محمد عمارة "الباقلاني"

محمد عمارة "الباقلاني"

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الاثنين، ٢٢ رجب ١٤٤١ هـ - ١٦ آذار ٢٠٢٠
655

أعمل منذ شهور على تحقيق أحد الكتب التراثية المهمة، في حقل الدراسات القرآنية، أصله كتاب للإمام العلامة محمد بن الطيب الباقلاني، أو ابن الباقلاني، المولود في البصرة في الثلث الأول من القرن الرابع الهجري، المتوفى في بغداد سنة 403هـ، رحمه الله، فكان أن تعرضت لقراءة ترجمته، والإطلال من نافذة التاريخ على ما احتفظ لنا به من ملامح حياته الباذخة.

وقد بهرني هذا الإمام، كما يحدث قطعًا لأي مطلع على سيرته، في جوانب عدة، كلها في خدمة الدين الحنيف، والذود عنه، والدفاع عن حياضه، ضد أهل البدع؛ من الرافضة والمعتزلة والخوارج وغيرهم، مرورًا بالملحدين والزنادقة، وصولًا إلى النصارى المجاورين للمسلمين حينئذ.

وفي أثناء الانهماك في هذا العمل فُجعنا صباح يوم السبت [5/7/1441هـ= 29/2/2020م] بنبأ هز الوجدان والأركان، ألا وهو نبأ وفاة العلامة الكبير، الأستاذ العملاق د. محمد عمارة رحمه الله، في الليلة التي سبقت هذا الصباح، فأبكت العينَ وفاتُه، وأدمى القلبَ رحيلُه.

ورحيل العلماء ثلمة كبيرة لا تسد بسهولة، وبخاصة حين يكون بقامة د. عمارة، الذي كان أمة وحده، إذ أفنى حياته العلمية والعملية في خدمة المشروع الإسلامي، التنويري الوسطي، ونذر نفسه ووقته في حياطته والذود عنه، فكان حارسًا أمينًا على أصوله، ومرابطًا يقظًا على ثغوره، كما كان حصنًا منيعًا، وجبلًا أشمَّ، في وجه المشروع العلماني التغريبي؛ بأفكاره، ورموزه، وراياته الزور المتنوعة.

ثم تلت ذلك أيام لم أستطع فيها أن أدفع عن نفسي ما استولى عليها من المقارنة المفضية إلى تشابه كبير، في عدة مناحٍ، بين الإمام الباقلاني والعلامة عمارة، فكانت هذه الكلمات.

أبرز ملامح هذا التشابه -باستثاء غزارة المؤلفات- أعتصره في أربع نقاط:

الأولى: صنع الله للباقلاني ولعمارة في النشأة والابتداء:

فالإمام الباقلاني خرج من بيئة رقيقة الحال، فلم يعرف في أسرته أو عائلته من اشتغل بالعلم من أب أو جد، بحيث يرث علمه ومقامه، إن صح أن يورثا، بل كان أبوه رجلًا بسيطًا (بالمعنى الدراج للكلمة)، يبيع الباقلاء (=الفول)، إلى حد أنه لم تعرف سنة ولادة الباقلاني على وجه التحديد؛ حيث لم يكن يؤبه له ولا لأبيه حينئذ، كذلك كان العلامة عمارة؛ حيث خرج من بيئة ريفية بسيطة، إذ كان أبوه مزارعًا، ولم يعرف في أسرته عالم أو داعية.

ثم صنع الله لهما ما صنع؛ فأعطي كلٌّ منهما همة لا يشق لها غبار، دونها خرط القتاد، فكان الباقلاني من أول ما وعى العلم وطلبه يواصل الليل بالنهار في تحصيله، وكان عمارة في فترة الطلب يقرأ ويقرأ حتى تختلط السطور وتتداخل على ناظريه، فيريح عينيه، ثم لا يلبث أن يواصل، وكأن المتنبي كان يعنيهما حين قال:

وإذا كانت النفوسُ كبارًا تعبت في مرادِها الأجسامُ

وكان من جراء ذلك أن حصَّل كل منهما ما لدى الخصوم من أصول مذاهبهم، ومقولاتهم المؤسِّسة لما عندهم، وشبهاتهم الناقدة لما عنده؛ فمن ثم استوعب الباقلاني ما عند خصوم أهل السنة؛ من معتزلة ورافضة وغيرهم، فضلًا عن الملحدين والزنادقة، وأهل الكتاب من النصارى، واستوعب عمارة ما عند خصوم المشروع الإسلامي السني؛ من العلمانيين التغريبيين بتنويعاتهم المختلفة، والشيعة الرافضة، فضلًا عن أهل الكتاب من النصارى.

الثانية: الوقت الذي أُخرج فيه الباقلاني وعمارة:

شهد القرن الرابع الهجري الذي عاش فيه الباقلاني ظهور وامتداد الدولة الفاطمية/العبيدية التي تعد أول دولة للشيعة الرافضة في التاريخ الإسلامي، حيث حكمت مساحة غير قليلة من رقعة البلدان الإسلامية حينئذ، وصحب ذلك استعلان دعوتهم، واستعلاء دعاتهم، وقد تدثر بهم بعض أصحاب البدع الأخرى كالمعتزلة، وارتفع صوت أهل الضلال من الملاحدة والزنادقة؛ فاتسعت رقعة الهجوم على أهل السنة، حتى وصلت السهام إلى أصل الأصول، وهو القرآن الكريم، محاولين النيل من تواتر نقله، وثبوت سوره، وفصاحة معانيه، وبلاغة نظمه.

