[زيد بن عمرو بن نفيل]
زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين كانوا يتعبَّدون على ملَّة سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقد هجر عبادة الأوثان، وأطال البحث عن التوحيد الخالص، ونفر مما كان عليه قومه من باطل وزور.
وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال (زيد بن عمرو كان أمَّةً وحدَه) وقال يجيب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ابن عم زيد – حين سأله عنه – (غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم).
كل هذا حسن، ولكن مؤلف كتاب ( محمد رسول الحرية) يحاول أن يجعل من زيد سلفاً للرسول صلى الله عليه وسلم، يقتفي أثره، ويسير على نهجه، فهو يقول مُتسائلاً عن الرسول: (أهو مبشر جديد إذن مثل زيد بن عمرو ) ويُبدئ ويُعيد في هذا المعنى.
بل يبلغ به الأمر أن يضع محمداً صلى الله عليه وسلم في مُقارنة مع زيد بن عمرو، ويصرح في العبارة بتفضيل زيد.
يقول في صفحة 37 من الكتاب بعد أن ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان في أحد البلاد يعمل أجيراً بإحدى القوافل، وإن زيداً حلَّ هذا البلد باحثاً عن الحقيقة يقول بعد هذه المقدمة: (وعلى مائدة الطعام رفض زيدٌ أن يأكل ما ذُبح تحت قدمي تمثال أحد الآلهة وحاور محمداً.... أما محمد فأكل، ولكن زيداً آثر الجوع على الشبع من ذبيحة نحرت أمام صنم ولم يذكر عليها اسم رب إبراهيم).
وللقصة أصل في التاريخ، ولكن رواية المؤلف لها على هذا الوجه تجعلنا نتهمه بقصد الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل تجعلنا نؤكد أنَّه لا يُعنى بتحري الحقيقة عندما يتحدث عن هذا المقام الكريم.
ذكر البخاري هذه القصة، مُبهمة مرَّة، ومُفصَّلة مرَّة أخرى، ففي الأولى روى أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم دعا زيداً أن يأكل من سُفرة كانت قُدِّمت إليه فأبى زيد أن يأكل قائلاً: إني لا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
وفي الثانية روى عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (اسم موضع بالحجاز قرب مكة) قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقدِّمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه).
ففي هذه الرواية تصريح بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل وفي الأخرى إبهام، فليس فيها ما يدل على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أكل أو لم يأكل، فمن البدهي أن تحمل الرواية المبهمة على الرواية المفصَّلة.
على أنَّ العلماء قد أجابوا عما عساه يُفهم من الرواية الأولى، وكان من إجاباتهم أنَّها خالية مما يثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أكل.
قال السهيلي: فإن قيل فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أولى من زيد بهذه الفضيلة، فالجواب أنه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أكل منها، وعلى تقدير أن يكون أكل فزيد إنما كان يفعل ذلك برأي يراه، لا بشرع بلغه وأيَّاً ما كان فقد كان على المؤلف وهو يكتب كتاباً يُشيد فيه بعظمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينأى به عن مقام التفاضل، والحق أني لم أفهم لماذا عني المؤلف بتسجيل هذه القصة على هذا الوجه.
وكما حاول المؤلف أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم مُقلداً لزيد بن عمرو وغيره، ممن تركوا عبادة الأصنام حاول أن يثبت أنَّ محمداً أخذ (علمه) عن آخرين.
فالنبي صديق أبي بكر، وأبو بكر – كما يذكر المؤلف – ما زال يقرأ، ويحفظ كل ما ينتهي إليه، ويحول رحلاته التجاريَّة إلى فرص لمزيد من الاطلاع حتى أصبح اليوم أكثر فتيان قريش ثقافة. وفيم كان يقرأ أبو بكر؟ يجيب: كان يقرأ ما انتهى إليه من كتب الأولين!.
وطبيعي – عند المؤلف – أنَّ محمداً – صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن يعرف القراءة كان يأخذ عن صديقه أبي بكر ما قرأه في كتب الأولين، بل إنَّه – عند المؤلف – أيضاً – أخذ عن الأحبار والرهبان، فهو يقول: (لقد طالما تحدث محمد بن عبد الله مع صديقه أبي بكر ابن أبي قحافة في هذا كله – يريد ما عليه قومهما من ضلالات – ولقد رحلا معاً، وعانيا معاً، وشاهدا الرهبان والكهان في بلاد بعيدة، وسمعا معاً من الأحبار).
وليست هذه قط مصدر ثقافة محمد، بل إنَّ فتيان قريش ورجالها كانوا يجتمعون في ساحة حول رجل يروي لهم حكايات تلهب خيالهم المعذَّب وكان محمد قد شهد هذا كله.
وكان نتيجة لهذا كله – عند المؤلف – أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم أقبل ليملأ مكانه المرتقب مسلحاً بفهم كامل لطبيعة دوره، وبنظرية كاملة عن الحياة والموت، وبإدراك كامل لحاجات البشر المعذَّبين.
فكأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعدُّ نفسه لهذا العمل، وكأنَّه قبل أن يهبط عليه الوحي – قد رسم منهجاً دقيقاً لما يريد أن يعمله، وحسبنا بهذا إبعاداً في فهم طبيعة الرسالة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتلقَّ علماً عن أحد قبل النبوة ولا بعدها إلا عن الله عزَّ وجل، وقديماً ادَّعى المشركون أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يتعلم من بشر، فردَّ عليهم القرآن الكريم: [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ] {النحل:103}.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحلقة السابقة هــــنا
من كتاب: (تيارات منحرفة في التفكير الديني المعاصر ص 119).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


