منذ أكثر من ألف عام، أتم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- كتابه القيم المتميز «الجامع الصحيح»، ليكون أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. واليوم، تُواصل المعاهد الإسلامية والمؤسسات العلمية حول العالم هذا الإرث العظيم بعقد مجالس ختم صحيح البخاري، والتي تُعدّ من أهم المناسبات العلمية. في مدينة ليستر البريطانية، اجتمع العلماء وطلاب العلم لإحياء هذا التقليد العلمي العريق. ويقيم في ليستر آلاف المسلمين، حيث تضم عددًا كبيرًا من المساجد والمدارس والمعاهد الشرعية. كما يتمتع المسلمون في هذه المدينة بنشاطات دعوية متنوعة. ويعيش فيها علماء ومشايخ كبار، من بينهم العالم المحقق الشيخ محمد أيوب السورتي، الذي اعتنى بنشر تراث العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد يونس الجونفوري -رحمه الله تعالى-، وشيخنا العالم المربي الشيخ محمد سليم دهورات، وغيرهما -حفظهم الله وبارك في جهودهم-.
يُعد الشيخ محمد سليم دهورات مؤسسًا لأحد أكبر وأشهر المعاهد الشرعية في بريطانيا: إسلامك دعوة أكاديمي (مجمع الدعوة الإسلامي)، حيث يشغل منصب «شيخ الحديث» فيه. ويُعَدّ هذا المجمع مؤسسة دينية متكاملة تُقدِّم برامج دراسية وتأليفية ودعوية. فبعد إتمام المرحلة الثانوية، يمكن للطلاب الالتحاق بهذا البرنامج الشرعي الذي يمتد لست سنوات، يدرسون خلالها اللغة العربية، والقرآن الكريم، والتفسير وأصوله، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والتاريخ، وغيرها من العلوم الشرعية المكثفة. ويُعرف هذا البرنامج بمنهج «العالِمية»، وهو النظام الدراسي المتبع في العديد من المعاهد الشرعية حول العالم.
كما يضم المعهد قسمًا خاصًّا لحفظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى قسم مخصص للبنات. أما المرحلة الأخيرة من برنامج «العالمية»، فتُعرف بـ «دورة الحديث الشريف»، حيث يتم في هذه المرحلة تدريس الأصول الستة المشهورة روايةً ودرايةً، وفق المنهج السائد في المعاهد الشرعية في الهند، وباكستان، وبنغلاديش، وجنوب أفريقيا، وبريطانيا، وغيرها من الدول.
فقد عقد مجمع الدعوة الإسلامي في ليستر يوم السبت (1/2/2025) جلسة ختم «صحيح البخاري» بمناسبة انتهاء العام الدراسي وتخرج دفعة جديدة من الطلاب والطالبات في برنامج «العالِمية». وقد شهدت الجلسة حضورًا حاشدًا من العلماء والطلاب وعامة المسلمين، الذين قدموا من مختلف مدن بريطانيا، بالإضافة إلى وفود من أمريكا وغيرها من الدول المجاورة.
وفي هذه المناسبة، أود أن أسجل ما تحدث عنه فضيلة العالم المحقق المتقن، العلَّامة الشيخ المفتي عمر فاروق اللوهاروي -حفظه الله تعالى-. والمفتي عمر فاروق شخصية علمية متمكنة، تولى منصب «شيخ الحديث» في دار العلوم لندن منذ سنوات، وله العديد من المؤلفات والمقالات العلمية النافعة باللغة الأردية، مثل كتاب «إتحاف الطلبة بما يحصل من العلوم المتفرقة»، و«خير الكلام في كشف أوهام الأعلام»، وغيرهما. وعلى الرغم من احترامه العميق للسلف الصالح واستفادته من تراثهم العلمي، فإنه يؤكد دائمًا على أهمية التحقيق والتدقيق في نقل النصوص، محذرًا الطلاب والباحثين من ترديد النقول والأخطاء دون مراجعة المصادر الأصلية، مشددًا على أن الاكتفاء بالمصادر الثانوية التي قد تحتوي على أخطاء في العزو والنقل لا يتوافق مع الأمانة العلمية.
فاستهل المفتي عمر فاروق كلمته قائلًا: كما أن سورة «يس» تُعدّ قلب القرآن، فإن «صحيح البخاري» هو قلب الحديث الشريف. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في بداية سورة يس: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ تأكيدًا لرسالة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وختمها بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مشيرًا إلى التوحيد والمعاد. وعلى هذا المنوال، بدأ الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه بباب كيف كان بدء الوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وختمه بكتاب التوحيد، حيث كان آخر أبوابه باب وزن أعمال العباد يوم القيامة حين يرجعون إلى الله.
