الرجل الذي وضعت القيود في قدميه عقوداً ومنع من السير ثم بدأ المسير للتو من الطبيعي أن تكون خطواته مضطربة وأن يتعثر، وهنا إما أن نصبر على تعثر خطواته ونشجعه على المسير ونعلمه كيف يمشي حتى تستقيم خطواته، أو أن نقول له أنت لا تصلح للسير ونجبره على القعود فيبقى مشلولاً إلى الأبد
اللسان الذي منع من الكلام عقوداً ثم أعطي فرصة التكلم لا بد أن يتلعثم في البداية وهنا إما نستخدم هذا التلعثم كمحفز لتعليم صاحب اللسان النطق السليم حتى ينطلق وتستقيم عباراته، أو أن نستخدمه مبرراً لإقناعه بأنه لا يصلح للكلام ونجبره على السكوت فيبقى أبكم إلى الأبد
العين التي عاشت في الظلام عقوداً، عندما يلامس النور أجفانها أول مرة ستتألم وتحمرّ وتدمع وترى الأشياء مغبّشة مشوهة وهنا أن نستخدم هذا الألم والغبش حافزاً لتشجيع صاحب العين على التأقلم مع النور حتى تتعافى رؤيته، أو أن نستخدمه مبرراً لإقناعه أنه من الأفضل أن يعود إلى الظلام للتخلص من الألم والغبش فيبقى أعمى إلى الأبد
أستطيع أن أطرح مزيداً من الأمثلة لكن أكتفي بما سبق وأنتقل مباشرة إلى الشاهد منها:
نعم الشعب السوري اليوم غير مهيّأ لانتخابات وحياة سياسية كما هو الحال في الدول المتقدمة، لديه ضمور في الوعي السياسي وفي المهارات اللازمة ليرتب صفوفه وليخرج قوى سياسية منظمة تعبر عنه وتتنافس فيما بينها لتحقيق مصالحه وهذا ضمور طبيعي بعد عقود من تعطيل الحريات فالعضلة التي لا تُستخدم تضمر، إذا قامت انتخابات غداً قد لا يحسن الشعب السوري الاختيار، وقد يكون قابلاً للخديعة ولأن تُشترى أصواته
نستطيع أن نستغل هذا الواقع لنقول إن الحرية والتعددية التي تعمل بين شعوب أخرى لا تعمل بين السوريين لأنهم متخلفون وبالتالي عليهم أن يرضوا بحكم الحزب الواحد والقائد الخالد وبالتالي نرسخ عند الشعب السوري قلة وعيه وضعف مهاراته وندفعه ليظن السوء بنفسه ونضعف ثقته بإمكانياته ونساهم في إبقائه على ما هو عليه بل في زيادة الضمور في عضلات الحرية والمسؤولية لديه بسبب تعطيلها
ونستطيع أن نجعل من هذا الواقع حافزاً لاستثمار سنوات المرحلة الانتقالية الخمس في توعية السوريين وتنظيمهم وتمكينهم وبناء مهاراتهم وقدراتهم حتى تصبح لديهم قوى مجتمعية وسياسية منظمة قادرة على التنافس الإيجابي في تحقيق مصالحهم وحتى يصبح لديهم القدرة على حسن الاختيار وعندهم حد أدنى من المناعة ضد الخداع وضد استغلال عواطفهم أو حاجاتهم المادية
أخيراً كلما كتبت حول هذا الموضوع تلوح في مخيلتي صور ضباط الأمن الذين كانوا يستدعونني قبل الثورة، أتذكرهم وهم يبتسمون بخبث قائلين: تريد حريات سياسية؟! وين مفكر حالك دكتور؟ بسويسرا؟ هذا الشعب ما بيمشي إلا بالعصاية، نحن أو الفوضى!.
بقلم: ياسر تيسير العيتي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


