قال ربنا سبحانه يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].
قال جعفر الصادق: "أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الاخلاق، وليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه الآية" [الكشف والبيان (4/318) للثَّعْلَبي].
ممَّا عظُمت عناية الشريعة به: السلوك والأخلاق، ومن دلائل ذلك: أنك لا تكاد تجد سورة من كتاب الله تعالى تخلو من الحث على الأخلاق الحسنة الجميلة الفاضلة، والتحذير من الأخلاق السيئة الساقطة؛ بالترغيب تارة والترهيب أخرى.
بل إن من أجل مقاصد بَعثته صلى الله عليه وسلم: تهذيبَ النفوس وإصلاحها وعِمارتها بالأخلاق الحسنة الحميدة، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].
قال جل وعلا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
يخاطَب بهذا وهو سيد الأولين والآخرين، والمؤدَّب من رب العالمين، أكمل الناس خَلقا وخُلقا، ومع ذلك فإنه لا يسع الناس بغير الرفق واللين والعفو.
وهذه الآية (التي يدور حديثنا عنها في هذا المجلس) جمعت لك مكارم الأخلاق وأصول الفضائل التي لا تستغني عنها في معاملة الخلق.
فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أي خذ ما عفا وتيسَّر من أخلاق الناس، ولا تُشدِّد عليهم وتطلبْ ما لا تَسمح به أخلاقُهم وطباعهم
من قواعد المعاشرة العظيمة التي تتابع الأفاضل من أهل العلم والأدب على الحث عليها والوَصاة بها: أن تعاشر الناس بالخير والبذل والإحسان مع الإغضاء عما يكون منهم من الأذى والمكروه، وعدم توقع المكافأة وردِّ الجميل. ولا يطيب العيشُ إلا بذلك.
ولله كلمة قالها الإمام الكبير أبو حاتم بن حِبَّان البُسْتيُّ رحمه الله، قال: "الواجب على العاقل أن يُداري الناسَ مداراةَ الرجل السابح في الماء الجاري. ومن ذهب إلى عِشرة الناس من حيث هو كدَّر على نفسه عَيشَه، ولم تَصْفُ له مودتهم؛ لأن وداد الناس لا يُستجلب إلا بمساعدتهم على مَا هم عليه إلا أن يكون مَأْثما، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة.
والبشر قد ركِّب فيهم أهواءٌ مختلفة وطبائع متباينة، فكما يشق عليك تركُ ما جُبلتَ عليه فكذلك يشق على غيرك مجانبةُ مثله، فليس إلى صَفْو ودادهم سبيلٌ إلا بمعاشرتهم من حيث هم، والإغضاءِ عن مخالفتهم في الأوقات" [روضة العقلاء (ص209)].
ومعنى كلامه: أن الإنسان بطبعه يشق عليه تركُ هواه وعاداته وخِلاله، ويريد حمل الناس على رُكِّب فيه من ذلك، فإذا كان الجميع أو الأكثرون على هذا الوصف لم يكن إلى الوداد والوفاق من سبيل. هذا معناه، وهو كلامٌ غائص في أعماق النفس يجدر بالعاقل أن يُطيل تأمُّلُه.
وقوله سبحانه: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي المعروف، ويدخل فيه كلُّ ما أمر الله به أو ندب إليه، ومن فروعه وأجزائه: الإحسان إلى الخلق وبذل الخير لهم وإن حصلت منهم الإساءة، وهو أحد قولين نقلهما ابن جرير في تفسير الآية، ورجَّح حملها على عموم المعروف لا بعض أجزائه دون بعض.
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: أي قابل الجاهلين الذين يجهلون عليك بالسِّباب والسَّفَه وقبيح الاقوال والأفعال، قابلهم بالإعراض، وصُن نفسك عن مسافهتهم ومجاراتهم في جهالاتهم.
ففي الآية: أمرٌ بالتجاوز عما يقع من الناس من تقصير وقبول ما سمحت به أخلاقهم، وإعراض عما يقع منهم من جهل وإساءة وعدمُ مقابلة ذلك بالمثل، والقيام ببذل النصح والخير والمعروف لهم مع ما صدر منهم من تقصير وإساءة.
فأي خُلُقٍ أحسن من هذا وأكمل وأرفع؟!
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم أعظم الناس خلقا وامتثالا لأمر الله تعالى في هذه الآية وغيرها، وأخبارهم في ذلك لا تُحصى كثرة، وقد جاء في هذه الآية بخصوصها خبرٌ عن أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَحسُن إيراده هنا.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ؟ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ. [أخرجه البخاري].
بقلم: بسام بن خليل الصفدي
الأربعاء 8 رمضان 1447هـ
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


