السلام – تجرؤ قومه عليه حيث لا عصبة له فيهم، فقال كما ورد في القرآن: "قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)". هود. وفي هذا قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، إِذْ قَالَ: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] فَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ نَبِيًّا إِلَّا فِي ذِرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ(11)». وحين حبس المسلمون ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ، سَيِّدَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: "عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ"، إن هذه العبارات الواثقة التي نطق بها ثمامة ما كانت لتخرج بهذا الثبات وهو حبيس إلا بناء على ثقته بعصبته؛ ولذلك لا تعجب إن رأيت العباس عم النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن مسلماً يوم حضر البيعة، لكنه ذلك حضر مع ابن أخيه؛ ليستوثق له، فإن فاتته عصبة الدين فلن تفوته عصبة الرحم، تقول الرواية: "فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أَدْرِي مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ جَاءُوكَ إِنِّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ فَلَمَّا نَظَرَ الْعَبَّاسُ فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟".
سادسها: الشباب روح وطموح وإقدام، حين قدم العباس مع الرسول – صلى الله عليه وسلم – في بيعة العقبة كان يتوقع أن يرى ذوي الأسنان من أهل يثرب، لكنه رأى شباباً نضراً فتياً، لا يعرف منهم أحداً، تقول الرواية: "فَلَمَّا نَظَرَ الْعَبَّاسُ فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟". ولو دقق العباس لعلم أن الحرب التي أشعلها اليهود بين الأوس والخزرج قد أكلت الزعامات المسنة، وذلك من لطف الله الذي إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه؛ فغلب الشباب على قرار أهل يثرب، وتراجع الشيوخ عن مواطن السيادة، والغالب في شأن الشيوخ أن يعيشوا في سربال العادات التي تعودوا عليها، والتقاليد التي تقلدوها وقلدوها حتى صارت عندهم ديناً، فكأن الواحد منهم يرتدي قميصاً من جبس أعجزه عن الحركة، ومنعه من تغيير أوضاعه، والعجيب أنه يظن الجبس قوة!!، أما الشباب فأكثر استعداداً للحوار، والإقناع، والتغيير، والمقارنة بين زعماء مكة الشيوخ، وزعماء يثرب الشباب خير دليل، وقد رُوي عنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أنه قَالَ: «طَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنَ الشَّبَابِ أَسْهَلُ مِنْهُ مِنَ الشُّيُوخِ» أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْلِ يُوسُفَ: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] وَقَالَ يَعْقُوبُ: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98](12).
سابعها: الإنسان الصادق يعيش مدفوعاً بهمه، متحركاً لتحقيق هدفه، مشغولاً بغيره، لا يعيش لنفسه فقط، راغباً في إمتاع الناس بما يتمتع به، حريصاً على مصدر هدايته، تقول الرواية: "حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، وَبَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ، فَرَحَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ.....".
ثامنها: إذا التقى الوحي الإلهي بالفطرة السليمة رأيت أموراً لا يفسرها العقل الباحث عن مصلحته، ولا الجسد الساعي خلف شهوته، ولا الحواس المحبوسة في ظرف الزمان والمكان، وإنما ذلك اللقاء الذي ذكرنا، وإلا فقل لي: "كيف طابت نفس الأنصار أن يأخذ النبي – صلى الله عليه وسلم – منهم دنياهم المنظورة كلها ويعدهم بجنة لم يروها؟!!"، تقول الرواية: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ، وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَأْخُذْكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِيَ إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ عَنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ».
تاسعها: الاتفاق الواضح الذي لا لبس في بنوده، والاستيثاق الصارم الذي لا تأويل لألفاظه هو الطريق الوحيدة لصحة العلاقة واستمرارها، وهو الحصانة من التخبط، وهو الحماية من العشوائية، وهو المانع من الوقوف في منتصف الطريق؛ لأن غموض بنود الاتفاق أشبه بمرض سرطاني يجعل الكيان يأكل بعضه بعضاً، فإذا تضخم تورم، وإذا تحرك تألم، وهزيمته تكون من داخله، وموته يكون انتحاراً، تقول الرواية: "فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ وَأَنَّ يَعَضَّكُمُ السَّيْفُ فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَيْهَا إِذَا مَسَّتْكُمْ وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ وَمُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا فَأَخَذَ عَلَيْنَا لِيُعْطِيَنَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ". كان هذا الوضوح هو سمة كل اتفاقات الرسول - صلى الله عليه وسلم – يقول ابن هشام: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم – بَنِي عَامِرٍ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وعرض عليهم نفسَه، فقال رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرة بْنُ فِرَاسٍ: وَاَللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمَّ قَالَ: أرأيتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أفَتُهدَف نحورُنا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ؛ فَأَبَوْا عَلَيْهِ(13).
