محمد صلى الله عليه وسلم رسولُ الحرية 1 / 6

محمد صلى الله عليه وسلم رسولُ الحرية 1 / 6

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ١٩ ذو القعدة ١٤٣٧ هـ - ٢١ آب ٢٠١٦
868

 

هذا عنوان كتاب ألَّفه أحدُ العاملين في الصحافة وقد ضمَّنه مواقف من سيرة رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، واختار الأسلوب القصصي شكلاً عَرَضَ فيه هذه المواقف.

 

ولعلَّ القارئ المتوسط الثقافة يُدرك بدون عناء أنَّ الأسلوب القصصي يجني على الحقائق، ويُبالغ في تجسيمها وتلوينها.

 

وإذا ساغ هذا وهو عندي غير سائغ في عرض تواريخ الخلفاء والملوك والولاة والقادة – كما فعل جورجي زيدان في رواياته الإسلامية - ما رواه لا يسوغ في كتابة سير الأنبياء والرسل، ذلك أنَّ أي تزيد فيها، أو تحوير في نصوصها يعدُّ انحرافاً في التفكير الديني.

 

وقد بذل العلماءُ السابقون، والمعاصرون جهوداً مُضنية لتنقية سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاديثه من كل دخيل عليهما، فمن غير المقبول أن نقرَّ كاتباً على زيادته في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس منها، ونرى أنَّه من الحتم على كل من يوجِّه نفسه للكتابة عن الإسلام، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشعر بجلال الموضوع، وأن يقدِّر كل كلمة يُسطِّرها.

 

وعنوان الكتاب يوحي بادئ ذي بدء – بأنَّ المؤلف سيعمد إلى مواقف خاصة من مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم يتجلَّى فيها إقراره لمبدأ الحرية، ودفاعه عنها والمبادئ التي جاء بها، وأكَّد بها حق الإنسان في أن يكون حراً في عقيدته ونفسه وماله.

 

ولكن المؤلف لم يُبرز هذا الجانب، بل لم يَبدُ أنَّه يُعنى به عناية خاصة، وإنما عرض لطرف من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرَّخ لأكثر غزواته – في أسلوب قصصي طبعاً – دون أن يقف منبهاً ومشيراً إلى ما في هذه الغزوات من عناية الإسلام بالحريَّة في شتى مظاهرها.

 

ومع أني لا أميل إلى هذا النَّوع من العناوين؛ لأنَّ دعوة الإسلام لم تكن في جانب من جوانب الحياة الإنسانيَّة أظهر منها في بقية الجوانب، فقد عالجَ الإسلامُ كلَّ القضايا التي تشغل الناس في حياتهم من اجتماعيَّة وسياسيَّة، ودينيَّة، وأخلاقيَّة، كما بيَّن لهم طريقي الخير والشر، وأكد لهم أن هناك يوماً آخر يحاسبون فيه على أعمالهم، إلى غير ذلك مما عني به الإسلام: [وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا] {الإسراء:12}.

 

مع هذا كنت أحب للمؤلف أن يتجه في بحثه إلى ما ألزم نفسه به، وعنون له حتى لا يكون العنوان لمجرد اجتذاب القارئ.

 

وسواء كان الموضوع مُتفقاً مع العنوان، أو مختلفاً معه فليس هذا من مآخذنا على الكتاب، هذه المآخذ التي نُعنى بها في هذا الحديث، وإنما قدَّمتها لأنبه على خطأ في أسلوب التأليف شاعَ بين المؤلفين المحدثين الذين يرون التأليف عملاً تجارياً أكثر منه تعبيراً عن فكرة اختمرت في رأس المؤلف، وأحب أن يذيعها في الناس.

 

وأول ما نأخذه على المؤلف اعتماده الاعتماد الكلي على ما كتبه (المستشرقون) ولا أظنُّ أنَّ أحداً من الذين لهم أدنى دراية بأغراض الاستشراق ونشأته، وتطويره يجهل أنَّ هؤلاء المستشرقين لا يَلتزمون الأمانة العلمية، وأنَّ من أغراضهم الأولى محاربة الإسلام، وقرآنه ورسوله وتاريخه.

