مِن أحبِّ الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض طلبُ العلم، ومن أراد الله به خيرا أقامه على هذه السبيل، وهداه إليها، وجعله في زُمْرة ورثة الأنبياء والمرسلين.
والصراط المستقيم مَبْناه على أصلين عظيمين، هما: العلم والعمل، المذكوران في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].
"فالهدى: هو العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح" [تفسير القرآن العظيم (6/645) لابن كثير].
والله سبحانه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم (بل جميع الأنبياء والمرسلين عليهم السلام) بالعلم النافع والعمل الصالح، فهما أصلُ دعوةِ ورسالة جميع الأنبياء، بهما تُنال ولاية الله، ويُسلك صراطُه المستقيم الذي أُمِرنا بسؤال الهداية إليه في كل صلاة.
فالعلم النافع أصل مادته من الوحي كتابا وسنة، وما اتصل بهما وتفرع عنهما.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145].
وقال جل شأنه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61].
وما الذي جاءه صلى الله عليه وسلم؟ الجواب في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166].
والمراد: أنزله مشتملا على علمه الهادي إلى رضوانه وجناته.
ومن جميل ما أورده ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: أثرُ عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السُّلَمي القرآن، وكان إذا قرأ أحدُنا القرآن قال: قد أخذتَ علم الله، فليس أحد اليوم أفضلَ منك إلا بعمل، ثم قرأ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [تفسير ابن أبي حاتم (4/1121)، رقم (6296)].
وأَولى الناس بوصف العلم أعلمُهم بالوحي، وأكثرهم اتباعا له وعملا به.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 48-49].
فأثبت لهم العلم بما حوته صدورهم من الآيات البينات.
وقال سبحانه يصف حال المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: 16].
والذين أوتوا العلم في الآية: الصحابة رضي الله عنهم، وإنما كان الذي أوتوه: علمَ الكتاب والسنة، وهو العلم الأصيل المعتَّق المنزَّل من عند الله سبحانه؛ ولهذا قال مَن قال من السلف: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وما لم يجىء عنهم ليس بعلم".
ومن جليل المنقول عن ابن مسعود رضي الله عنه: "من أراد العلم فليثوِّر القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين" [أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلَّام في "فضائل القرآن"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وغيرهم بإسناد صحيح].
ولله بيتان أنشدهما لنفسه القاضي عياض رحمه الله، يقول فيهما:
العــلم في أصلين لا يَعْدُوهما **
إلا المضلُّ عن الطريق اللّاحب
علم الكتاب وعلم الاثار التي **
قد أُسنِدت عن تابع عن صاحب
فأشرف العلوم علمُ الشريعة، وكلُّ ما ورد في كلام الله ورسوله من فضل العلم وشرفه فإنما يُحمل أصالة وابتداء على علوم الكتاب والسنة وما يخدمهما ويتصل بهما، أما العلوم الدنيوية كالطب والهندسة، والفيزياء والكيمياء، والسياسة والحرب، والاجتماع والاقتصاد، وغيرِ ذلك مما يطلبه الناس= فإن المرء إن أخلص النية فيها لله، ونوى نفع دينه وأمته فإنه يصيب من الأجر على قدر نيته.
فمن أراد الله به خيرا شغله بهذا العلم الشريف الأصيل، وصرفه عن الأهواء والمحدثات وما لا نفع فيه من العلم الدخيل.
والدعوة إلى العلم والترغيب في طلبه ليس محصورا -كما يظن كثير من الناس- بطائفة معينة، بل يدخل فيه عامة أهل الإسلام، ثم الناس بعد ذلك يتفاوتون في تحصيله وفهمه وبذله، غير أن أصوله التي لا يصح الدين والعبادة إلا بها متعينة على كل أحد، ولا يُعذَر بجهلها وعدم القيام بها.
اللهم إنا نسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا.
اللهم حبب إلينا العلم والإيمان، واجعلنا من عبادك المهتدين.
اللهم انفعنا بالعلم، وارزقنا الهمة في تحصيله ونشره يا رب العالمين.
بقلم: بسام بن خليل الصفدي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