عاشرها: الفاهم كلامه كالدواء، لا يخرجه إلا لسبب، ولا يبذله إلا لضرورة، تقول الرواية: "فَلَمَّا نَظَرَ الْعَبَّاسُ فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟". إن سيدنا العباس – رضي الله عنه- توجه بكلامه لشباب الأنصار، لكنهم لم يجيبوه، ولسان الحال يغني عن المقال، فإن كان لا يعرفهم، فهم لا يعرفونه، وما دامت المعرفة منفية، وهم لم يأتوا لمقابلته، فلا جدوى من التعارف والحوار، فتوجهوا مباشرة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم –.
والحاصل أن هذه أمة جمعها توحيد الله، وميزها الزهد في الدنيا، فانجمع لها الدين والدنيا، والتوحيد الذي نقصده هو ذلك التوحيد الذي تغذيه العبادات التي تضبط العلاقة بين العبد وربه، وتجدد الإيمان في القلب، ويثمر الأخلاق الحسنة التي تضبط العلاقة بين العبد وغيره من المخلوقات، وتقاوم شهوات النفس وهبّات الشياطين. والزهد الذي نقصده أن تكون الدنيا في يدك لا قلبك، فأنت متصل بالدنيا تفهم تفاصيلها لكنها لا تستوعبك وتعمرها لكنها لا تستعبدك، واحرص –أيها المسلم – أن تكون الأغنى والأقوى، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، فكن القوي بدينه، بعلمه، وأخلاقه، وماله، وسلاحه، وإنسانيته.
هوامش:
(1) انظر كتابي: المأمون بن هارون الرشيد (دراسة في الآثار السياسية والحضارية لفتنة خلق القرآن) الفصل الثاني وفيه تقسيم التاريخ الإسلامي.
(2) توسعت في هذا المعنى في بحث معنى النصر والقوة في هذا الكتاب.
(3) صحيح البخاري (9/ 20) رقم (6943).
(4) سوف نوضح هذا في مبحث آخر توضيحاً وافياً إن شاء الله كما في شروط البيعة وغيرها.
(5) المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 681) رقم (4251)، قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ جَامِعٌ لِبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، ووافقه الذهبي في التلخيص رقم (4251).
(6) البداية والنهاية ط إحياء التراث (6/ 335).
(7) (غَلَمَ) الْغَيْنُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حَدَاثَةٍ وَهَيْجِ شَهْوَةٍ. مِنْ ذَلِكَ الْغُلَامُ، هُوَ الطَّارُّ الشَّارِبِ. وَهُوَ بَيِّنُ الْغُلُومِيَّةِ وَالْغُلُومَةِ، وَالْجَمْعُ غِلْمَةٌ وَغِلْمَانُ. وَمِنْ بَابِهِ: اغْتَلَمَ الْفَحْلُ غُلْمَةً: هَاجَ مِنْ شَهْوَةِ الضِّرَابِ. وَالْغَيْلَمُ: الْجَارِيَةُ الْحَدَثَةُ. وَالْغَيْلَمُ: الشَّابُّ. مقاييس اللغة (4/ 387).
(8) المستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 324)، قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ».
(9) رواه الطبراني في الأوسط (234)، وابن حبان في صحيحه (429)، كلاهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
(10) واختلف في السبب الّذي كانت كفار قريش من أجله تقول للنّبيّ: صلّى اللَّه عليه وسلم: ابن أبى كبشة، فقيل: إنه كان له جدّ من قبل أمه، وهو أبو قيلة. وقيلة أم وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو من بنى غبشان من خزاعة، يدعى أبا كبشة، كان يعبد الشعرى، ولم يكن أحد من العرب يعبد الشعرى غيره، خالف العرب في ذلك، فلما جاءهم النبي صلّى اللَّه عليه وسلم بخلاف ما كانت العرب عليه، قالوا: هذا ابن أبى كبشة. وقد قيل: بل نسب إلى جدّ أبى أمه أمنة بنت وهب الزهرية، كان يدعى: أبا كبشة. وقيل: إن عمرو بن زيد بن لبيد النجاري من بنى البخار، وهو والد سلمى أم عبد المطلب، كان يدعى أبا كبشة فنسب إليه. وقيل: إن أباه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي زوج حليمة السعدية، كان يدعى أبا كبشة، فنسبوه إليه. له ترجمة في: (الاستيعاب) : 4/ 1738، ترجمة رقم (3143) ، (عيون الأثر) : 2/ 314، (زاد المعاد) : 1/ 114، (المستدرك) : 1/ 178.
(11) وفي رواية: «مَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ" انظر سنن الترمذي ت شاكر (5/ 293) رقم (3116).
(12) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 196).
(13) سيرة ابن هشام ت طه عبد الرؤوف سعد (2/ 51).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


