محمد خير موسى
في منتصف الطريق الواصل من دمشق إلى القدس يتّخذُ مخيّم درعا موقعه متأهباً للحظة رفع أسلاك الأخوة وتهديم أسوار الأعداء كي يسريَ إلى مدينة الرّوح ويعرُج في فضاءاتها.
كسرب حمامٍ تطير روحي كلَّ يومٍ إلى أجوائه المعمّدة بالشوق, أحطَّ على مئذنة مسجد " الحسين "، أرى بيوته المتراكمة كزفاف شهيد، وجدرانه المتلاصقة مثل أيدٍ تشابكت في مواجهة أمواجِ غربةٍ وقهرٍ متلاحقةٍ متسارعةٍ من زمن الخيمة إلى عهد الرّكام.
مثل أيّ عاشقٍ أتجول في زواريبه، لأرى فلسطين في كل شيءٍ فيه، جدرانه المزركشة بخربشات اللّجوء، وأسماء دكاكينه الحاملة قرى ومدن فلسطين اسماً يزيّن هاماتها، حتى مسجدها الذي سمّوه " مسجد القدس " ليَحثّوا الخطى اليها خمس مرّات في اليوم جيئةً وذهابا.
أراها في الأخاديد العميقة التي حفرتها أيام اللّجوء وسنوات القهر في وجوه القابعين على رصيف الانتظار، وعيونهم ترنوا إلى الوراء حيثُ العزّ والهناء.
أرى فلسطين في جنازات الأجداد والجدّات, حيث يبكي الجميعُ جزءاً من ذاكرته وهو يواريها في أطباق الثرى.
أراها في عربات الخضار التي ينادي فوق سواريها رجالٌ حملوا البنادق والموت على أكتافهم لأجلها يوماً, فسرق المتكرّشون في هوامش الزّمن بطولاتهم ورمَوهم للقهر في أزقة المخيّم الضيّقة.
أرى فلسطين في عيون الشّهداء الذين تَسْهَرُ صورهم مع النّاس في أزقة المخيم, ويحرسون شوارعه إذا اوى الناس إلى فراشهم.
أراها في شهامة ونجدة أبنائه لإغاثة الملهوفٍ، فإذا احتاج مريضٌ إلى دمٍ ينقذُ حياته فإنّ مستشفيات المدينة كلّها تعرف الطريق الى مخيم درعا, وما إن تصدح مآذنه بزمرة الدّم المطلوبة حتى ترى العشرات يصطفّون كلٌّ يريد أن ينعم بالفوز بأن يسري دمه في عروق الناس حبّاً وكرامة.
أراها في مخاطرة أبنائه بأنفسهم لإطعام جائعٍ أو انقاذ جريحٍ أو حماية مطاردٍ ومعاضدةِ ثائر, وما تزال صورة مخيم درعا ماثلةً للعيان وهو يزحف تحت وابل الرصاص وأحقاد أشباح الظلام مثل جسرٍ من الحبّ والوفاءِ إلى درعا البلد لينقل الخبز الذي أخذه من أيدي أبناءه ليضعَه في أيدي إخوانه, ويسقي أطفالهم الحليب من رضّاعات أطفاله, ويعصب جرحَهم الثغّاب أسىً وحسرة, في محاكاةِ جودِ حوران الدفّاق الذي غمرَ ستّين عاما, وقد حفرَ أهل حوران لوحةَ الوفاء هذه على جدار روحهم, بينما سجّلها الآخرون في دفتر غيظهم حتّى جاء الوقتُ الذي أثمرت فيه انتقاماً ودماراً.
أنقّل الخُطى في أزقة المخيم ملتقياً بعض أوتاده الذين يزرعون البركة في أطرافه، أرى في وجهه سمرة الأرض الطيبة، وفي جبهته عزّة الشّمس، وفي شروخ قدميه بؤسَ الأيّام المرّة, وفي تشقّق كفّيه عزّة الرّجال الذين أبَوا أن يطعموا أولادهم غير الحلال الطيّب الذي ينتزعونَه من بين أنياب الدّنيا بعرق جبينهم, وما أن أجالسه حتى تطير ذاكرته إلى أيام اللّجوء الأوّل , وتخالط ملوحةُ دمعه حلاوةَ كلماتِه وهو يفيضُ حديثاً عن المخيّم إذ كان خياماً تلعب بها رياحُ الأرق وتهزُّ حبائلها آهات الغربة.
