مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 314)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 314)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
230

قوله تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
[ آل عمران : 56ـ 57 ]

السؤال الأول:


في الآية (56 ) عندما تحدّث عن الكفار قال: (فَأُعَذِّبُهُمْ) بصيغة الحاضر، وعندما تحّدث عن المؤمنين في الآية (57 ) قال: (فَيُوَفِّيهِمْ) بصيغة الغائب ولم يقل: (فأوفيهم) والعمل كله لله تعالى، فلماذا قال في الأولى: (فَأُعَذِّبُهُمْ) وفي الثانية: (فَيُوَفِّيهِمْ


الجواب:


1ـ بدأت الآية السابقة رقم (55) بقوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) وكلمة (قال) هي للغائب، ولكن حينما نسمع (إِذْ قَالَ اللَّهُ) الله عزّ وجل حاضرٌ في القلب دائماً فهو حاضرٌ في قلبك، فصار عندنا: قال للغائب، والله حاضرٌ، فلوّنت العبادة بين غائب وحاضر.

وقوله تعالى: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) لفظة (إنّي) هنا للإفراد؛ لأنّ هذا أمرٌ لا يُنسب إلا لله عزّ وجل.


2ـ الآية (56 ) فيها حضورُ المتكلم، والسامعُ يستشعر الحضورَ كذلك، فقال: (فَأُعَذِّبُهُمْ) ؛ لأنّ العذاب هو في الدنيا والآخرة كما في نص الآية (فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) إضافة إلى أنه ليس لهم ناصر.
والآية (56 ) هي في سياق كلام الله سبحانه عن نفسه، انظر الآية (55 ) ، فناسب إسناد التعذيب إلى نفسه جرياً مع سياق الحديث عن النفس.


3ـ الآية (57 ): هذه الآية فيها بُعدٌ عن الآية الأولى، وهي في مقام الالتفات إلى الغائب، وبدأت بعبارة أخرى (وَأَمَّا) ولم يقل:(وَالَّذِينَ آَمَنُوا) مباشرة. وجاء الفعل بصيغة المضارع (فَيُوَفِّيهِمْ) لأنّ:


آ ـ الأجور تدفع بعد انتهاء العمل وليس قبله، إذن الأمر غائب.

ب ـ جاء الفعل (فَيُوَفِّيهِمْ) بالغائب ليتناسب مع غيبة الأجور.


4ـ جاء ختام الآية في الغيبة فقال: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) ولم يقل: أحبُّ، ولم يَرِدْ فعل الحب من الله تعالى في القرآن إثباتاً أو نفياً مسنداً إلى ضمير المتكلم (أنا) فلا يقول مثلاً: أنا لا أحب الظالمين، أو: أنا أحب الصابرين، وإنما يسند ذلك في الأغلب إلى لفظ الجلالة أو إلى الضمير فيقول: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأنعام: 141] (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف: 55].


5ـ في الآيتين تنوعٌ وتلوينٌ في الانتقال من الحاضر للغيبة ومن الإفراد إلى الجمع، وهو المناسب وليس الاستمرار بالحديث عن النفس.


6ـ هناك قراءة أخرى لشُعبة عن عاصم (فَنُوَفِّيهم) أي: للتعظيم؛ لأنّ وفاء هذا الأجر يكون له عظمة، وهذه القراءة تمهد للآية التي بعدها (ذَلِكَ نَتْلُوهُ) أيضاً بالجمع والتعظيم. والله أعلم.


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...