مجالس التفسير والتدبر (4) {لمن كان له قلبٌ}

مجالس التفسير والتدبر (4) {لمن كان له قلبٌ}

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٢ شوال ١٤٤٧ هـ - ١٠ نيسان ٢٠٢٦
179

مِن أوائل ما نزل عل النبي صلى الله عليه وسلم: سورة المدثر، وفي أولها أمرُ الله جل وعلا له: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].
ومن المنقول عن السلف في تفسيرها: طهِّر قلبك.
واعلم أن هذا كان قبل أن تُشرع أكثر العبادات والتشريعات، وفيه بيان خطر هذه النطفة التي بصلاحها يصلح الجسد، وبفسادها يَفسد.
والمتأمل في آي القرآن يجد حضور القلب في كل العبادات التي أمر الله بها، وإن كان هذا يتفاوت من عبادة لأخرى، فالعبادة عبادة القلب والجوارح تبع له.
ومن أصول هذا الباب: أن يعلم المتعبِّد أن العبادة الحقة التي أمر الله بها، ووعد عليها بالأجر والثواب= هي التي يجوِّدها صاحبها، ويجتهد في إحسانها وإيقاعها على أكمل وأتم الوجوه، ولا يتم ذلك إلا إذا أقبل فيها على الله بقلبه مُنيبا متضرعا مُخبتا.
والعبادة التي لا يكون القلب فيها حاضرا تصحُّ من العبد، وتبرأ بها الذمة، لكنها لا تَصِلُه بربه، ولا تزيد في إيمانه.
وخذ على ذلك مثلا تعظُم الحاجة إليه، ويكثر التفريط في العبادة المضروبة فيه، أعني: الصلاة.
هل رأيت الأمر بها -مع كثرته الكاثرة- مجرَّدًا في كتاب ربك؟!
لا، لن تجد في موضع واحد -من هذه المواضع الكثيرة- الأمر بالصلاة أمرا مجردا، بل لا يكون ذلك إلا مقرونا بالإقامة على اختلافِ وتنوع ألفاظها (وأقام، وأقيموا، وأقِم، ويقيمون، ويقيموا، والمقيمي، والمقيمين،... إلخ).
والأمر بالإقامة فيه معنى زائد عن الأمر بالأداء كما لا يخفى عليك.
وأول إقامتها: حضور قلبك فيها بين يدي ربك سبحانه، وخشوعك وقنوتك وإقبالك بكليتك عليه.
ثم انظر كيف أناط به الفلاح فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، ثم ذكر بقية أوصافهم، وقدم الخشوع على غيره إيذانا بشرفه، وعظيمِ أثره في فلاح العبد في الدنيا والآخرة.
وامتدح الخاشعين بتلذذهم في الصلاة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِين﴾ [البقرة: 45].
وتفكر فيما شئت من العبادات، وقلِّب النظر في مواضع الأمر بها والحث عليها= تجد هذا المعنى الإيماني العظيم حاضرا بكثافة.
ولقد شدَّني -وأنا أطالع قبل سنوات في بعض ما كُتب عن هذا المعنى في المناسك- كلام للشيخ المفسر عصام العويِّد عن حضور القلب في الحج، مع أنَّ مبناه على الاتِّباع، فما من عبادة يُمتحَن فيها التسليم، وتتجلَّى المتابعة مثل المناسك؛ إذ كثيرٌ منها لا يُدرَى فيه وجه الحكمة، ولا يَسَعُ المسلمَ حيالَه إلا الانقيادُ، ومع ذلك تجد التقوى والخشية والتعظيم حاضرة في المناسك كلها، فالحج مبناه على التقوى، والغاية منه تحقيقها وتمتينها.
قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197].
وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203].
وقال جل وعلا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج: 37].
وقال في تضاعيف آيات الحج: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30].
فلئن كانت هذه المعاني القلبية حاضرة في هذه العبادة النُّسُكية فكيف يكون حضورها في مثل التلاوة والذكر والدعاء ونحوها من العبادات التي رأس أمرها الإنابة والإخبات والضراعة؟!
وأختم بوصية إخواني في هذه الأيام والليالي المباركة -وفي كل وقت- بحراسة قلوبهم ورعايتها وإحضارها في العبادة، فإن ذلك والله من الأصول العظيمة التي غفل عنها أكثر الخلق ولم يرفعوا بها رأسا.
والله سبحانه أمر بإحسان العبادة والإتيان بها على أكمل الوجوه، ولا والله لا يتم ذلك إلا بإحضار القلب؛ خشوعا في الصلاة، وقنوتا في القيام، وتدبرا في التلاوة، وضراعة في الذكر والدعاء.. إلخ.
ومن أعظم ما ابتُلينا به اليوم غفلةُ قلوبنا وذهولها في أودية الدنيا، فالمجاهدة في هذا الباب اليوم من أعظم أبواب المجاهدة وأشدها على النفوس، واعتبِر بقولة سفيان أو غيره من أئمة السلف: "جاهدت نفسي في الصلاة عشرين سنة حتى استقامت لي"، ومجاهدته إنما هي في هذا الذي نحن فيه.
من معاركنا الكبرى مع الشيطان: معركة القلب والخشوع والضراعة، فطوبى لمن أمسك بزمام قلبه، وجاهد نفسه وحلّق بها في الملكوت الأعلى، اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك.


بقلم: بسام بن خليل الصفدي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...