مجالس التفسير والتدبر (6) {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}

مجالس التفسير والتدبر (6) {أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
23

من أصول النعم التي أنعم الله بها على عباده: نعمة الأمن، ولا تستقيم حياة الناس ومصالحهم ومعايشهم إلا به، وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام لذريته من بعده، وامتن الله به على قريش فقال: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 57].


وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: 67]، والآيات في الباب كثيرة معلومة.


وقد بين سبحانه أن الأمن يحصل للناس على قدْر إيمانهم وتوحيدهم، ويحصل لهم من الخوف والرعب على قدر كفرهم وإشراكهم به.


قال الله تعالى على لسان الخليل عليه السلام: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].


وقال جل وعلا: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151].


وقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].


والظلم المنفي عن أهل الإيمان في الآية المتقدمة: الشرك.


أخرج البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]).


فأهل التوحيد والإيمان أعظم الناس أمنا وهُدى، والكفرة المشركون أبعدهم عن ذلك كله. وما يحصل لأهل الإيمان من الأمن والاهتداء إنما هو في الدنيا والآخرة، وليس محصورا في الدنيا؛ وكذلك ما يحصل للمشركين من الخوف والضلال إنما هو في الدنيا والآخرة جزاءً وفاقا للفريقين.


والأنبياء وأتباعهم لهم من ذلك النصيب الأوفى، وأكملهم في ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم؛ وذلك لعِظم تحقيقهم التوحيدَ والإيمان.


تأمل معي قول الله تعالى في موسى ومن معه وهم مطارَدون من فرعون وجنده: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62]، وقارن بين ثبات الكليم عليه السلام وخوفِ قومه، وكيف قال: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، ولم يقل قولة نبينا صلى الله عليه وسلم -يوم أخرجه الذين كفروا، وكان في الغار مع صاحبه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]؛ وذلك أن معية الله وهدايته حصلت لموسى دون قومه لعدم استحقاقهم لها بمعصيتهم وكثرة مخالفة نبيهم، بخلاف أبي بكر رضي الله عنه أعظم الناس إيمانا وتوحيدا في هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم. وقولُ موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يشبه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؛ فالأمن لا يتحقق للعبد إلا بمعية الله سبحانه، ومن كان الله معه فلا خوف عليه.


وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابُه رضي الله عنهم أصابهم يوم أُحد من القتل والجراح والأذى ما أصابهم، ثم بلغهم أن المشركين رجعوا لاستئصالهم، فما وهَنوا وما ضعُفوا وما استكانوا، بل زادهم إيمانا ويقينا بموعود الله، وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].


وتحزبت عليهم الأحزاب يوم الخندق، ورماهم الناس عن قوس واحدة، ونجَم نجْمُ النفاق، وبلغت القلوب الحناجر، وظُنت بالله الظنون، فما كان منهم إلا أن قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].


وقارِن هذا بحالهم يوم أحد وحنين لما وقعت منهم المخالفة فدبَّ الخوف والرعب في قلوبهم وولَّوا الأدبار إلا قليلًا منهم ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت لهم العاقبة، على ما بينه ربنا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 155].


وما لنا نذهب بعيدا وشاهد الواقع ماثل بين أعيننا في الحرب الأخيرة على غزة، يوم جاء أعداء الله بعددهم وعُدَّتهم وعتادهم في أعظم حرب عرفها الناس في زماننا، على بقعة صغيرة محاصرة من سنين طويلة، قد اتخذوا فيها كل أسباب السلامة وتدابير الوقاية، وكان ما كان مما رآه الناس في العالمين من ثبات الأبطال، واقتحامهم الأهوال -غيرَ هيَّابين ولا وجِلين- بقلوب يَعْمُرها الإيمان، ويُجَلجِل فيها اليقين بموعود الله، وعدوهم يفرُّ خائفا وهو مدجَّج بالسلاح، مَحْميٌّ بالطائرات، تأتيه الأَمداد من كل مكان، لكنها السُّنن ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾.


وأختم بكلام لابن القيم عظيم النفع والمناسبة لما نحن فيه، قال رحمه الله في سياق حديثه عن عقوبات الذنوب والمعاصي: "ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفا مرعوبا.


فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب.


فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مَآمِنُه مخاوف. فلا تجد العاصي إلا وقلبُه كأنه بين جناحَي طائر، إنْ حركت الريح الباب قال: جاء الطلب، وإن سمع وَقْعَ قَدَم خاف أن يكون نذيرا بالعطب. يَحْسَب كل صيحة عليه، وكلَّ مكروه قاصدا إليه. فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء" [الداء والدواء (ص182- ط عالم الفوائد)].


بقلم: بسام بن خليل الصفدي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...