مجالس التفسير والتدبر (7) لو تدبَّروها لَوَسِعَتْهم

مجالس التفسير والتدبر (7) لو تدبَّروها لَوَسِعَتْهم

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١ أيار ٢٠٢٦
15

من جَلائل سور القرآن وعِظامها: سورة العصر.


السورةُ التي كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأها أحدهما على أخيه [كما أخرجه أبو داود في "الزهد"، والطبراني في "المعجم الأوسط" من حديث أبي مدينةَ الدارميِّ رضي الله عنه (وكانت له صحبة). وصحح إسناده الشيخ الألباني في "الصحيحة" (2648)].


السورةُ التي لو ما أنزل الله على عباده غيرَها لكفتهم، ولو تدبروها لوسعتهم، كما جاء عن الإمام الشافعي رضي الله عنه. [انظر: تفسير ابن كثير (7/648- ط ابن الجوزي)].


وهي على اختصارها "من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره" [مفتاح دار السعادة (1/153- ط عالم الفوائد)].


أقسم الله في مستهَلِّها بالعصر، أي: الدهر والزمان، الذي هو محل أعمال العباد من خير أو شر، أقسم على أن جنس الإنسان في خُسران وضياع وهلاك، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ولم يستثن سبحانه من هذا الجنس عن الخسران إلا من اتصف بهذا الصفات الأربع المشارِ إليها في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.


فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يتضمن العلم بالحق.
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يتضمن العمل به.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ يتضمن الدعوة إليه.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ يتضمن الصبر على ذلك كله (تعلم الحق والعمل به وتعليمه)، والحق يشمل الخير كله الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم.


وهذا سبيل الفلاح والنجاةِ من الخسران: العلم بالحق، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على ذلك كله. ولو تأمل العبد هذه المراتب لوجد ثنتين منها يكمِّل بهما نفسه، وثنتين يكمِّل بهما غيره، أما اللتان يكمِّل بهما نفسه: فالعلم والعمل، واللتان يكمِّل بهما غيره: فتعليمُه إياه وصبره عليه.


فالموفق من يحرص على تكميل نفسه بالعلم والعمل، وهما الأصلان اللذان يدور عليهما دين الأنبياء والمرسلين، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].


والهدى هو العلم، ودين الحق هو العمل، وهذا هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله في كل صلاة أن يهدينا إليه ويثبتنا عليه.


ودين الإسلام لا قيام له إلا بالعلم، فإذا كان أمرُه في الناس قائما ظهر الدين وعزَّ وغلب، والعكس بالعكس. قال الإمام الزهري رحمه الله: "كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضا سريعا، فنَعْش العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذَهاب العلم ذَهابُ ذلك كله" [أخرجه الدارمي في "مسنده" بإسناد صحيح].


والعلم إنما يطلب للعمل، ولا ينتفع العبد بشيء من علمه إلا إن أيده بالعمل، وهذا من الظهور والبيان في الكتاب والسنة بما يغني عن حشد الدلائل عليه.


وإذا كمَّل العبد نفسه وأصلحها وجب عليه أن يسعى في تكميل غيره وصلاحه، فمن حصَّل شيئا من العلم والعمل وجب عليه أن يدعو غيره إليه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، ثم هو إن فعل ذلك قد يصيبه شيء من الأذى، فهو مطالب بالصبر عليه، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.


ومن صبر على الدعوة إلى الله وتبليغ الدين كانت له العاقبة.


قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 109-110].


وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34].


وهذه المراتب الأربع المذكورة في سورة العصر جاءت الإشارة إليها في قصة لقمان عليه السلام مع ولده ووصيته له.


قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].


فبدأ بدعوته إلى توحيد الله، وهذا أعظم العلم وأوجبه.


ثم حكى الله عنه في سياق الآيات: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].


- فأمَره بإقامة الصلاة، وهذا هو العمل.

- ثم أمَره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الدعوة.

- ثم أمَره بالصبر على ما يصيبه في ذلك، وهي خاتمة المراتب الأربع التي هي عنوان فلاح الإنسان وسعادته.


فالسعيد من حقق هذه المراتب وكمَّلها، جعلنا الله وإياكم منهم بـِمَنِّه وكرمه، اللهم آمين.


بقلم: بسام بن خليل الصفدي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...