وبذلك، يحتل صحيح البخاري مكانة عظيمة ومرموقة في قلوب المسلمين بين كتب الحديث، نظرًا لمنهجيته الدقيقة، وترتيبه المحكم، وموضوعاته المهمة النافعة.
ثم أوصى الشيخ المفتي عمر فاروق -حفظه الله- الطلبة المتخرجين بثلاثة أمور، وأنا أذكرها مع تخريج بعض النقول اختصارًا:
الأول: لا ينبغي للطالب أن يغتر بعلمه أو أن تجعله دراسته مغرورًا، فالعلم بحر لا ساحل له، ولا نهاية لطلبه. وقد قال العلامة جلال الدين السيوطي -رحمه الله- وهو يتحدث عن شيخه العلامة محمد بن سليمان الحنفي المعروف بـ الكافيجي -رحمه الله-: «لَزِمته أَربع عشرَة سنة، فَمَا جِئْته من مرّة إِلَّا وَسمعت مِنْهُ من التحقيقات والعجائب مَا لم أسمعهُ قبل ذَلِك، قَالَ لي يَوْمًا: أعرب «زيد قَائِم». فَقلت: قد صرنا فِي مقَام الصغار ونسأل عَن هَذَا! فَقَالَ لي: فِي «زيد قَائِم» مائَة وَثَلَاثَة عشر بحثا، فَقلت: لَا أقوم من هَذَا الْمجْلس حَتَّى أستفيدها، فَأخْرج لي تَذكرته فكتبتها مِنْهَا». [انظر: بغية الوعاة للسيوطي: 1/118] فالتخرج من برنامج «العالِمية» لا يعني أبدًا بلوغ الكمال في العلم، بل هو مجرد بداية لمواصلة رحلة التعلم. لا بد للطالب من مرافقة العلماء الصالحين المحققين، وتجديد علمه باستمرار. فقد ورد في «المستدرك» للحاكم: «البركة مع أكابركم»، وقد صرَّح بصحته بعض المحدثين، حتى الشيخ الألباني صحَّحه أيضا. وقال ابن المبارك -رحمه الله-: «لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل». وكان العلامة محمد أنور شاه الكشميري -رحمه الله- من جهابذة المحدثين في عصره، وكان يقول: قرأتُ «صحيح البخاري» ثلاث عشرة مرة، وفي المرة الرابعة عشرة شعرت أنني لم أستطع اكتشاف جميع كنوزه وفوائده. مع العلم أن الكشميري -رحمه الله- درَّس «صحيح البخاري» لأكثر من عشرين مرة في حياته! فكيف يكون حال من يتوقف عن طلب العلم بعد التخرج؟ أما الإمام المزني تلميذ الإمام الشافعي -رحمهما الله- فيقول: «قرأتُ كتاب الرسالة للشافعي خمسمائة مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت منها فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى». [مناقب الشافعي للبيهقي، 2/236] لذلك، فإن تكرار المطالعة والمذاكرة أمر ضروري لترسيخ الفهم وتعميق الاستيعاب.
الثاني: العلم ليس مجرد معرفة نظرية، بل غايته العمل، فلا بد للإنسان أن يتحلى بما يتعلمه، ويطبّق تعاليم الإسلام في جميع جوانب حياته. تأملوا في سورة العلق، فهي تبدأ بقوله تعالى ﴿اقرأ﴾، وتنتهي بقوله: ﴿واسجد واقترب﴾. وهذه إشارة لطيفة إلى أهمية الجمع بين العلم والعمل. والله تعالى يقول مظهرًا فضل العلم وأهله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ولكن الله تعالى يختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ مشيرًا إلى أن الله تعالى ينظر إلى أعمالكم لا إلى معلوماتكم. وقال قاسم بن إسماعيل: «كنا بباب بشر بن الحارث، فخرج إلينا، فقلنا: يا أبا نصر، حدثنا، فقال: أتؤدون زكاة الحديث؟ قال: قلت له: يا أبا نصر، وللحديث زكاة؟ قال: نعم، إذا سمعتم الحديث، فما كان في ذلك من عمل أو صلاة أو تسبيح استعملتموه». [انظر: حديث الزهري لأبي الفضل الزهري، ص 187]
وقال أبو القاسم بن منيع: «أردت الخروج إلى سويد بن سعيد، فقلت لأحمد بن حنبل يكتب لي إليه، فكتب: وهذا رجل يكتب الحديث. فقلت: يا أبا عبد اللَّه، خدمتي لك ولزومي، لو كتبت: هذا رجلٌ من أصحاب الحديث؟ فقال: صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث». [المناقب لابن الجوزي، ص 268]
أما عبد الملك بن مروان فقد كان يجالس العلماء والفقهاء والمحدثين، وقد روى عن أبيه وجابر وغيرهما من الصحابة. ولكنه عندما وصله خبر توليه الخلافة، كان يقرأ القرآن، فألقاه جانبًا وقال: «هذا آخر عهدنا بك، هذا فراق بينى وبينك». [انظر: تاريخ بغداد للخطيب، 10/388] فلذا، رغم اشتغاله برواية الحديث، لا يذكره أحد من المحدثين لتوقفه عن مواصلة مشوار العلم.