ويرسم لك في لوحةٍ عجيبةٍ كيف صهرت الخيمةُ آلام من ذاقوا اللّجوء جميعاً وعَجَنَت أوجاعَهم لتغدو ألماً واحداً، ووجعاً واحداً كما هي الغربة واحدةٌ وبؤس المخيم واحدٌ يتجرّع مرارةَ كأسه جميع من غلّفوا أوطانهم بشغاف قلوبهم.
ينقلك في عربة الزمن وهيَ تمرُّ على المخيم في تحولاته كلّها، من الخيمة إلى الحجارة المرصوفة، إلى أبنية بلا أعمدةٍ إلا من الإباء وبلا كساءٍ إلاّ رداءً من عِزَّة النفس وكرامة الرجال.
كلُّ شيءٍ في المخيم تطور إلا " كَرْت الإعاشة " وقهره المستمرّ , وخُبثَه البذيء مثل زرقة دماء من ساندوا العدوَّ ثمَّ ألقَوا فتاتاً من مالِ الضحيّة إليها باسم حقوق الإنسان.
في مخيم درعا كلُّ شيءٍ مختلف، فعندما تنام الأحياء يصحو المخيم، وحين يأوي الناس إلى فراشهم إذا انقطعت الكهرباء تراهم في المخيم ينفرون في دقائقَ معدوداتٍ كباراً وصغاراً إلى الشوارع علّها تجلبُ لهم نسمةً يتنفسونها بعد أن توقفت المراوح التي كانت تخدعهم بإعادة زفرات همومهم الى وجوههم.
وفي الوقت الذي تختنق فيه الشوارع الكبيرة بسالكيها، تتسع أزقّة المخيم بجميع من يمرُّون فيها, فهي وإن ضاقت أمتارها, اتسعت روحها التي تشبه قلوبَ أبناء المخيم التي تتسع للناس جميعاً.
في مخيّم درعا يتشابك اللّجوء من فلسطين مع النزوح من الجولان ليغدوَ اللاجئون الفلسطينيون والنازحون السوريّون شيئاً واحداً لا تستطيع قوّةٌ في الارض الفصل بينهم, ففي المخيّم تتعانق آلامهم وآمالهم وصلواتهم وضحكاتهم المعجونة بالقهر, ودموعهم المتشابكة مع حكايا الوطن والهجرة.
كما تتعانقُ على أرضه حيثُ لم يكونوا يتوقعون أدمغةُ أطفالهم, واستغاثات نسائهم, وابتسامات شهدائهم في موكب الوداع الأخير .
مخيم درعا يحنُّ اليوم إلى مخيم درعا .. يحنُّ إلى ضحكات الأطفال المتراكضين في زواريبه يمتطون الفرحة المكلومة خيولاً تسرحُ بهم في حَنبات الواقع المقهور.
يَحِنُّ إلى ليلة السابع والعشرين من رمضان في رحاب مسجد الحسين والنّاس يعرجون إلى سموات السعادة التي يستدرّونها من القيام والقرآن وصيامٍ تعطّره ابتسامات الرّضا رُغم كلّ دعوات السُّخط من مَرَدَةِ الحرمان وشياطين الانتظار.
مخيّمُ درعا كان ينتظر دموعَ أبنائه التي تخالطُ دموعه صباح العيد, ولكنّ دموعهم هذا العيد كانت مختلفة, فهم لم يذرفوها كالمعتاد على فلسطين التي لاعيدَ لهم بغير تحريرها, ولا على شهدائهم الذين تركوا في القلب غصّةً تنهضُ من رقادها صباحَ كلِّ عيد, وانّما ذرفوها على مخيّمهم الذي يحول بينهم وبين عناقه تلك الخناجر المغروسة في كلّ ناحيةٍ من أنحاء جسده النازف.
مخيّمُ درعا يفتش عن نفسه بين ركام الحقد, عسى أن ينتشل أشلاءه من تحت أنقاض الذكريات ودمارِ الأحلام الجريحة.
مخيّمُ درعا يبكي شهداءَه الذين زرعَهم أبناء المخيّم في الحديقة الملاصقة ليقينهم أنّ الورودَ تُزرَعُ في الحدائق لا المقابر ,
ولكنّ الطغاة الذين يؤذيهم فَوحُ الأزاهير, ويؤذي أبصارَهم الحاقدة وبصائرَهم المطموسة جمالُ الورد, اقتحموا الحديقةَ, داسوا أزهارها, ونبشوا قبورَ ورودنا وسرقوها.