 

فمن الخطأ والخطر أنْ يعتمد مؤلف يكتب عن الإسلام – بعامَّة – وعن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم – بخاصة – على ما زوَّره هؤلاء الأعداء الذين يتخذون من قداسة البحث العلمي وسيلة للطعن والتجريح، بل لسوء الأدب، واستغلال الشعوب.

 

ولكن من المؤسف حقاً أنَّ بعض الكاتبين عندنا لا يَرون أوثق من هؤلاء وبعضهم يتابعهم عن هوى، ومرض نفسي، وآخرون يتابعونهم عن غفلة، أو عن شهرة للتعالم وأياً ما كان الدافع إلى الاعتماد على هؤلاء فهو جناية وطنيَّة قبل أن تكون جناية دينيَّة، ونحن نلوم – وبشدة – أولئك الذين يكتبون عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بروح هؤلاء المستشرقين وتوجيههم.

 

[قصَّة الفيل]

 

عرض المؤلف في كتابه لقصة (الفيل) ولهذه القصة أصل معروف، واضح صادق كل الصدق، فمن الانحراف في العقيدة أن تتابع أحداً يتجهم لهذا الأصل، ويحاول أن يعتسف في تأويله وتفسيره، أو يحاول – بخبث ومكر – أن يكذبه.

 

والمستشرقون قد حرَّفوا في هذه القصة، فادَّعوا أنَّ (أبرهة) الذي جاء بجيشه ليهدم الكعبة لم يكن يقصد مكة، وإنما مرَّ بها في طريقه لمحاربة الفرس مجاملة من الأحباش للروم، قالوا: والطريق الطبيعي الممتد من اليمن إلى حدود فارس يمرُّ بمكة، وينتهي عند وادي الرمَّة أحد روافد الفرات فيما مضى.

 

وزعموا أنَّ ما أصاب جيش أبرهة كان وباء جاء معه من اليمن، وأنَّ العرب أيقنوا أن ذلك أثر من تدخل العناية الإلهيَّة.

 

وزعم المستشرقون – كذلك – أنَّه لا يمكن وجود فيل أو فيلة مع جيش أبرهة؛ لأنه – كما زعموا – لا يمكن الاحتفاظ بالفيلة في اليمن، وتسييرها في صحارى نجران، وأنَّ الفيلة الأفريقية التي قد يكون الأحباش جلبوها إلى اليمن من الصعوبة ترويضها حتى أنَّ بعض الفئات من علماء الحيوان يرون استحالة ذلك، وأنَّ الأحباش لم يكونوا على دراية بترويض الفيلة.

 

هذه بعض مزاعم المستشرقين حول قصة الفيل، نقلتها عن كاتب كان مسلماً، وقد كان الواجب على كتابنا إذا عرضوا لمثل هذا الموضوع أن يرجعوا – أولاً – إلى القرآن الكريم ولتفاسيره، غير أنهم ينظرون إلى ما كتبه المستشرقون، فمنهم من يأخذ كل ما قالوه قضايا مُسلَّمة، وفي ذلك تردَّى بعض كُتَّابنا ومنهم من يأخذ بعضاً كما فعل هذا المؤلف.

 

فقد تابعهم في جزئيَّة من هذه الجزئيات، زعم – كما زعموا – أنَّ مكة قبل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم بقليل كان يغشاها الوباء (جاء مع أبرهة ملك الحبشة)، وأنَّ جيش أبرهة (لم يكد يتقدم حتى عصف برجاله الوباء الذي كان يعصف بمكة، فإذا برجال أبرهة يتساقطون مرضى بالجدري، ومعهم أبرهة نفسه).

 

وغير المؤلف يتخابث، ويتعالم، ويدعي أنَّ ذلك تؤيده المصادر العربية ويؤيده القرآن!.

 

قال أحد الكتاب في مقال له بمجلة الرسالة القديمة عدد 348:

 

(تقدَّم الأحباش بقواتهم شمالاً، لكنهم لم يكادوا يقربون مكة حتى ألمَّتْ بهم كارثة أودتْ بهم، وبعض المراجع العربية ترجح أن تكون هذه الكارثة هي تفشي الجدري في جيش الأحباش، والقرآن الكريم يؤيد كلام المؤرخين العرب). وزعم أن ذلك في كتاب الكشاف للزمخشري.

 

وواضح من كل ذلك – وهو كما قلت متابعة لتخريفات المستشرقين – القدِّ إلى تكذيب القرآن الكريم.

