( القسم الثاني )
قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) [ آل عمران :62 ـ 63 ]
السؤال الثالث:
ما دلالة (مِنْ) في قوله تعالى: في الآية (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ)؟
الجواب:
1ـ هذه تسمى في اللغة (مِنْ) الاستغراقية التي تستغرق كل ما دخلت عليه، فقوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران: 62] استغرقت جميع الآلهة، وقوله تعالى : (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ) [المائدة: 19] تستغرق كل ما دخلت عليه.
2ـ عندما تقول: (ما جاءني رجل) فيها احتمالان: أنه ما جاءك رجل وإنما رجلان أو أكثر، و (ما جاءني رجل) أي: لم يأت واحد من جنس الرجال، لكن لا ينفي جنساً آخر.
أمّا عندما تقول: (ما جاءني من رجل) تستغرق الجنس بكامله، أي: لم يأتك لا واحد ولا أكثر من هذا الجنس.
السؤال الرابع:
قوله تعالى في الآية: (الْقَصَصُ الْحَقُّ) ما الفرق بين الحق والرُّشد؟
الجواب:
1ـ (الحقُّ) ليس مناقضاً للرُّشد، ولا (الرُّشد) مناقضاً للحق. الحق أعم من الرُّشد، ويوصف بالحق أحياناً ما لا يوصف بالرشد، ويُخبر عنه بما لا يخبر بالحق، نحو قوله تعالى:
ـ (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) [النساء: 6] هل يمكن أن يقال آنستم منهم (حقاً)؟ كلا.
ـ (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [البقرة: 61].
ـ (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) [آل عمران: 62].
ـ (وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ) [آل عمران: 86].
ـ (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ) [المائدة: 27].
ـ (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ) [الأنعام: 57]، لا يصح أن يقال: يقص الرُّشد.
ـ (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) [الأنعام: 62].
ـ (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ) [يونس: 32].
الحق أعمُّ من الرشد، وكلُ هذه الآيات لا يصح فيها الرُّشد، والحقُ يُذكر في أمور لا يصح فيها ذكر الرُّشد.
2ـ الأمر الآخر أنّ الرُّشدَ لا يُقال إلا في العاقل، فالعاقل يوصف بالرُّشد أما الحقُّ فهو عام، نقول: [القتل بالحق ـ هذا المال حق لك ـ الله هو الحق ـ الجنة حق والنار حق].
لذلك هنالك أمران: الحق أعمّ من الرُّشد يُخبر به عن الإنسان وغيره، ومن ناحية أخرى الرُّشد خاص بالعاقل.
إذن الرشد قسمٌ من الحق وليس الحق كله، وكلُ رشدٍ هو حق، لكن ليس كل حق رشداً، باعتبار أن الحق أعمُّ.
السؤال الخامس:
ما المعنى العام للآية ( 63 ) ؟
الجواب:
المعنى العام: فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ اتِّبَاعِكَ وَتَصْدِيقِكَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ التِي جِئْتَ بِها، وَلَمْ يُجِيبُوكَ إلى المُبَاهَلَةِ، فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِحَالِ المُفْسِدِينَ الذِينَ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى البَاطِلِ، وَسَيَجْزِيهمُ اللهُ عَلَى خُبْثِ سَرَائِرِهِم شَرَّ الجَزَاءِ.
والله أعلم .
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


