محمد صلى الله عليه وسلم رسولُ الحرية 3 / 6

محمد صلى الله عليه وسلم رسولُ الحرية 3 / 6

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٢١ ذو القعدة ١٤٣٧ هـ - ٢٣ آب ٢٠١٦
810

 

 

[قصَّة بدء الوحي]

 

وعلى نهج المؤلف من مجانبة الدقة، وتحري الحقائق ساق قصة بدء الوحي على هذا النحو:

 

(ولكنه في تلك الليلة من رمضان أغفى قليلاً فنام، فرأى من يعرض عليه كتاباً ويطلب منه أن يقرأ. فقال له: ما أنا بقارئ)، ولكنه ألحَّ عليه أن يقرأ، فسأله: (ماذا أقرأ) فقال له: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ(4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5) ] {العلق}، وعندما استيقظ من نومه كان يحفظ ما سمعه في النوم، وبينما يستوضح حلمه فيما بينه وبين نفسه إذا به وهو بين اليقظة والنوم كأنه يسمع صوتاً من بعيد يقول له: يا محمد: أنت رسول الله، وأنا جبريل).

 

فالمؤلف – كما يبدو من كلامه – يحاول أن يؤكد أنَّ بدء الوحي إنما كان في النوم، وأنَّ الذي جاء محمداً إنما هو حلم، وهذا – كما قلت – تقصير في تحري الحقيقة، إلا إذا كان للمؤلف هدف آخر.

 

حديث بدء الوحي حديث معروف مشهور، روته كل كتب السُّنة، وها هو ذا كما رواه مسلم: (عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنَّ عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنَّها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الحق قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجَهْد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقال: قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم قال أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ(4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5) ]. {العلق}. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره..).

 

والحديث واضح في أنَّ الرسالة إنَّما جاءت للرسول صلى الله عليه وسلم يقظة والعلماء يقولون: إنَّما ابتدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه المَلَك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر. وقال العلماء أيضاً: والحكمة في الغطِّ شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له، وكرره ثلاثاً مُبالغة في التنبيه.

 

نعم جاء في بعض كتب السيرة أنَّ ذلك كان مَناماً، ولكن المحققين من العلماء ردُّوا هذا القول فلا ينبغي لمن يكتبون سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذه التحقيقات أن يتتبعوا بنيات الطريق.

 

وكما يجمح بالمؤلف خياله في تصوير حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يجمح به أيضاً في تصوير حياة أصحابه، ولعل أشنع ما وقع فيه المؤلف اتهامه لحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، ورميه بجريمة شنعاء.

 

فقد ورد في حديث صحيح رواه البخاري أنَّ سيدنا عليا كرَّم الله وجهه شكا حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه – أعني حمزة – جبَّ سَنامَي ناقتين له، وبَقَر خواصرهما، وأخبر على النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ حمزة في بيت معه شرب من الأنصار فذهب النبي صلى الله عليه وسلم مع علي، وزيد بن حارثة: (حتى جاء البيت الذي فيه حمزة رضي الله عنه فاستأذن فأذنوا لهم فإذا هم شرب فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه).

 

هكذا أورد البخاري الحديث في أول (كتاب الخمس) ثم أعاده عند الكلام على غزوة بدر، وزاد فيه – والضمير لحمزة – (وعنده قينة وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمزة الشُّرُف النِّواء) ([1]).

 

وكل ما في الروايتين أنَّ حمزة رضي الله عنه كان قد سكر، في جماعة من أصحابه، وكانت معهم مغنية تغني.

 

وقد كان ذلك قبل أن تحرَّم الخمر، ولكن المؤلف – كما قلت – جمح به خياله، فهو يقول: أن حمزة يعود إلى سلوكه السابق، وحياته القديمة من الخمر والغزل، بعد أن انقطع طويلاً عن حياة الليل، هكذا (حياة الليل)! وقد عاد (يجرع من متاع الحياة بظمأ غريب، لا يرويه شيء... حتى لقد ظلَّ ليلة كاملة يشرب الخمر، مع فاتنتين من بنات إسرائيل، رقصتا له، وغنَّتا، ومتعتاه، فغدا على المسجد يتحدث عن جمالها، ولا يخفى أنه استمتع بهما، كان يتطوح ويتضاحك، وهو يقبل على المسجد).

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

الحلقة السابقه هــــنا 

 

من كتاب: (تيارات منحرفة في التفكير الديني المعاصر ص 119).

 

 

([1]) الشرف – بضمتين – جمع شارف، وهو المستن من النوق، و النواء – بكسر النون – جمع ناوية، وهي الناقة السمينة.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...