 

فالقرآن أثبت أنَّ الذين جاءوا بالجملة كانوا (أصحاب الفيل)، ومن البدهي أنه لا يصفهم بذلك حتى يكون معهم فيل، والمؤرخون العرب والغربيون لا يشكون في أن الجيش الذي جاء إنما هو جيش حبشي، والأحباش غير معروفين بالفيلة حتى نحمل التعبير (أصحاب الفيل) على أنَّهم شهروا بذلك، وإذن فلا يمكن إضافتهم للفيل إلا إذا كان في حملتهم فيل!.

 

والقرآن يُثبت أنَّ أصحاب الفيل كانوا يُريدون بمكة شراً: [أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ] {الفيل:2}، فهم قد جاءوا كائدين، والكيد لابدَّ أن يكون بالبيت الحرام، ولا يمكن أن يكون الكيد للفرس؛ لأنَّ الله لا يمنح عنايته لقوم وثنيين، ثم يمتن بهذه العناية، ويوجه إليها رسوله الذي بعثه ليدعو إلى التوحيد الخالص.

 

والقرآن يثبت أنَّ الله تعالى هو الذي أهلك جيش أبرهة فأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل.

 

ولا أدري ما الذي يدعونا إلى أن نلجأ إلى التأويل في مثل هذا، والقرآن قد صرَّح بأنَّ الله سبحانه أرسل طيراً، وأنَّ هذه الطير رمت الجيش بحجارة، وأنَّ هذه الحجارة هدَّت قوَّتهم، وجعلتهم كعصف مأكول، فما الذي يحدث لو آمنا بهذا كله على ظاهره؟ والحياة كل يوم تأتينا بالعجائب والغرائب التي تكاد تنكرها العقول لولا المشاهدة؟!.

 

ولكن الذي لاحظته أنَّ مؤلف كتاب (محمد رسول الحرية) يميل إلى تجاهل كل ما أيَّد الله جل وعلا به رسولَه صلى الله عليه وسلم من أمور غير مُعتادة، وسنعرض لذلك فيما يأتي من حديث.

 

أما زعمه هذا الكتاب من أنَّ الزمخشري يرجح – كغيره من بعض مؤرخي العرب – من أن الذي حلَّ بجيش أبرهة هو الجدري، فهو كذب واختلاق.

 

فالزمحشري لم يرجح هذا الرأي، بل لم يذكره بصورة تُناقش ما جاء في القرآن، وعبارته – كما جاء في تفسير سورة الفيل – (فأرسل الله طيراً سوداء، وقيل خضراء، وقيل بيضاء مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة)، وبعد أن يتحدث عن بعض الغرائب في هذا الموضوع يقول: (وعن أبي سعيد الخدري: من أصابته – يريد الطير – جدرته، وهو أول جدري ظهر على الأرض).

 

فالزمخشري فسَّر الآية – أولاً – بما هو الظاهر منها ثم أضاف – ثانياً – رواية عن أحد الصحابة لم ينفِ فيها أنَّ الله تعالى أرسل طيراً، بل جعل (الجدري) ناشئاً عن رمي الطير للجيش بالحجارة، فأين الترجيح في هذا الصنيع؟!.

 

الحق أنَّ بعض الكاتبين يريدون أن يفهموا القرآن على أهوائهم، بل هم لا يريدون بالقرآن خيراً، وربما أدَّاهم ذلك إلى الكذب والافتراء على المؤرخين وعلى المفسرين.

 

وهذا هو ما عرفته من كل مُنحرف: يرى الرأي ثم يبحث عن رواية أو قول يؤيده، فإذا وجده أشاد به دون أن يحاول معرفة درجته من الصحَّة، ولا بأس عنده أن يتكذب على الرواية أو يحرفها.

 

وإني لأعتقد أنَّ ما جاء به القرآن الكريم بما يحاول هؤلاء تحريفه أو تكذيبه لو جاء من طرق أخرى لآمنوا به، وناضلوا دونه، ولكنه الرغبة الدفينة في النفوس التي تبغي الحطَّ من الإسلام، وتشويه نصوصه، ولكنه – أيضاً – الحطب في حبال المستشرقين والإيمان الأعمى بهم، وبما يكيدون للإسلام؟.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

من كتاب: (تيارات منحرفة في التفكير الديني المعاصر ص 119).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...