محبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته

محبة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرته

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ٣٠ شوال ١٤٣٣ هـ - ١٦ أيلول ٢٠١٢
2013

بقلم: د.طه محمد فارس

لا أظن أن أحداً من المسلمين لا يعلم عظيم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجوب محبته واتباع شريعته، ووجوب تحكيمها في الحياة، على تفاوت بينهم في مقدار الاستجابة والتفاعل مع هذه المحبة.
كيف لا ؟ وهم يقرؤون ذلك في كتاب الله تعالى وهو يخاطبهم: ) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ( [ التوبة:34]، ويقرؤون كذلك: )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ...([ آل عمران:31] ، ويقرؤون قوله:) من يطع الرسول فقد أطاع الله ..( [النساء:80].
ويقرؤون في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم فيقول: « و الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده »‌ . [ أحمد البخاري والنسائي عن أبي هريرة].
ويقرؤون كذلك: « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . ‌ [ البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك] 
ويعلمون أن لذة الإيمان وطمأنينته لا يمكن أن تذاق إلا مع كمال المحبة لله ورسوله، وهم يقرؤون:« ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ». ‌ [ البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس]. 
ويرددون ما رواه عبد الله بن هشام رضي الله عنه عندما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:« لا ، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ». فقال عمر: فإنه الآن، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « الآن يا عمر » .
فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم من سيدنا عمر رضي الله عنه محبة جزئية منتقصة، لأنها لا تعبر عن تمام الإيمان وكماله، إنما أراد منه محبة كاملة تملك عليه كل كيانه، لتفيض بعد ذلك سلوكاً إيمانياً منسجماً  ومتوافقاً مع ما يحبه الله وما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فكمال محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتجلى في أقوال وأفعال وأحوال كل من يدعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومظهر المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم في الأقوال هو: الإكثار من الصلاة عليه، وذكر شمائله، والترضي عن آل بيته وصحابته، والتمثل بأقواله وحكمه صلى الله عليه وسلم، ونشر مبادئه وقيمه، وإظهار كمال وجمال شريعته، والرد على منتقصه، والدفاع عن شرعته......
وأما مظهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم بالأفعال فيتجلى: بطاعته واتباع سنته، وتمثل هديه في العبادات والمعاملات، كما يتجلى بالجهاد من أجل نصرته ونصرة دينه وملته، والعمل بكل ما يحبه ويرضيه، وتجنب كل ما يسخطه، والغضب مما كان يغضبه، ...
وأما محبته صلى الله عليه وسلم بالأحوال: فتتجلى بأن لا تزاحم محبة الأغيار محبته، بحيث يهيمن حبه على القلب، فلا يتقدم على محبته أحد من الخلق مهما قدره، ولا عَرَضٌ من أعراض الدنيا مهما غلا ثمنه، ولا لذة من لذاتها الفانية مهما بَعُدَ أثرها  
كما تتجلى محبة الأحوال باستنكار كل ما يغضب النبي صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو حال...
ولا شك أن ذلك الفيلم المسيء إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقته بأمهات المؤمنين الذي أنتجته جماعة من أقباط المهجر في الولايات المتحدة الأمريكية بالمشاركة مع ذلك القس الأمريكي المتطرف تيري جونز الذي سبق له أن تعمد الإساءة إلى الإسلام والمسلمين وذلك بحرق القرآن الكريم أمام الكاميرات يستدعي من كل مسلم أن يكون له موقف يعبر فيه عن غضبه واستنكاره وإدانته لهذه الإساءة المتعمدة، سواء كان ذلك بالقول أو الفعل أو الحال...
ولكن ينبغي التأكيد على أن ردود الأفعال هذه يجب أن تكون منضبطة ومنسجمة مع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز إيذاء أحد بجريرة غيره، فليس من ديننا قتل السفراء، ولا حرق أملاكهم ومقراتهم، ولا سبهم والنيل منهم بصورة أو أخرى.
كما ينبغي علينا ألا ننساق وراء ما يريده الآخر من ردود أفعالنا ليبني عليها ما يشاء له من مواقف تعود علينا بالضرر، وليس بخاف على كل من يقرأ مثل هذه الأحداث قراءة واعية إدراك النوايا الخبيثة من وراء هذه الأفعال، بل إنهم يقدرون ردود أفعال المسلمين ليحققوا من ورائها ما يشاءون من مواقف سياسية تعود على عالمنا العربي والإسلامي بالشر...، وما أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها على عالمنا العربي والإسلامي بخافية على كل ذي بصيرة يدرك اليد الخفية التي كانت وراءها، لتُتَخذ بعد ذلك ذريعة لشن حرب شاملة على كل ما يتعلق بالإسلام بحجة الإرهاب....
وأخشى ما أخشاه أن يكون من وراء هذه الإساءة محاولة للإجهاز على الربيع العربي وما تحقق فيه من انتصارات لم تكن ضمن حسابات كبار مجرميها، ليتخذوا من سوء ردود الأفعال ذريعة لهم لإجهاض هذا الحراك الشعبي ضد أنظمة الطغيان، وتشويه صورته، أو لتكون ردود الأفعال الغاضبة حجة لهم وتكأة أمام شعوبهم لتبرير خذلانهم للشعب السوري الذي يذبح ويدمر أمام مرأى من الناس ومسمع.
وربما يكون من جملة أهدافهم حرف النظر وإشغال العالم الإسلامي عما يجري من مجازر ومآسي يندى لها جبين الإنسانية  ..  
ومهما تكن غايتهم وهدفهم فلا بد لنا أن نكون على مستوى الأحداث التي تجري في عالمنا الإسلامي والعربي يقظة وفهماً، وأن تكون محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة متكاملة شاملة .....، لا تجزيئية انتقائية..
فليس هناك من فرق في التعبير عن محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته، بين رفض واستنكار ما يمس بعظيم منزلته، وبين استنكار ورفض ما ينال بعضاً من أفراد أمته، فهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وهو الرحمة المهداة، وهو الذي يغضبه ويسخطه ما نشهده كل يوم من سفك للدماء، وهتك للأعراض، وهدم للمساجد، وإجبار للناس على التلفظ بألفاظ الكفر ...، على مرأى من الناس ومسمع......
فلماذا لم نشهد أمام كل هذه الجرائم التي تسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغضبه حراكاً شعبياً إسلامياً يوقف حمام الدم، وحملات الدمار على أرض النبوات ومهد الرسالات وشام الرسول التي أحبها؟؟؟

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...