الثالث: إن العلم أمانة يحملها طالب العلم، ومن أهم واجباته نشره وتبليغه للآخرين. وقد قال الإمام ابن الْمبارك -رحمه الله-: كتب إليَّ سفيانُ الثَّوريُّ -رحمه الله-: «بُثَّ عِلْمَكَ , وَاحْذَرِ الشُّهْرَةَ». [حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني، 7/70]. فالتعليم يكون لمن يأتي إليك ويرغب في التعلم، والتبليغ لمن لا يأتي إليك فأنت تقرع بابه وتسعى إلى تحفيزه وتشويقه لطلب العلم. وقد قسَّم الله سبحانه الذين أوتوا العلم إلى ثلاث فئات، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وبناء على إحدى التفسيرات لهذه الآية الكريمة يمكننا أن نقول: الظالم لنفسه هو الذي تعلم ولكن لم يعمل بعلمه، والمقتصد هو الذي تعلم وعلم بعلمه ولكنه لم يقم بواجب نشره وتبليغه، والسابق بالخيرات بإذن الله هو الذي تعلم، وعمل بعلمه، ونشر علمه بين الناس. فيجب عليكم جميعًا أن تسعوا لتحقيق المرتبة الثالثة، وهي أن تكونوا من السابقين بالخيرات، الذين لا يكتفون بالعلم والعمل به، بل يسعون إلى نشره وتبليغه، امتثالًا لأمر الله وأداءً للأمانة العلمية.
ثم وجه الشيخ المفتي عمر فاروق -حفظه الله- كلمةً إلى الطالبات المتخرجات خاصَّةً، مقتبسًا من قول الله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة﴾. وقد سُئل الحافظ ابن تيمية رحمه الله عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين رضي الله عنهما: أيهما أفضل؟ فأجاب بـ «أن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشاركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة، وإدراكها من العلم ما لم تشاركها فيه خديجة ولا غيرها، مما تميزت به عن غيرها». [مجموع الفتاوى لابن تيمية، 4/393] فعلى بناتنا وأخواتنا أن يقتدين بسيدة النساء العالمات، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، في نشر العلم وتبليغه، مع الالتزام بحدود الشريعة في جميع شؤون الدين والدنيا.
وبعد محاضرة الشيخ المفتي عمر فاروق -حفظه الله-، قام شيخنا العلامة المربي الشيخ محمد سليم دهورات -حفظه الله- بتلاوة الحديث المسلسل بالأولية المعروف بـ «حديث الرحمة»، كما قرأ الباب الأخير من «صحيح البخاري» على الطلبة والحضور الكرام. ثم ألقى الشيخ كلمة تحدث فيها عن أمور مختلفة تتعلق بـ مجمع الدعوة الإسلامي، وفعالياته، والقائمين عليه، والدور الذي يؤديه في نشر العلم والدعوة إلى الله.
ويُعتبر الشيخ محمد سليم دهورات -حفظه الله- من العلماء المرموقين الذين يحظون بمحبة العلماء والطلاب وعامة المسلمين، وذلك لما يبذله من جهود علمية ودعوية وإصلاحية. ويعقد الشيخ مجالس علمية ودعوية وإصلاحية بشكل أسبوعي وشهري في مسجد المجمع، حيث يتناول فيها مواضيع علمية ودينية واجتماعية تهدف إلى توعية المسلمين وإصلاح أحوالهم. كما أن له مؤلفات كثيرة باللغتين الأردية والإنجليزية، وقد تُرجم بعضها إلى البنغالية وغيرها من اللغات. وهو يُشرف على مجلة شهرية باللغة الإنجليزية باسم «رياض الجنة»، التي تصدر بشكل متواصل منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وللشيخ رحلات دعوية كثيرة إلى الهند، وباكستان، ودول أفريقيا، وأوروبا، وأمريكا، وغيرها من الدول، حيث يهدف إلى نشر العلم الصحيح والعقيدة السليمة. إضافةً إلى ذلك، له آلاف التلاميذ والمتابعين المنتشرين في مختلف المدن والبلدان، والذين يسعون إلى نشر العلم والعمل الصالح بين عامة المسلمين وفق منهج أهل السنة والجماعة، القائم على الوسطيَّة والاعتدال، والرحمة والألفة بين المسلمين. ونسأل الله تعالى أن يبارك في جهود الشيخ، ويتقبلها منه، وينفع بها الأمة الإسلامية.
بقلم: محفوظ أحمد السلهتي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