فأُخرج لهؤلاء وأولئك من رحم الغيب من دافع عن الإسلام وأهل السنة، وصدَّ هجوم هؤلاء، وردَّ شبهاتهم، وأذهب بغيهم، وفي مقدمتهم الإمام الباقلاني، الذي وصف بأنه "سيف السنة ولسان الأمة"، وأنه "كان حصنًا من حصون المسلمين"؛ لما كان له من أثر يجل عن الوصف في هذا الجانب، حتى لقد وصف من قبل طائفة من العلماء بأنه مجدد القرن الرابع الهجري.

وبعد عشرة قرون، وفي القرن الرابع عشر الهجري= العشرين الميلادي، سقطت الخلافة العثمانية [سنة 1341هـ= 1923م]، وقد سبق ذلك ورافقه وأعقبه احتلال صليبي لغالبية العالم الإسلامي، ومحاولات لطمس الهوية الإسلامية، وفرض العلمانية، وبخاصة في البلاد العربية، وفي القلب منها مصر، ولم يخرج المحتلون الصليبيون من البلاد الإسلامية إلا وقد صنعوا على أعينهم (نُخَبًا!!) قائدة، ليستمر مشروعه، ويثمر غرسه، في تبني المشرع العلماني المادي؛ ومن ثم استعلن في مصر كلُّ كاره من العلمانيين للإسلام، ورُمي الدينُ العظيمُ أصولًا وحضارةً وثقافةً، تصريحًا وتلميحًا، بكل نقيصة، وبأنه السبب في تخلف المسلمين، وبأنه لم يعد مناسبًا للقرن العشرين، واستعد المشروع العلماني التغريبي لاستلاب مصر قلب العروبة والإسلام.

في هذا الزمن العصيب أُخرج من رحم الغيب، ومن حيث لا يحتسب هؤلاء، من يدافع عن المشروع الإسلامي، ويردَّ على شبهات خصومه، ويبيَّن حقائقه، ويجلِّى أحقيته في قيادة مجتمعاته، وجدارته -التي كادت تندرس في غبار تلك الشبهات- بأن يكون المرجعية لأتباعه، ومن هؤلاء العلامة د. محمد عمارة.

الثالثة: الباقلاني وعمارة: كاسحات الألغام:

لا يجد المرء وصفًا أبلغ من هذا التعبير المعاصر، لوصف عمل كل من الباقلاني وعمارة مع خصومهما، سواء في جانب التأليف، أم في جانب المواجهة في المناظرات العلنية، فكلاهما بحر هادر، وشلال جارف، لا يقف أمامه شيء، حيث يجيئان أولئك الخصوم من فوقهم، ومن أسفل منهم، ويأتيان على مقولاتهم من القواعد، فإذا سقوف شبهاتهم تخر عليهم، فلا يستطيعون ردًّا، ولا يحيرون جوابًا، ولا يقدرون على مطاولة، ولا يقوون على مواصلة؛ ولذا ما ناظر الباقلاني أحدًا إلا غلبه، وما واجه عمارة أحدًا إلا جعله كأمثال الذر.. كل ذلك مع ثبات جنانٍ، وفصاحة لسانٍ، ونصاعة بيانٍ، وتدفق معانٍ.

ولولا ضيق المساحة وشرط الإيجاز لنقلت جانبًا من مناظرات كل منهما، لكن "جوجل" و"يوتيوب" يسعفان السائل في الاطلاع على لمحة من هذا، فيما يتصل بعمارة، وبخاصة إن طلب منهما مناظرة معرض الكتاب، أو مقطع المواريث. أما فيما يتصل بالباقلاني فأنقل لك ما يلي:

قال الصاحب بن عباد: "ابن الباقلاني بحر مغرق"، وقال ابن برهان النحوي: "من سمع مناظرة القاضي أبي بكر، لم يستلذ بعدها بسماع كلام أحد من الفقهاء والمتكلمين، والخطباء والمترسلين، ولا الأغاني أيضًا؛ من طيب كلامه وفصاحته، وحسن نظامه وإشارته".

الرابعة: من حزن لموتهما، ومن فرح به:

وتنبئك هذه النقطة عن الموقع الذي كان كل منهما يقف فيه:

قد قيل في وفاة الباقلاني: "كان حصنًا من حصون المسلمين، وما سُرّ أهل البدع بشيء كسرورهم بموته"، وقد أمر شيخ الحنابلة في ذلك العصر أبو الفضل التميمي أن ينادَى بين يدي جنازة الباقلاني: "هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين"، وهذا حنبلي والباقلاني مالكي، لكن الشأن ها هنا شأن الدين الذي يجمع أتباعه، المخلصين له، الموالين لأوليائه، المناوئين لأعدائه.

وإن كنت مطلعًا على شيء مما نشر في هذه الأيام، فإنك واجدٌ لموت عمارة حزنًا عمَّ كل محب لدينه، عارفٍ بأقدار الرجال، فاقهٍ بخطورة الهجمة الشرسة على معاقل الإسلام، التي كان يراد لها أن تكون كاسحة، وواجدٌ دعواتٍ مخلصةً متواترة: أن يتغمده الله تعالى برحمته ورضوانه، وأن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وفي المقابل ستجد الفرحين بموته فئرانًا كان عمارة ألزمها جحورها، قد خرجت تظهر الشماتة، بألسنةٍ كسيحة، وسِحَنٍ مكفهرة، تظن أنْ خلا لها ميدان النزال، وما علموا أن الذي أخرج لهم عمارة قادر على أن يخرج لهم مثله، فالدين دينه، وهو ناصره ومظهره.

رحم الله الإمام الباقلاني ود. عمارة، وغفر لهما، وتقبل منهما، ورضي عنهما، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا أستاذنا لمحزونون.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...