مخيّم درعا يبحثُ عن عبق إجْزِمْ, وبهاءِ عين غزال, وعطر صفد وقراها, ونسائم طبريا ومائها, وحنينُ الجداول في الجولانِ, حيثُ كان يغسلُ بذلك الهمّ عن شوارعه مثلما تفعلُ صور الشهداء.
ويشتاق إلى أحاديث المصلين وهم يغادرون " مسجد القدس " الذي هوت عليه قذائف غيظٍ كانت تريد هدم الاسمين معاً في الأعماق " المسجد والقدس ".
مخيم درعا .. يبحثُ عن أهله المكتوب عليهم المسير المتواصل في دروب اللجوء, وتجرّع مرارة النكبة على مدى ستين عاماً.
ولكن اللّجوء هذه المرّة كان أكثر مرارةً وأشدَّ إيلاماً, إذ لم تتمكن الأمّهات من وضع مفاتيح الدّار إلى جوار القلب كما في اللّجوء الأوّل.
ولم تترك القذائف للناس وقتاً لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على منزلٍ غدا نعشاً تتمدّدُ فيه أحلامً طالما رسموها في منامهم ويقظتهم.
ولم تمهلهم الطائرات التي طالما لوَّحوا لها بأيديهم وقلوبهم على أسطحة منازلهم أيام طفولتهم, فسرعان ما أطلَقت عليهم صواريخَ مقاومةٍ كانوا يحلمون أن يستقبلها عدوّهم المغروس على مرمى حجر.
مخيّم درعا فاجأته نيران الحقد وهو الذي اعتاد أن يشعل أنوار الحب والعلم للناس على الدوام.
مخيّم درعا اليوم , تلسع نيران غدرهم وجهه, وشظاياهم تفتح جروحاً عميقةً في صدره وروحه.
كانوا يحرقون كلَّ شيءٍ , ذكرياته, وأحلامه, والجدران التي رفعتها أيدي أبنائه بحنان الأبوّة يوماً.
مخيّم درعا يتوق إلى أبنائه الذين حلَّت مكان خطواتهم الحانية على صدره أقدامٌ ثقيلةُ الوطأة, وضحكاتٌ مسمومةٌ, وحواجز مرفوعةٌ, وأحقادٌ مصفوفة.
وأمّا أبناؤه الذين حملوا آلامهم فوق ظهورهم وانتشروا في ساحات القهر، فما فتئوا ينتظرون ساعة العودة إلى حيث تركوا قلوبهم مزروعة في كلّ زواريب المخيم مثل مناراتٍ على شاطئ العودة.
انتظروا نجدة الأهل والخلان ولو بكلمة, ولكن حتّى البياناتُ والخطاباتُ التي لا تطعم من جوعٍ ولا تؤمن من خوف لم تصل.
في مخيم درعا, صبّوا حقدهم مثل زيت الكاز على خيام اللاجئين ولكنّهم لم ينالوا شيئاً, صحيحٌ أنّ قذائفهم دمّرت كلّ شيء, البيوت والجدران والشوارع, ولكنّها لم تدمر في أعماقه إرادة الحياة.
لقد أحرقوا كل شيءٍ, عرائس البنات، ودفاتر العاشقين، وثياب العيد، وأعلام فلسطين، لكنّهم لم يحرقوا الرّوح الوثّابة نحو المعالي والمكارمِ وفلسطين .
لقد سرقوا كلَّ شيء, الأثاث، وأواني المطبخ، وأعشاشَ الحمام، و" كواشين " أرض الجليل وحيفا ويافا, ومفاتيح الدّور في صفد وطبريا والجولان, وجثامين الشهداء, ولكنّهم لم يسرقوا الذّاكرة.
وهاهي روح المخيّم تتعانق مع أرواح الشهداء وأرواح الصّامدين في وجه الطغيان والدّمار, وتشكّل قافلةً لا تنتهي تصهلُ في ميادين الذّاكرة, وتقسم أنها لن تنسى, ولن تسامح.
*المشرف على الموقع الالكتروني لهيئة علماء فلسطين في الخارج.